حامد بشريبعد 30 يونيو 1989 والخراب الذي ضرب كل مرافق الحياة السودانية بدأ من الشخصية السودانية مروراً بالخدمة المدنية التي أصابها في مقتل، ومسح أسس وتقاليد الكفاءة واحترام القانون وتم استبدالها بالمحسوبية وسياسة التمكين، جعلت جزء كبير لا يستهان به من المواطنين يعتقد أن التحايل الذي مارسه في السودان يمكن أن يتم في أي مجتمع وبيئة. حتى ساد اعتقاد وسط هذه الفئة بأن الغش بدلاً عن العمل الدؤوب ممكن أن يكون طريقاً للثراء الحرام حتى في دول المهجر. هؤلاء لم يتشبعوا بالتربية الوطنية ولا بموروث الثقافة السودانية بل ذهبوا أبعد من ذلك حتى صدقوا الاحساس الكاذب أن بإمكانهم خديعة كل البشر. هذه المفاهيم، تم غرسها في أذهانهم من قبل اولياء الأمر منهم الذين كانوا في سدة الحكم ودمروا الوطن. الحقيقة الأساسية التي غابت عنهم بأن الدول الغربية وضعت أنظمة أداريه بمساعدة التكنلوجيا المتقدمة وصرفت على أنشائها ملايين الدولارات واستخدمت لها عمالة متطورة، لذا يصعب على الشخص الواحد أو مجموعة أشخاص التغلب على هذه الأنظمة أو الاحتيال عليها. لتقريب الصورة بوضوح للقارئ، تجدر الاشارة الي أي طلب ولو كان لتوصيل جهاز تلفزيون أو تلفون الي مقر السكن يتطلب تعبئة بيانات تشتمل على كل المعلومات عن مقدم الطلب فما بالك من الطلبات التي تصدر من مكاتب حكومية وتتعلق بالهجرة. هذا الجهاز الاداري الذي تم أنشائه بواسطة التكنلوجيا فاق بقدراته كل أجهزة المخابرات. في كل تعبئة طلب تجد أن المطلوب من مقدمه كتابة كل المعلومات الخاصة به بدأ من الاسم والعنوان ورقم الهاتف وأسم البنك ورقم الحساب ورخصة القيادة وفي بعض الحالات نوع السيارة والموديل. أذا أردت العيش في هذا المجتمع من الضرورة أن تدلي بكل شاردة وواردة عنك للمخدم أما في حالة المعاملات البنكية فالمسألة أكثر تعقيداً. الجريمة أصبحت محاصرة من كل الاتجاهات وعما قريب سنري انخفاضاً في جرائم التزوير والغش والسرقات. بفضل التكنلوجيا وثورة المعلومات أصبحت تتبعك الأقمار الصناعية بدلاً من أجهزة المخابرات المختلفة.كل هذه البيانات المطلوبة منك، هي في نهاية المطاف مربوطة بقاعدة بيانات. وقاعدة البيانات بموجبها يستخرج (رقم التأمين الاجتماعي) وهذا رقم فريد ترتبط به كافة بيانات الفرد في مؤسسات الدولة. وهو الأداة التقنية التي تجمع جميع المعاملات الشخصية بملف واحد، وبموجبه تستخرج جميع الوثائق الأخرى وصولاً الي الجنسية. هذه المعلومات ترتبط بتاريخ الميلاد الذي لا يتطابق مع أي شخص آخر في الاسم والتاريخ واسم الوالد والوالدة ومكان الميلاد.هذا الشرح كان لابد منها لتوضيح حالات الغش والخديعة التي تمت ممارستها من قبل بعض ممن يحملون الجواز السوداني. وهم بالتأكد نتاج لفساد مُورس لزهاء أكثر من خمسة وثلاثون عاماً ومن مارسوه يمتلكون حظوة في المال العام لا تبعدهم من شبهة انتمائهم لتنظيم المؤتمر الوطني سيئ الذكر.في دولة كندا، عند تقديم الشخص لطلب الإقامة الدائمة والتي تسبق الحصول على الجنسية الكندية والتي يتمتع حاملها بميزات قل إن يجود بها الزمان، من ضمن الاجراءات المطلوبة تعبئة طلبٍ، يُطلب من مقدمه كتابة أسم الوالد والوالدة وتاريخ الميلاد والوفاة إذا حدثت ومتي وكذلك اسماء الأخوة والاخوات وتاريخ ميلادهم والزوجة والابناء والبنات. وكما ذكرنا سالفاً، تاريخ الميلاد من المعلومات التي يتم بها استخراج بقية الاوراق الثبوتية. الاول من يناير كتاريخ ميلاد بالنسبة للسودانيين حرم جزء منهم الدخول لكندا، حينما اكتشفت السلطات أن مجموعة من الأخوة والاخوات تاريخ ميلادهم الاول من يناير مع اختلاف السنة، وهذا بالطبع يعتبر تزويراً في المقام الاول. أذ كيف يتثنى لأبوين أن ينجبا أطفالاً يحملون نفس تاريخ الميلاد؟ أو زوج في عصمته زوجتين. هذه المعلومات المطلوبة من مقدم الطلب والتي ضمها طلب التقديم، لم يتم وضعها اعتباطاً بل كلفت الدولة ملايين الدولارات عند تصميمها وكانت نتاجاً لاجتماعات مطولة وكادر بشري متمرس وبعد ان تمت مراجعتها بدقة أجازها مجلس وزراء قبل تعميمها في الدوائر الحكومية للمواطن الكندي. لذا أي محاولات لخرقها بالضرورة أن تبوء بالفشل.عندما استجابت دولة كندا لمعانة الشعب السوداني من جراء الحرب الدائرة وفتحت أبوابها للمواطنين السودانيين الذين اكتسبوا الجنسية الكندية وأصبحوا مقيمين بكندا، تفضلت عليهم بمنحة لظروف إنسانية للم شمل ذويهم الذين تربطهم بهم علاقة دم وثيقة من الدرجة الاولي. وهذا بفضل مجهود كلل بالنجاح نتيجة لما قامت به الجاليات السودانية في مدن كندا المختلفة بالتنسيق مع تجمع السودانيين بالخارج لدعم الثورة من اتصالات بالنواب البرلمانيين وصولاً الي الوزراء ومن ثم مجلس الوزراء الذي أجاز التوصية. علاقة الدم من الدرجة الاولي تشمل الزوج/الزوجة الابناء والوالدين والاخوة والاخوات. ومن أهم شروط التقديم لهؤلاء الاشخاص أنهم حضروا الحرب اللعينة في 15 ابريل في السودان وبعدها نزحوا الي دولة آمنة او حالياً مازالوا مقيمين بالسودان. العدد المقرر لهذه المنحة وصل عشرة ألف وبعضهم وصل الي كندا.تمخضت العقلية السودانية أن تتحايل على هذه الشروط. وبدأ بعض السودانيين اللجوء الي مخزونهم الإنقاذي في ممارسة الكذب. وكما روي محدثي، أذ قام بعض السودانيين الذين لا تنطبق عليهم شرط العلاقة من الدرجة الأولي الاتصال بأصدقائهم المقيمين بكندا وتوضيح أن بأماكنهم التحايل على شرط القرابة من الدرجة الأولي باستخراج كل الأوراق الثبوتية من جنسية ورقم وطني وجواز تطابق البيانات المطلوبة للقرابة من الدرجة الأولي وفي هذه الحالة هي (الأخوة). وبالفساد والإفساد الذي أصبح طابع الحياة في السودان تم استخراج كل هذه الوثائق وصولاً الي الجواز. وبموجب هذه الاوراق (الرسمية) في ظاهرها والمزورة في باطنها حضر هؤلاء المحتالون الي كندا تحت برنامج لم الشمل. ومن الوهلة الاولي النتيجة المترتبة على ذلك انخفاض في أعداد المستحقين، بخلاف الضرر الجسيم وفقدان الثقة من قبل السلطات الكندية في السودانيين والجاليات السودانية والذي بالتأكيد سيمتد أثره الي الجاليات الأخرى. من الآن فصاعداً ستتم مراقبة طلبات اللجوء من أقطار الدنيا المختلفة وبحثها الدقيق وفقدان الفرصة لبعضهم من الانتظار الطويل نتيجة للتزوير الذي مارسته مجموعة من السودانيين.البداية كانت، أن النظام المعلوماتي بدأ في ممارسة عمله بمراجعة الطلبات بدأً من الطلب الذي تم تقديمه للحصول على الإقامة الدائمة قبل سنوات عدة من الشخص المقيم، والذي يحتوي علي أسماء أفراد العائلة والوالدين. تم اكتشاف أن الأشخاص الذين حضروا بموجب برنامج لم الشمل وأدعوا أخوتهم للشخص المقيم غير مذكورين في الطلب الأول الذي قدمه السوداني/الكندي عندما تم قبوله بكندا. وأثناء التحريات في الاوراق المقدمة تم استدعاء الشخص الذي قدم الطلب للم الشمل للاستفسار عن قرابة الدم التي تربطه مع الشخص الآخر الذي حضر من السودان بموجب هذا البرنامج. وللخروج من هذا المأزق يُدعي المواطن السوداني/الكندي أن الشخص الذي حضر هو أخاه من ناحية الأم لذا لم يذكره من ضمن أسماء الأخوة. هذه الحيلة لم تمر بسلام على مكاتب الهجرة حيث طلبت فحص الحامض النووي. بعد الفحص تأكد عدم وجود صلة رحم بين الشخص الداعي والشخص الذي حضر. وبناء على هذا التزوير تم سحب الجنسية الكندية من المواطنين السودانيين/ الكنديين. هذه لم تكن حادثة منفردة، تمت عروض مالية لأشخاص آخرين في كندا مقابل التقديم لهم بنفس هذه الطريقة الا أنها قُوبلت بالرفض.وبالرجوع الي البحث الاليكتروني، أتضح ان سحب الجنسية الكندية يتم في حالات الاحتيال، التزوير كما يمكن سحبها إذا ثبت تورط الشخص في جرائم خطيرة أو إخفاء معلومات جوهرية أثناء عملية طلب الهجرة أو التجنس. كذلك تسحب الجنسية أذا ثبت تورط الشخص في جرائم تجسس أو خيانة عظمي أو الخدمة في جيش معادٍ لكندا. وبين عامي 1977 و2010، لم تُسحب الجنسية الكندية إلا من 63 شخصًا.الشيء بالشيء يذكر، في تسعينات القرن الماضي وبعد الحادثة المزلة والمهينة التي تعرض لها الدكتور حسن الترابي عراب الإنقاذ في مدينة أوتاوا، استشعرت الحكومة الكندية بخطر هذا التنظيم وبدأت في تجميع معلومات حول أعضائه بغية إرجاعهم الي السودان. وفي بحثهم الدؤوب عن معرفة أعضاء التنظيم الذين لجأوا الي كندا بزريعة أنهم إخوان جمهورين مطاردين من قبل النظام الحاكم آنذاك، توصلوا الي بعض السودانيين وطلبوا منهم الادلاء بأسماء أعضاء التنظيم أو المشتبه فيهم والمتواجدين بكندا. قوبل الطلب بالرفض لسببين أولهما هذه ليست من مهامهم لأنهم ليسوا موظفين يتبعون لأجهزة المخابرات والسبب الثاني عاطفي تضامناً مع أسر هؤلاء الذين تنوي الحكومة الكندية إبعادهم بعد أن تهيأت لهم الظروف بالبقاء في كندا. تكرر الطلب للمرة الثانية وكذلك تم الرفض. هذا ما كان عليه الحال قبل حوالي ثلاثين عاماً.حالياً، أختلف الوضع وخاصة بعد أن أشعل التنظيم الحرب وتم وضع الاخوان المسلمين السودانيين في قائمة الجماعات الإرهابية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. الافصاح حول أي معلومات عن نشاطات التنظيم أو أمواله أو عضويته التي تدعو لاستمرار الحرب في حالة السؤال عنها من الجهات الحكومية أصبح واجب الساعة تجاه الدول التي آوتنا.The post ملامح من المجتمع الكندي – الحلقة الثالثة عشر appeared first on صحيفة مداميك.