تفكيك المعبد: الحقيقة التي كشفها عامر الحاج وأربكت حسابات الإسلامويين

Wait 5 sec.

 محمد الأمين عبد النبيقبل يومين مررتُ بمنشور للأستاذ عامر علي الحاج على صفحته في “فيسبوك”، يلمّح فيه إلى ضيق الإسلامويين من حدّة نقده. ومن المعروف أن عامر يخوض مواجهة فكرية وتنظيمية وسياسية مع البنية التي نشأ داخلها، وقد خبر عن قرب تناقضاتها وفسادها ومفارقتها للوجدان السوداني، على نحو يشبه ما فعله ثروت الخرباوي في كتاب “سرّ المعبد”، فقد اتجه عامر إلى تفكيك هذه البنية كمعبد متصدّع، وإعادة فحص أسسه التي أُحيطت بهالة زائفة من القداسة. في مقابل ذلك، ظلّ كثير من الإسلامويين يلجأون إلى سرديات التبرير والحنين، متحصنين بخطاب يعيد إنتاج الإخفاق بدل مساءلته.جاء نقد عامر حاداً ودقيقاً كأداة جراحية، يتتبّع أعطاب التجربة، ويكشف عجز تصورها الفكري والسياسي عن استيعاب تعقيدات الدولة الحديثة وتحولات المجتمع السوداني. ومن هنا، يغدو حضوره إلى جانب أصوات مثل المحبوب عبد السلام مصدر قلقٍ حقيقي؛ لأنه يجرّد الخطاب من أقنعته ويضعه عارياً أمام أسئلة لم يعد ممكناً تأجيلها.ثمة حقيقة تفرض نفسها بإلحاح في سياقنا السوداني والإقليمي؛ وهي أن مشروع الحركة الإسلامية، بصيغته التي حكمت وجرّبت وأمسكت بزمام السلطة، قد بلغ ذروته ثم أخذ في الأفول، بعد أن استنفد أغراضه واستهلك وعوده وأثقل البلاد بأزمات متتالية. فقد باتت تجربة الحركة الإسلامية انكشافاً تاريخياً لنموذج عجز عن التكيّف مع تعقيدات الدولة وهوية المجتمع، ويصرّ أنصارها على السباحة عكس تيار التاريخ، متجاهلين سنن الكون القائمة على التغيير، وأن دوام الحال من المحال، وأن المجتمعات لا تعود إلى الوراء مهما اشتدت الرغبة في ذلك.لقد أُغلقت أبواب المراجعات، وغُيّبت لحظة الاعتراف بالخطأ التي تُعد شرطاً لأي عودة أخلاقية أو سياسية؛ فلم تُطرح أسئلة المسؤولية بجدية داخل أضابير الحركة، ولم تُقدَّم اعتذارات صادقة للشعب الذي دفع الكلفة الأكبر، بل على العكس، تم تحميله تبعات إخفاق الحركة، وكأن الضحية مطالبة بتبرير ما لحق بها من أذى. وهكذا تحوّل الخطاب إلى آلية إنكار، تتشبث بالشعارات وتفرّ من مواجهة الواقع، وتستعيض عن النقد الذاتي بإعادة إنتاج ذات اللغة التي قادت إلى المأزق.لقد أهدرت الحركة الإسلامية فرصاً تاريخية نادرة كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف وأكثر انفتاحاً، لكنها انحازت إلى منهج رفض الآخر والولاء الأيديولوجي وإشعال الحروب على حساب بناء دولة المواطنة. فلم تُدرك لحظة الحقيقة حين كانت ممكنة، فاستحكمت الأزمة داخل التنظيم، وصدق فيهم قوله تعالى: “وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”. إذ تحوّل التعنّت والشطط إلى مسار يقود إلى مزيد من الانغلاق والعجز والانحطاط.والنتيجة اليوم واضحة في المشهد الإسلاموي؛ تمسّكٌ بشعارات جوفاء دون قدرة على الإجابة عن أسئلة السودانيين المُلِحّة عن الحرية والعدالة والديمقراطية والتنمية، وإصرارٌ مقيت على استعادة سلطة فوق ركام الضحايا، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن التجربة الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود لم تكن كافية لاستخلاص الدروس. ثلاثون عاماً حفلت بالفساد، وبإضعاف مؤسسات الدولة، وبتمزيق النسيج الاجتماعي، وبإشاعة خطاب الكراهية والإقصاء، حتى انتهى الأمر إلى تفكيك المجتمع وتقسيم البلاد.إن أخطر ما في مشهد الحركة الإسلامية هو الإصرار على إعادة إنتاج الفشل وشروطه، واختزال السياسة في صراع صفري على السلطة، واستباحة موارد البلاد ونهب قوت الناس. إننا أمام أزمة أخلاقية وسياسية مركبة تهدد تماسك المجتمع وتغامر بمصير وطن، تُدار بأدوات فقدت صلاحيتها، وبخطاب لم يعد يقنع حتى أنصارها ناهيك عن الشعب السوداني. هذا الإصرار على السير في هذا الطريق بلا معالم يعمّق العزلة، ويغلق إمكانيات العودة، ويدفع نحو مزيد من التفكك. وفي لحظة تاريخية فارقة كهذه، يصبح التمسك بالماضي عبئاً لا طاقة للبلاد به، ويغدو الاعتراف بالحقيقة مهما كان مؤلماً هو الخطوة الأولى نحو الخروج من النفق؛ فالتاريخ لا ينتظر أحداً، ومن لا يتعلم من دروسه، يُكتب عليه أن يدفع كلفتها مضاعفة.ثمة قناعة آخذة في الترسّخ، داخلياً وخارجياً، بأن الإسلام السياسي يمرّ اليوم بأسوأ مأزق تاريخي في مسيرته. فعلى المستوى العالمي لم يعد يُنظر إليه بوصفه مشروعاً سياسياً قابلاً للإدماج، بل صار في كثير من السياقات تحت طائلة التصنيف والملاحقة. وعلى المستوى الوطني فقد رصيده الاجتماعي إلى حدّ باتت دلالاته مثار رفض واسع، ومصدراً للوصم والإساءة؛ فليس غريباً أن قام أحد المواطنين بتدوين بلاغ رسمي في قسم الشرطة ضد شخص آخر بتهمة إشانة السمعة بعد أن وصفه بلفظ “كوز”.أما داخل أروقة الإسلامويين أنفسهم، فقد تفجّرت التناقضات، “فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ”، وتعاظمت الانقسامات حتى بلغ الصراع حدّاً غير مسبوق، ترافق مع محاولات نجاة فردية وهروب من سفينة تتداعى غرقاً، في مشهد يكشف عمق الأزمة البنيوية التي لم يعد ممكناً احتواؤها بالتماسك الظاهري.غير أن الإقرار بأفول هذا التيار بما ارتكبه من أخطاء فادحة وجرائم إنسانية وأخلاقية لا تُغتفر، لا يعني القفز إلى فراغ أو استسهال استنساخ بدائل سلطوية جديدة. فالتجربة السودانية أثبتت أن الكيانات التي تُصنع بيد السلطة، أو التي تقوم على تجميع قسري أو مصلحي تحت مظلة شكلية، سرعان ما تتفكك وتعيد إنتاج الأزمات ذاتها. كما أن انهيار تيار الإسلام السياسي لا يبرر تذويب بقية التيارات أو إلغاء التعدد، بالعكس يفرض الاعتراف بضرورة التنوع وإدارته ضمن إطارٍ ديمقراطي متوازن.وليس صحيحاً في هذا السياق، أن أفول الإسلام السياسي يفتح الباب تلقائياً لفرض مشروعٍ نقيض كالعلمانوية بصيغتها الإقصائية أو المستوردة. فالمجتمع السوداني الذي خاض صراعاً طويلاً ومعقّداً مع الإسلاميين، يمتلك من الوعي ما يجعله قادراً على مقاومة أي محاولة لفرض مشروعٍ فوقي، أكان بلبوس ديني أو علمانوي. إن هذا الشعب، بتاريخه وتكوينه، يرفض الوصاية، ويقاوم الهيمنة، ويُسقط عاجلاً أو آجلاً كل سلطة تُقام على القهر والجبروت والاستبداد. وهذه حقيقة أكدتها وقائع التاريخ، حيث يعود الشعب السوداني دوماً ليقتلع من يتجاوز إرادته، ويدفع به إلى هامش التاريخ.إن البديل الحقيقي لا يُستورد ولا يُفرض من أعلى، بل يتبلور من داخل وجدان المجتمع السوداني، ومن تفاعل عناصره الثقافية والاجتماعية والدينية. وهو بديلٌ مدني، وسطي، معتدل، يُدرك طبيعة السودان المتنوعة، ويستوعب تعدده الإثني والثقافي والديني، ويستند إلى الإنسانيات السودانية. بديلٌ يتأسس على عقد اجتماعي قوامه المواطنة المتساوية، وعلى هويةٍ جامعة لا تُقصي ولا تُذيب، بل تُصهر التنوع في إطارٍ من الانتماء المشترك. بديلٌ يستلهم التراث السوداني كرافعةٍ حضارية، وينفتح على تجارب العالم دون استلاب أو تبعية، في توازنٍ دقيق بين الأصالة والتجديد.ومن هنا، فإن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي مغادرة منطق البحث عن المستقبل تحت ركام الإسلاموية، كما يقتضي في الوقت ذاته رفض العلمانوية كمشروعٍ لا يقلّ قتامة. لا خيار آمن ومستدام سوى بناء دولة مدنية ديمقراطية، تُعبّر عن اجتماع السودانيين لا عن غلبة فئة على أخرى، وتُقيم فضاءً عاماً حراً يُدار بالحوار وقبول الآخر، ويُفسح المجال لتلاقح الأفكار وإنتاج المعرفة وتقديم البدائل.هذا الأفق كامن في بنية المجتمع السوداني، وهو نواةٌ قابلة للنمو والتجدّد متى ما توفّرت لها شروط الحرية والتنظيم والإرادة. إنه مشروعٌ يتغذّى من تعدد انتماءاتنا، ويحولها من عناصر صراع إلى مصادر قوة، ويستخلص من الدين والأعراف والثقافة ما يعزّز قيم العدالة والديمقراطية والعيش المشترك. وبهذا المعنى، فإن البديل يُبنى بمحاكمة تجربة الإسلام السياسي، ويتجاوزها إلى مخاطبة جذور الأزمة السودانية والانطلاق نحو أفقٍ مدني ديمقراطي يليق بهذا الشعب الصابر.ختاماً، كامل التضامن مع الأستاذ عامر علي الحاج في معركته ضد العسكرة والأسلمة والعلمنة.The post تفكيك المعبد: الحقيقة التي كشفها عامر الحاج وأربكت حسابات الإسلامويين appeared first on صحيفة مداميك.