الحرب على إيران مزقت خطة الخليج لتحقيق الاستقرار

Wait 5 sec.

سانام فاكيللأكثر من أسبوعين، تحلق الصواريخ والطائرات المسيّرة في سماء الخليج، في ظل تصاعد حدة الحرب التي سعى الكثيرون في المنطقة لتجنبها – بين الولايات المتحدة  وإسرائيل وإيران. وتقوم شركات الطيران بتحويل مسارات رحلاتها، وتتعطل خطوط الشحن، وتعمل أنظمة الدفاع الجوي في جميع أنحاء المنطقة في حالة تأهب قصوى. والآن، مع امتداد الهجمات إلى البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك منشآت الغاز ومواقع الإنتاج، فمن المرجح أن الحرب قد دخلت مرحلة خطيرة من التصعيد.ومع ذلك، فإن الحكومات التي تعيش الآن في ظل هذه المخاطر كانت من بين أكثر الحكومات التي حاولت منع الصراع، حيث شجعت المفاوضات في الأشهر الأخيرة وحذرت من مخاطر التصعيد.بالنسبة لحكومات الرياض وأبوظبي والدوحة وغيرها، تُعدّ هذه اللحظة مُقلقة للغاية لأنها تُزعزع استراتيجيةً سعت هذه الحكومات لعقودٍ من الزمن إلى بنائها. فقد سعت دول الخليج إلى حماية نفسها من دوامات الصراع في المنطقة من خلال مزيجٍ من التنويع الاقتصادي، والانخراط الدبلوماسي، وشراكات أمنية مُدارة بعناية. واستندت هذه الاستراتيجية إلى ثلاثة أركان: الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، والتواصل الحذر مع إيران ، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل. وتُظهر الحرب هشاشة هذه الأركان الثلاثة.أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة والشحن في العالم، مما تسبب في ارتفاع تكاليف التأمين بشكل كبير، وأجبر السفن التجارية على التوقف أو تغيير مسارها عبر المنطقة. وشهدت حركة الموانئ في جميع أنحاء الخليج تباطؤًا حادًا، بما في ذلك في مراكز لوجستية رئيسية مثل جبل علي في دبي، حيث تؤجل شركات الشحن أو توقف عملياتها، وتتكيف سلاسل التوريد العالمية مع المخاطر المتزايدة. وتقوم شركات الطيران بتحويل مسار رحلاتها لتجنب نشاطات الصواريخ والطائرات المسيّرة في المجال الجوي للخليج، مما يعطل عمليات مراكز العبور العالمية الرئيسية في دبي والدوحة، والتي تُعد بوابات حيوية تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا.تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في وقت تسعى فيه حكومات الخليج إلى تغيير نماذجها الاقتصادية. فمشاريع رؤية السعودية 2030 ، ودور الإمارات العربية المتحدة كمركز عالمي للطيران والخدمات اللوجستية، وتوجه المنطقة الأوسع نحو السياحة والتمويل والتكنولوجيا، كلها تعتمد على عامل أساسي واحد: الاستقرار. فالحرب تهدد تحديداً السمعة التي أمضت هذه الدول سنوات في محاولة ترسيخها.في الوقت نفسه، تكشف الأزمة عن حدود اعتماد دول الخليج طويل الأمد على الولايات المتحدة كضامن أمني نهائي. فعلى مدى عقود، كان الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة حجر الزاوية في استراتيجية الدفاع الخليجية. وتنتشر القواعد الجوية الأمريكية في أرجاء المنطقة، ولا تزال واشنطن المورد الرئيسي لأنظمة الأسلحة المتطورة. إلا أن المواجهة الحالية تكشف أيضاً عن عدم التكافؤ الكامن في هذا الترتيب. فعندما تُصعّد واشنطن التوترات مع إيران أو تدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، فإنها تفعل ذلك وفقاً لحساباتها الاستراتيجية الخاصة. أما دول الخليج، على النقيض، فتُترك لتواجه التداعيات التي تُؤثر الآن على مدنها ومواطنيها واقتصاداتها وبنيتها التحتية.استجابةً لهذه المخاطر، سعت حكومات الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع علاقاتها الدبلوماسية. وقد عكست خطوة التقارب التي توسطت فيها الصين بين السعودية وإيران عام ٢٠٢٣ جهداً إقليمياً أوسع نطاقاً لخفض التوترات وتجنب المواجهة المباشرة. وأعادت الإمارات العربية المتحدة فتح قنواتها الدبلوماسية مع طهران، بينما واصلت قطر وعُمان الحوار مع المسؤولين الإيرانيين.عكست هذه المبادرات إدراكاً عملياً بأن استقرار منطقة الخليج يتطلب في نهاية المطاف شكلاً من أشكال التعايش مع إيران. إلا أن الحرب الحالية تُظهر حدود هذه الاستراتيجية. فحتى عندما تسعى دول الخليج إلى تخفيف حدة التوتر مع طهران، فإنها لا تستطيع عزل نفسها عن تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة.في السنوات الأخيرة، وسّعت عدة دول خليجية علاقاتها مع إسرائيل، لا سيما من خلال اتفاقيات أبراهام التي وعدت بالتعاون الاقتصادي والتبادل التكنولوجي. إلا أن السياق السياسي للحرب الحالية يجعل التوافق العلني مع الأهداف العسكرية الإسرائيلية أمراً بالغ الصعوبة.تندلع هذه الحرب الجديدة بالتزامن مع الدمار الذي لحق بغزة والتآكل المستمر للآفاق السياسية الفلسطينية في الضفة الغربية. وتُشكّل هذه التطورات بشكلٍ عميق الرأي العام الإقليمي، وتفرض قيوداً واضحة على مدى قرب حكومات الخليج من إسرائيل في تعاملها مع العلاقات الدولية. ومن المرجح أن يُنظر إلى أي موقف عسكري هجومي محلياً على أنه دعم لإسرائيل.إن تصعيد الهجمات على البنية التحتية للطاقة يُشكل مخاطر جسيمة وفورية على دول الخليج. فبينما تُساورها مخاوف عميقة بشأن تكاليف استمرار الحرب، فإنها تُدرك في الوقت نفسه خطورة عواقبها. فهي تُدرك أن إضعاف الجمهورية الإسلامية بشكل كبير لن يُحقق الاستقرار المنشود، وأن إيران قد تُصبح مع مرور الوقت أكثر تشرذماً وعدم استقرار. كما أن ترك السيطرة على مضيق هرمز للجمهورية الإسلامية يُعد خياراً غير مقبول. وفي الوقت نفسه، فإن السماح للحرب بالاستمرار قد يُرسخ بيئة صراع أطول وأكثر تقلباً، تُبقي دول الخليج عُرضة للرد الإيراني، فضلاً عن التداعيات الأوسع نطاقاً لعدم الاستقرار الإقليمي.على الرغم من سنوات من التنويع الدبلوماسي والتحوط الاستراتيجي، يجد قادة الخليج أنفسهم أمام واقع مألوف، حيث تبقى المنطقة عرضة للصراعات والتهديدات التي تتشكل في أماكن أخرى. ويرى العديد من المسؤولين أن المواجهة الحالية هي رابع حرب كبرى في الخليج منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج عام 1991، وغزو العراق عام 2003. إلا أنه على عكس تلك الصراعات السابقة، تشمل المواجهة الحالية جبهات متعددة، وفاعلين إقليميين مؤثرين، وشبكة من القوى غير الحكومية.مع ذلك، قد تحمل الأزمة درساً هاماً، إذ تعزز الحاجة إلى تكامل دفاعي أعمق بين دول الخليج. ويمكن لشبكات الدفاع الجوي المنسقة بين الدول، وأنظمة الإنذار المبكر المشتركة، والتعاون الأمني ​​البحري الوثيق أن تسهم في الحد من مواطن الضعف.لكن التنسيق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق استقرار دائم. فالتحديات الأمنية في المنطقة لا تزال مرتبطة بنزاعات لم تُحل، والتي تستمر في تأجيج دوامات التصعيد في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من اليمن إلى غزة ولبنان، والآن إيران.بالنسبة لدول الخليج، تتمثل الأولوية العاجلة في احتواء التصعيد وتجنب المزيد من الضربات على الطاقة والبنية التحتية. لكن التحدي الأهم يكمن في صياغة المرحلة النهائية. فكلا السيناريوهين، سواء الحرب المطولة أو إضعاف إيران بشكل كبير، لا يُبشّر بالاستقرار. إذ يُنذر كلا السيناريوهين بنشوء نظام إقليمي أكثر تشرذماً وعدم استقرار، مع استمرار التهديدات لأمن الخليج. وهذا يتطلب انخراطاً دبلوماسياً مستداماً واستباقياً لا يهدف فقط إلى الحد من التصعيد، بل إلى توجيه مساره لتجنب نظام إقليمي مطوّل وأكثر خطورة.سانام وكيل هي مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوسThe post الحرب على إيران مزقت خطة الخليج لتحقيق الاستقرار appeared first on صحيفة مداميك.