الإجابة على سؤال العبور من الصراع المستمر إلى الاستقرار الدائم في الدولة السودانية؟

Wait 5 sec.

عبدالله الصادق الماحيتعيش الدولة السودانية لحظة تاريخية فارقة، حيث لم يعد الصراع السياسي في السودان مجرد تنافس مرحلي بين قوى عابرة، بل انعكاس عميق لصراع تيارات فكرية أساسية شكلت وجدان الشعب وحددت مسار الدولة وفشلت كل محاولات انكارها في فرض واقع جديد. ولم تفرز محاولات تجاوز هذا الواقع الا خطابات متوترة غلب عليها طابع الإقصاء، بل والانزلاق أحيانًا إلى منطلقات عنصرية فجة، تُعيد إنتاج أزمات الماضي بدلًا من بناء أفق جديد. هذه الخطابات والأنشطة، رغم تنوع مصادرها، تتقاطع في نتيجة واحدة: تعميق الانقسام الوطني وإضعاف فرص الاستقرار السياسي في الدولة السودانية.الحقيقة الواضحة لكل متدبر للصراع حول حكم السودان، في تاريخه الحديث، تؤكد أنه ظل محكومًا بثلاثة تيارات رئيسية: تيار الاستقلال الوطني، ويمثله حزب الأمة الذي يقف كامتداد للثورة المهدية التي هزمت المحتل وأعلنت اسم السودان ووحدت السودانيين، وهو قائد جبهة الاستقلال التي حققت الاستقلال في ٥٦ كأعظم إنجاز وطني لا يمكن العلو عليه واحتقاره ولا يجب السماح بذلك، ويأتي التيار الإسلامي الحركي واساسه الإخوان المسلمين وروافده بالمشهد الوطني كمؤثر فاعل، وتيار اليسار الذي يمثل الحزب الشيوعي ماكينته ومصدر مناهجه وإنتاج خطابه في كل المراحل. هذه التيارات الثلاثة، بما تملكه من فكر وامتداد جماهيري وحضور مؤثر داخل النخب، هي التي صنعت الأحداث الكبرى في السودان إبان فترات الحكم والمعارضة، وحددت ملامح الدولة في اغلب تفاصيلها ويتوقف مصير الدولة السودانية علي ضرورة اتفاقها علي الحد الأدنى.ولم يكن الإشكال يومًا في وجود التعدد، بل في عجز هذه التيارات الأساسية الثلاثة، عن إدارة خلافاتها ضمن عهد وإطار وطني جامع، مما أفسح المجال لقوى طارئة وأخرى انتهازية، تفتقر للمرجعية الفكرية والعمق الجماهيري، تصعد احيانا الى قمة المشهد وفق خطاب تعبوي مؤقت في محاولة منها لإعادة إنتاج أفكار مبعثرة، لكنها ريثما تنكشف وتعجز عن تحويلها لمشروع وطني مستدام ويدفع الوطن ثمن تلك المحاولات البائسة، مزيدا من التشرزم وعدم الاستقرار بل والفوضى.إن اختزال التاريخ الوطني أو إعادة تأويله لخدمة صراعات آنية مؤقتة، يقف شاهدا على عجز وعدم قدرة على احداث اختراق كبير يعبر عن الوعي بشروط الاستقرار. فالدولة السودانية لم تتشكل صدفة، بل قامت على تراكمات نضالية وسياسية، كان لقوى الاستقلال فيها موقع مركزي بوصفه الإنجاز المؤسس للدولة السودانية منذ نهاية القرن الثامن عشر مرورا بمنتصف القرن العشرين. غير أن هذا الإرث العظيم يواجه اليوم محاولات تقويض رمزي حقيقية، عبر خطاب يسعى إلى نزع الشرعية التاريخية عن قوى الاستقلال التي يمثلها حزب الأمة، مما ينذر بتفكيك الأسس التي اوجدت الدولة وشكلت وعي جماهيرها ووحدتهم، كأخطر مهدد تواجهه الدولة السودانية منذ النشأة الأولى ويهدد بتلاشيها. وبكل أسف يتم هذا بدفع أصيل وبلا اتفاق من قبل تيار اليسار والتيار الإسلامي وآخرون ينشطون في خدمة هذين التيارين بوعي او بلا وعي، انتصارا لأجندة مؤقتة، ادت لتضخيم قوى جديدة غير مؤهلة من حيث تكوينها الفكري وحضورها الجماهيري لقيادة المشهد الوطني والعبور به نحو الاستقرار. فالواقع الوطني قد تأسس ورسخت ملامحه اثناء في التأسيس والتحولات الكبرى خلال المائة وخمسين عام الماضية، وقد فشلت كل محاولات القفز على هذه الحقيقة الراسخة في تقديم بدائل قادرة على الصمود.لقد أثبتت تجارب الحكم والمعارضة بما لا يدع مجال للشك، أن القوى التي تفتقر للفكر والحضور في الواقع الوطني، سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار حقيقي. فالحضور الإعلامي أو الزخم الثوري المؤقت لا يصنعان مشروعًا سياسيًا قادرًا على إدارة دولة، ولا يؤسسان لاستقرار طويل الأمد. ولا يصلحان أساسا للثقة في الأشخاص او القوى التي تمثلها. وتقف تجربة قحت الانتقالية كخير شاهد على ذلك. وبناء عليه فإن إعادة إنتاج هذه التجارب، تحت مسميات مختلفة، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.إن حالة عدم الاستقرار بالدولة عبر تاريخ السودان الحديث، تؤكد أن الطريق نحو الاستقرار الوطني لا يمر عبر إقصاء التيارات الكبرى أو الالتفاف عليها، بل بالاعتراف بها كحقائق وطنية وسياسية راسخة، والعمل على إيجاد قواسم مشتركة فيما بينها عبر حوار فكري عميق. فالدول لا تُبنى بالأحلام ولا بتحالفات مؤقتة أو شعارات مرحلية براقة ونزوات فردية من الحب والكراهية، ولكن وفق عقود وطنية فيما بين التيارات الوطنية الأساسية ذات الامتداد الراسخ في التاريخ والواقع الوطني والتي تستند إلى رؤية فكرية تدعمه كتل جماهيرية وازنة، وان يتم ذلك في وعي وتوازن بين التاريخ ومتطلبات الحاضر، مما يؤسس لمستقبل وطني مستقر يتجاوز ثنائيات الصراع العقيم، وتجريب المجرب من التجارب الضعيفة الفاشلة والمتكررة.إن الحاجة الوطنية الملحة اليوم ليس إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى الارتقاء بالوعي السياسي وصولا الى الأولويات، استهدافا لا مصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات الحزبية الضيقة. ويظل الهدف الوطني الأول الأهم هو كتابة عقد وطني جديد. يكون للتيارات الوطنية الأساسية فيه الدور الأكبر، مما يؤسس لأرضية مشتركة للدولة السودانية، كسبيل وحيد لإعادة تشكيل الإرادة الوطنية الجامعة، ولفتح الطريق لاستقرار وطني حقيقي ومستدام. فهل تعي قيادات التيارات السياسية والفكرية والوطنية، ما في ذلك من حوافز كفيلة بأنهاء حالة الصراع المستمر التي انتجت الفوضى القائمة الآن وتنذر باستمرارها مما يؤدي لتلاشي الدولة.The post الإجابة على سؤال العبور من الصراع المستمر إلى الاستقرار الدائم في الدولة السودانية؟ appeared first on صحيفة مداميك.