عمار الباقربتاريخ التاسع من مارس، قامت وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، ودخل القرار حيز التنفيذ بتاريخ 16 مارس 2026. وفي مشهد يدل على ضعف وهشاشة المشهد السياسي السوداني، شكّل هذا القرار المحرّك الرئيس لمعظم الأحداث السياسية على مستوى الفرقاء.فعلى صعيد الحركة الإسلامية نفسها، أحدث القرار هزة كبيرة داخلها، إلى درجة مغادرة عدد من رموزها مواقع قيادية، وظهور حالة ارتباك شديدة داخلها. كما أحدث تبايناً في المواقف داخل المجموعة المتحالفة معها والممسكة بزمام السلطة في بورتسودان؛ بين من سعى إلى التنصل منها ومهاجمة مواقفها على خلفية الموقف من حرب اسرائيل والولايات المتحدة علي ايران، وبين من تمسك بالشراكة والتحالف معها وفاءاً لموقفها المؤازر لحربهم ضد ميليشيا الدعم السريع.على الضفة الأخرى، قابلت المجموعات المحسوبة على ميليشيا الدعم السريع هذا القرار بغبطة وارتياح كبيرين، وإن كان مشوباً بحالة من الترقب الحذر، خوفاً من إدراجها هي نفسها ضمن هذه القائمة، على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها في مختلف بقاع السودان، خصوصاً في إقليم دارفور ومدينة الفاشر على وجه الخصوص.كذلك سارعت مجموعة «صمود» إلى الاستثمار في هذا القرار، وذلك عبر استئناف نشاط لجنة تفكيك التمكين، والاشارات غير المعلنة في رغبة هذه المجموعة لتحويل اللجنة إلى أداة معلومات تعمل لصالح الإدارة الأمريكية في حربها ضد عناصر الحركة الاسلامية في السودان.إن التبعية والخضوع للخارج وغياب الأجندة الوطنية تمثل القاسم المشترك بين هذه الأطراف جميعاً. فعلى صعيد سلطة بورتسودان، يسعى البرهان إلى النجاة بنفسه سريعاً، عبر محاولة اقناع العالم بفك الارتباط بينه وبين الحركة الإسلامية، وانتهاج سياسة تدوير الوجوه وتقديم موزاييك من الشخصيات ذات الانتماءات المتعددة يعلم الجميع أن ما يجمع بينها هو الانتهازية والسعي إلى المناصب.بذلك يكون البرهان قد أضاف إلى تحالف المصالح الذي يقوده والمكوَّن من قادة الميليشيات وسماسرة نهب الموارد وبعض الانتهازيين، مجموعة جديدة تجعله يقترب وبصورة أسرع من المربع الأخير في مسيرة سلفه البشير، الذي بدأ بالحركة الإسلامية كرافعة لحكمه، ثم تملص منها تدريجياً عبر سياسة تدوير الوجوه وإحلال مجموعات انتهازية، أملاً في توسيع قاعدته السياسية، الأمر الذي أفقده احترام الشعب ومصداقية نظامه أمام العالم، وانتهى به إلى السقوط بعد أن كبّلته شبكات المصالح.على الجانب الآخر، تسعى ميليشيا الدعم السريع لتجنب إدراجها في لائحة الإرهاب الأمريكية، مستفيدة من علاقاتها باسرائيل وتحالفها مع الحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو)، وعلاقات هذه الأخيرة ببعض دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه، وحتى إن نجحت في ذلك، فإن التحدي الأكبر أمامها يتمثل في السمعة السيئة التي التصقت نتيجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها عبر تاريخها، مما يشكل عائقاً أمام أي تقارب مع الإدارة الأمريكية أو غيرها من القوى الدولية والإقليمية، رغم محاولات بعض الأطراف الإقليمية تجميل صورتها.أما على جبهة «صمود»، فهي للأسف الشديد تسير في المسار ذاته ولكن بأزياء مدنية، إذ تسعى إلى تقديم نفسها كشريك محتمل للإدارة الأمريكية في مكافحة الإرهاب، عبر إعادة إحياء لجنة التفكيك، وتحويلها الي مخبر لدي الادارة الامريكية. وقد حذرنا سابقاً من خطورة لعب أدوار شبيهة بما قام به أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي وما قام به الائتلاف العراقي الموحد والقائمة العراقية في العراق، بعد 2003، مما أدي الي فقدان ثقة الشعب العراقي بها وضياع مستقبلها السياسي.مما يؤسف له أن هذا التحليل يقودنا إلى نتيجة قاتمة، مفادها أن قسم كبير من المشهد السياسي السوداني تسيطر عليه قوى تابعة تعبر عن أجندات غير وطنية. وهو ما يجعل من الصعب التعاطي مع هذه المجموعات لبناء مشروع وطني حقيقي قادر على إحداث تغيير جذري نحو دولة ذات سيادة، تربط بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، ضمن رؤية تنموية عادلة.إذن، ما العمل؟في ظل إصرار هذه القوى على الارتهان للخارج، لم يعد أمام قوى الثورة الحية سوى العمل على إعادة بناء المشهد السياسي عبر فاعلين جدد يعبرون عن تطلعات الشعب السوداني. وهي مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.تحديات تعوق انجاز المهمةإن محاولات قوى الثورة لإعادة رسم ملامح المشهد السياسي السوداني بصورة أكثر إنسانية، وأكثر تعبيراً عن الطبقات الفقيرة والمهمشة، تواجه جملة من التحديات، نذكر منها – على سبيل المثال لا الحصر – تحدي الاتفاق على مشروع وطني ديمقراطي ذي طابع عملي، يهدف إلى إحداث تغيير جذري في واقع البلاد، نحو تحقيق التنمية المستدامة والعدالة وبناء دولة القانون والمؤسسات.غير أن التحدي الأكبر، بحسب تقديري، يتمثل في المحاولات المستمرة لقوى الهيمنة الدولية والإقليمية لإنتاج مجموعات جديدة تعمل لخدمة مشاريعها. فهذه القوى تدرك يقيناً أن نفوذ المجموعات التابعة لها إنما هو نفوذ مؤقت، سرعان ما يتآكل عندما يلمس الشعب نتائج سياسات الهيمنة والتبعية. ولذلك، فهي في حاجة دائمة إلى الدفع بوجوه جديدة إلى واجهة المشهد كلما استُهلكت الوجوه القديمة.وهذا ما نراه اليوم بوضوح في صعود بعض الشخصيات التي كانت تُحسب على قوى الثورة، وأصبحت تتصدر المشهد في كل من نيالا وبورتسودان.خاتمةإن نجاح قوى الثورة في الدفع بمشروعها المتجه نحو التغيير الجذري لواقع البلاد المزري مرهون بقدرة هذه القوى على كسب قواعد جماهيرية جديدة بشكل مستمر، وفي الوقت نفسه بقدرتها على قطع الطريق أمام قوى الهيمنة الدولية والإقليمية ومنعها من اختراق هذه القواعد أو توظيفها لصالح مشاريعها المعادية للشعب. وهو ما يتطلب من قوى الثورة ابتدار نقاش جاد وواسع حول هذه القضايا، وصولاً إلى خلاصات عملية.The post المشهد السياسي السوداني بين الارتهان للخارج وأزمة المشروع الوطني appeared first on صحيفة مداميك.