عبد الله علي إبراهيمليس صعباً تصور ضيق الصحافي السفير الإسلامي العبيد مروح بمن يأخذون بخناق الإسلاميين لإرغامهم على تذنيب أنفسهم على سيئات دولتهم والاعتذار. وهو مطلب مشروع لو أراد طالبه لا استذلالهم، بل العلم من فمهم لا عن كيف أخطأوا، بل عن كيف يكيفون هذا الخطأ في خطاب يومهم السياسي. وحيال هذه الملاحقة الدراجة لم يجد مروح إلا أن يشيع الخطأ الذي يتعقبهم الناس به للإقرار به في الجميع. فتعاقبت في قوله نظم على السودان لـ70 عاماً لم تنجح في صهر المجتمع السوداني المتنوع في بوتقة واحدة، فتحيله أمة واحدة فارتد قبائلياً. وعليه فعلى كل نظام من هذه النظم، بل الطوائف التي عارضتها بالسلاح، أن يحمل “نصيبه بقدر المدة التي بقيها وهو يدير شؤون العباد”. كلنا خطاؤون، قال، فلا يكابرنَ أحد.ونوه الصحافي المخضرم عادل الباز بمقالة مروح من جهة تشخيصه لأزمة الدولة في السودان في فشلها بإدارة تنوعها فغلبت القبيلة على الأمة. لكنه رد الأزمة بتوفيق كبير إلى جذرها في وراثتنا للدولة الاستعمارية من غير إبدال أو إحلال بينما تلك الدولة، بحسب قوله، هي مجرد “إدارة فوق مجتمع متنوع لم يُمنح فرصة التطور الطبيعي نحو الاندماج”. فورث السودانيون دولة، إدارة، حديثة خلت من عقد وطني تأسيسي عمن يملك السلطة، ولمصلحة من تعمل، وكيف تدار من داخلها. ومن هنا في قوله كان فشل النخب في تحويل تنوع السودان إلى شراكة وطنية حقيقية، مما انتهى بالناس إلى توزع الولاء فيه بين الأمة والقبيلة، والهامش والمركز، والريف والحضر.ودعت السيدة الإسلامية هويدا شبو في سياق مختلف إلى هذا العقد الـتأسيسي نفسه، فقالت إننا كنا قبل الحرب في مسار “تفكك”، “حروب تنتهي لتعود، واتفاقات توقع لتخرق، ونخب تتناوب السلطة من دون تغيير حقيقي في البنى، ومجتمعات تنزف حيويتها ببطء”.لم يخرج الباز وهويدا من الذائع حتى عند خصومهما في “صمود” أو حتى في تأسيس قوات “الدعم السريع” من أن المخرج للبلاد في ميثاق جامع عادة ما وصف بأنه لا بد من أن يخاطب “جذور الأزمة”. إلا أنهم لا يرون في الإسلاميين شريكاً في مثل هذا المشروع في المستقبل.لكن ما ينتقص الدعوة إلى هذا الميثاق الجامع أنها لا تقوم من فوق تشخيص جدي للأزمة يتجاوز الدعوة لها بعد الدعوة لها وكأنه سيقع لنا من فرط ثقل هذه الدعوات. وأحسن الباز برد الأزمة إلى قعودنا من دون تحويل “الإدارة الحديثة” للاستعمار في وصفه إلى دولة حديثة. ولكن التوقف عند تقرير هذه الحقيقة ولوم النخب على هذا القعود لا يكفي من دون التعرض لما ساق إلى فشلها في هذا التحول، حتى غلبت القبيلة وتأخرت الأمة. فالمعلوم أن السودان لم يعِش سوى 13 عاماً في نظام ديمقراطي منذ استقلاله عام 1956 إلى سقوط دولة الإنقاذ في 2019. وكانت تلك السنوات سنوات حكم انتقالي بين ثورتين على ديكتاتوريتين. ولك أن تتخيل متاعب مثلها في مثل ذلك الشرط لترسي البلاد به إلى مرفأ.وعليه لم تكُن أزمة الدولة من مجرد “فشل الصفوة وإدمانها الفشل” كما تجري العبارة، إذ كانت الأزمة صناعة صفوة ارتكبت هذه الانقلابات في المركز والحركات المسلحة في الهامش ليكون مشروعها هي، لا أي مشروع غيرها، هو ميثاق الأمة المنقذ لها من الضلال. فالقبائلية صناعة دولة المشروع الصفوي أو الحزبي المستعان عليه بالديكتاتورية وليست ما يلوذ بها أهلها من خيبة الدولة. فلا يبقى من مؤسسات حق حرية التعبير والتنظيم بعد بيان الانقلاب الأول أثر. ولكن تبقى القبيلة التي انعقدت على رابطة في الدم والعرق ليس بوسع المنقلبين إزالتها. فبالانقلاب لا تتبخر المنظمات العابرة للقبيلة مثل الحزب والنقابة والاتحاد بعد البيان الأول وحسب، بل تدخل القبيلة السياسة من أوسع أبوابها في المؤسسات السياسية والتمثيلية التي ينشئها النظام الديكتاتوري مثل الحزب الواحد ومجالس الشعب (في دولة الرئيس نميري) أو المؤتمر الوطني و”المجلس الوطني” في دولة الرئيس عمر البشير. فليست القبيلة مأوى من لا مأوى له، خلافاً لذلك فهي حزب من جردوه عنوة من أي سبيل شرعي للمشاركة في شأن وطنه.وعليه فليس الخلاص في “المشروع الجامع” كما جرى الاتفاق بين الصفوات الحديثة، بل في تنافس مشروع كل جماعة منها مع غيرها في شرط الديمقراطية الليبرالية، أي التي فيها حق الاقتراع لجميع من بلغوا نصابه. فمن وراء الديكتاتوريات المتعاقبة بعد عام 1969 وعام 1989 يأس من كانوا من ورائها من صفوة الطبقة الحديثة من بلوغهم سدة الحكم بالاقتراع العام. فكانوا علموا علم اليقين أن مثل هذا الاقتراع لا يأتي بهم إلى الحكم، بل هو الذي تسود به طبقة الأعيان في أحزابها الطائفية التقليدية. وكان من أحسن من عبر عن هذا اليأس الحداثي من الاقتراع العام القيادي في “صمود” السيد خالد عمر يوسف في يوم قديم قال فيه إنهم في القوى الحديثة، على مطالبتهم المؤكدة للديمقراطية وفدائها بالمهج، إلا أنها النظام الذي لا يحسن إليهم.ومما يستغرب له المرء أن تتفق هذه الصفوات على أن إقالة السودان من عثرته رهين بـ”مشروع جامع”، بينما لا يحتاج الأمر إلى أكثر من التعاقد على الديمقراطية سبيلاً للحكم في السودان. فيستغرب المرء مثلاً لخلو مقالة شبو من ذكر الديمقراطية بالاسم سوى مرة واحدة في معرض بيان صورية نظم دولة نميري السياسية.فالصفوات على اتفاق أن المخرج للسودان في “مشروع جامع” يتوافق عليه الكل حتى على أدق دقائقه ليتنزل في الدولة برضا الجميع. فهم، إذا استعرنا مجازاً من الصلاة، يريدون للصف أن يستوي بسد الفرج مع أن السياسة، تعريفاً، هي إدارة هذه الفرج. وبالديمقراطية تسوى المسافات بين الفرقاء.وتتصل بـ”المشروع الجامع” عقيدة أخرى مناوئة للديمقراطية، فراجت بين الصفوة قولة منسوبة للعقيد قرنق، زعيم الحركة الشعبية، تقول إنه ليس مهماً من يحكم السودان، بل كيف يحكم السودان مع أن الديمقراطية في جوهرها حول من يحكم البلد المعين. ولهذا قامت على منافسة الأحزاب لكسب الناخب لمشروعها هي لا لمشروع جامع. ومتى حصلت على تفويض الشعب حكمت به. وقعدت لها المشاريع المنافسة كل مقعد تستنزفها لتفض الناخبين من حولها في انتخابات الدورة الثانية.لم يخطئ مروح في تقريره أن النخب السودانية التي حكمت السودان، أو حتى عارضت من حكمه، جميعاً خطاؤون إلا أن تكون هذه طريقته في تصغير الخد على مطلب مشروع من الإسلاميين أن يتصالحوا مع حقيقة أن ما نحن فيه من رهق الحرب، أخطأ من قبلهم أو أصاب، من صنع يدهم. فهم من جاء بمهمة انتدب لها نفسه طائعاً مختاراً لإنقاذ السودان من النخب الخطاءة. و”انبشقت”، وهي العبارة السودانية في اختلاط الأمر وفساده مما لا يرجئ البرء منه. وفي العربية “رجل بَشِقٌ إذا كان يدخل في أُمور لا يكاد يَخْـلُص منها”. وجاءت الثورة على دولتهم، فالحرب التي تولدت عنها خلال قيامهم بأمر البلد لثلاثة عقود. وليس من غيرهم في يومنا من تطارده نبطشيته في ولايته على الدولة مثل ما تطاردهم حتى أخرجتهم من الملة. فلا يرد ذكرهم إلا مستثنيين من أي دور في السياسة السودانية ليومنا. ثم جاءتهم طامة تصنيفهم من أميركا كقوة إرهابية. ولقد انكسر الإناء وهو بين أيديهم ومن كسره تملكه في قول العجم.وتملك الإسلاميين لولايتهم على السودان وعواقبها فرض وجوب، ولن يغنيهم عنه مثل نهج مروح في مطابقة خطأهم مع الخطائين ممن سبقوهم إلى الحكم لأنه من قبيل ما نقول عنه في السودان “الموت مع الجماعة عرس”. فإن لم يمتلكوا خطأهم فرداً بلا محاكمة لغيرهم (أو محاكمتهم في سياق محاكمتهم لأنفسهم) ركبهم وأفحشوا. فترافق مع هذه الكتابات التي أراد بها إسلاميون الإسهام العام في الحوار الوطني أن ضجت المنابر بأقوال للقيادي في الحركة الإسلامية عثمان كبر أثناء مجلس أنس خاص استهان فيها بالفريق الركن عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، وصوره كتابع للإسلاميين جاؤوا به من حيث لم يحتسب ليؤدي خدمات بذاتها ثم يغادر. وكان ذلك اغتياباً لم ينجح في الدفاع عنه. وكان كسباً عظيماً لخصوم البرهان ممن لم يكفوا عن القول إنه رهن إشارة الكيزان.ومتى تصالح الإسلاميون مع فكرة تملك ولايتهم على السودان “أعوج عديل” بغير لجاج، فلن يجدوا نقطة للبدء بالمبحث أفضل مما جاد به قلم القيادي الإسلامي الدكتور الدرديري محمد أحمد ضمن مقالات منجمة في الصحف، فقال إن عليهم ألا يمتنعوا عن “إطلاق المراجعات الاستراتيجية والفكرية والمنهجية والتنظيمية الشاملة وألا نتردد في نشر نتائجها” بغض النظر عن مغالاة خصومهم في طلبهم هذه المراجعات. ووفق الدرديري، غاية التوفيق بأن جعل انقلابهم في يونيو (حزيران) 1989 كـ”اللحظة التي تنكب فيها الإسلاميون السودانيون… النهج والتنظيم المحكمين اللذين أقروهما بتوفيق كبير وعلى نحو متدرج منذ ستينيات القرن الـ20″. فلم يكُن خطأهم، في قوله، من خلو السودان من “المشروع الجامع” خلواً جعلهم يرتكبون خطة الانقلاب. وكان لهم مشروعهم ووالوه بالدعوة والمثابرة والمصابرة عقوداً عشماً في كسب الناس له طواعية. ولكنهم، وفي سياق سياسي تنظيمي لحركتهم وصفه وأوفي، قاموا بتلك المسارعة للإسلام. وعليه فهم لم يصدروا عن نقص ميثاق جامع، بل عن عتو حركي برنامجي.وبعبارة “وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ”.The post الإسلاميون في متاهتهم: بانقلاب 1989 أنفسهم يظلمون appeared first on صحيفة مداميك.