بقلم: محمد ضياء الدينفي ذلك اليوم الأغر السادس من أبريل 2019، كنت معتقلا في “الثلاجات” المعتقل التابع لجهاز الأمن. كانت الزنازين تضيق بنخبة من شرفاء الوطن، من شيوخ خبروا السجون وشباب إستقبلوا التعذيب بصدورٍ عارية وشجاعة متناهيه. كانت أياماً عصيبة، صبّ فيها الجلاد جام غضبه على الشباب الجدد، في محاولة يائسة لكسر إرادة لم تكن تعرف الانكسار.عشنا في تلك الفترة حصاراً داخل الحصار، فلا زيارات تطل علينا بوجوه الأهل، ولا معلومات تروي ظمأنا لمعرفة ما يدور في الشارع. بلغ التوتر ذروته بعد أن فُرض علينا عزلٌ مشدد، كعقاب جماعي لهتافنا الجريء تضامناً مع أستاذ جامعي تعرض للتعذيب .كانت عمليات “الإحلال والإبدال” مستمرة، قادمون من سجن “كوبر” وذاهبون إلى معتقل “الثلاجات” وآخرون يتم نقلهم إلى سجن “دبك” حيث حفلات الاستقبال الوحشية. كانت الأخبار تصلنا متقطعه وغير كاملة.كنا أحياناً نسمع صوت الرصاص فنغرق في سيل من التحليلات الافتراضية. كنا نبني قصوراً من التوقعات، ثم ما نلبث أن نصاب بالإرهاق، فنستسلم للنوم “نوم الديك في الحبل”، لنصحو في الغد ونعيد تدوير ذات التحليلات.في المعتقل تنقلب الموازين فجأة دون مقدمات حتى إننا إستبشرنا يوماً برائحة “البمبان” التي تسللت إلينا كانت بالنسبة لنا أصدق رسالة تؤكد لنا أن الشارع لا يزال يثور وأن رفاقنا في الخارج يزلزلون الأرض.تحولنا جميعاً إلى “محللين إستراتيجيين” . كانت المصادر شحيحة، لكن “رويترز السجن” محمد سيد أحمد كان يستغل “مريخيته” لاستدراج بعض الحراس “المريخاب” وإستقاء الفتات من المعلومات. ورغم أن المقدم الكباشي (مسؤول المعتقل) صادر أجهزة التلفاز التي كانت في بعض الزنازين، إلا أن الشباب إستحدثوا وسيلة الطرق بدقات منتظمة على الجدران والحديث عبر فتحات الأبواب التي كانت تنقل الأخبار بين الزنازين.قبل يوم العبور الكبير في 6 أبريل وصلتنا معلومات عن التجهيز لموكب يعد له للتوجه صوب “القيادة العامة”، كنا نتأرجح بين الأمل والشك. وفي ذلك اليوم وعلى غير العادة جاءت “قائمة زيارات” كان إسمي ضمن القائمة . نُقلنا عبر حافلة الأمن المظللة من معتقل “الثلاجات” إلى سجن “كوبر” مكان زيارات الأسر، هناك وُضعنا في زنزانة إسمها “المحطة” بانتظار الزيارة التي تمكن بعض المعتقلين من زيارة أسرهم لأول مره ونقلوا لنا معلومات عن الموكب الحشود المهولة .مضت الساعات، غابت الشمس ولم تأتِ أسرتي (وعلمت لاحقاً أنهم لم يُخطروا أصلاً). لكن مع حلول العصر إنشق الصمت بسماع رصاص كثيف ثم هتافات تقترب، وزغاريد كنداكات ترد الروح.حينها رأينا الارتباك في عيون عناصر الأمن وهم يسارعون لارتداء زي الشرطة في محاولة للتخفي والتمويه.تم إبلاغنا بأنه قد تقرر مبيتنا في “كوبر” لاستحالة العودة بسبب إغلاق الطرق وتجمهر الثوار. كنا 11 معتقلاً في تلك الزنزانة الضيقة “المحطة”، لكن قلوبنا كانت تتسع للسودان بأكمله. إستطعنا بـ “قلم مسرب” تدوين أسمائنا وتوثيق تلك اللحظة التاريخية.كنت أحمل هماً واحداً كيف أنقل هذا “الشمار الحار” لرفاقي المعزولين في “الثلاجات”؟ إدعيت حاجتي الماسة لعلاجاتي الدائمة، في الواقع هو ليس إدعاء ونجحت الخطة مع نفس الموقف الذي قدمه كابتن صديق ابو فواز، نُقلنا أنا وأبو فواز في عربة إسعاف (للتمويه) ومعنا العشاء للمعتقلين. حين وصلنا “الثلاجات” وفي ممر الزنازين، لم أتمالك نفسي، صرخت بأعلى صوتي: “سقطت.. سقطت!”.ثارت الزنازين، وتعالى الضجيج “في شنو؟ في شنو؟”، ورغم محاولات الحراس لإسكاتي، كنت قد ألقيت ببذرة الأمل في نفوسهم. قضيت تلك الليلة أحكي التفاصيل التي نزلت على قلوب المعتقلين كبرد وسلام.هي أيامٌ محفورة في وجدان التأريخ. بدأت بملحمة الوصول في 6 أبريل، وإنتهت بخروجنا محمولين على أكتاف الثوار في 11 أبريل.The post من خلف القضبان: ملحمة 6 أبريل 2019 appeared first on صحيفة مداميك.