خيمت عتمة ثقيلة على العالم برحيل نيكولاس رولاند ليبورن “فينك” هايسوم، الذي ترجل عن صهوة الحياة في 18 مارس/آذار من عام 2026، وكأن نجما ظل يضيء الأرض انطفأ على حين غرة، وخبا بريقه من غير ميعاد.ليس يسيرا أن يتحدث أحد عن فينك بلغة جافة، أو في قوالب الرسميات وحدها، فما جاد به على من عرفوه لم يكن مجرد إرشاد عابر، بل كان حضورا طاغيا وملازما.كان فينك أيقونة أفريقية ضافية، تجلت روعتها في بساطتها. لم يكن مديرا بعيدا عن زملائه أو تمثالا باردا، بل إنسانا متواضعا يمشي بينهم، ينبض بحيوية هادئة، ويزدان بتواضع آسر، وحكمة عميقة لم تحتج يوما إلى ضجيج لتعلن عن نفسها، بل كانت تتسلل بخفة لتعيد تشكيل كل غرفة يجلس فيها، وكل طاولة ينضم إليها، وكل تفاوض يرعاه، وكل روح يلامسها.أبصر فينك النور في ديربان بجنوب أفريقيا في الحادي والعشرين من أبريل/نيسان عام 1952، وهو ابن لعائلة ليبرالية تنحدر من جذور استعمارية بريطانية، وحمل اسم هايسوم لمحات الجذور البريطانية البعيدة المنحدرة من لانكستر.ورغم ذلك، لم يكن بيتهم في ديربان استعماريا أو عنصريا. والدته، على وجه الخصوص، كانت ترفض أن تغض الطرف عن الإهانات والفظائع اليومية التي كانت تُصب على أجساد وأرواح السود في ظل نظام الفصل العنصري السائد حينها في جنوب أفريقيا.في ذلك البيت، وتحت ضوء الحوارات الصريحة حول مائدة العشاء، تشرّب فينك منذ نعومة أظفاره إحساسا عميقا بالمساواة، إحساسا لم يولد من رحم التمرد، بل من صميم التربية وجوهر الإنسانية.وحين اعترفت عائلته بالامتيازات التي تحصلت عليها نتيجة كونهم من ذوي البشرة البيضاء، كانت تزرع في روحه البذور الأولى لطريق من المبادئ سار عليه حتى النهاية.تعمقت هذه الجذور عند انخراطه بالعمل الطلابي في أروقة جامعتي ناتال وكيب تاون. وفي عام 1976، وسط لهيب انتفاضة سويتو، انتخب فينك رئيسا للاتحاد الوطني لطلاب جنوب أفريقيا. وما تلا ذلك كان سنوات من التمرد النبيل: اعتقالات متكررة، زنازين انفرادية، أوامر حظر، وإقامات جبرية.ورغم كل تلك المعاناة والعتمة، شارك في تأسيس مكتب المحاماة الرائد في مجال حقوق الإنسان (شيدل وطومسون وهايسوم)، ليحوّل القانون ذاته إلى سلاح للمقاومة، يكشف عبر القضايا والتحقيقات والتقارير والمرافعات الدؤوبة عن آلة القمع العنصرية ويعمل على فضح مساوئها.وحين تنفس نيلسون مانديلا هواء الحرية في عام 1990، بعد 27 سنة من السجن، دُعي فينك ليكون جزءا من الفريق الدستوري للمؤتمر الوطني الأفريقي، وأصبح في عام 1994 كبير المستشارين القانونيين والدستوريين للرئيس مانديلا.كانت تلك السنوات بجوار العم ماديبا (لقب مانديلا) سنوات صياغة وتكوين، عمل فيها جنبا إلى جنب مع رجل وصفه بأنه يجمع بين النبل الاستثنائي والثبات الفولاذي على المبدأ. معا، ضمن آخرين، أرسيا القواعد المؤسسية لجنوب أفريقيا الجديدة، متشبثين بسيادة القانون حتى حين كان ذلك شاقا وغير مريح. وبالأخص في التمسك بإعلاء سيادة القضاء على الضغط الثوري للانتقام في عهد ما بعد الأبارتيد.وثق به مانديلا مفاوضا وكاتم أسرار، فحمل فينك أمانة الدرس الأعظم: أن التغيير الحقيقي يقتضي صبرا ومثابرة على المبادئ وسط عواصف المؤسسات.لا أزال أذكر لقائي الأول به، حين استمع بفيض من الصبر إلى كلماتي الطويلة المشتتة، والمثقلة بالشعارات حول النضال، وهو الذي خبر النضال وتجرع كؤوسه حتى الثمالة. تحملني بصبر.ثم، وبلا مقدمات، نظر إلي وسألني بهدوء: ما هي غايتك النهائية؟ لم يكن في صوته أثر لتوبيخ، بل وضوح هادئ يجردك من وهمك. وبصبر يفوق في ثقله أي عتاب، ليذكّرني بأن السياسة ليست مسرحا لإثبات الذات أو ادعاء التفوق الأخلاقي، بل هي طقس من طقوس الخدمة العامة، وواجب للعمل من أجل أولئك الذين لا يملكون صوتا، ولا يطولون غاية، ولا تسمع لهم شكوى.وبتشجيع ودفع من مانديلا، امتدت عطاءات فينك لتتجاوز حدود جنوب أفريقيا. ترأس المفاوضات الدستورية في مسيرة السلام البوروندية وصاغ اتفاقيات أروشا، وكان المستشار الرئيسي في محادثات السلام السودانية التي أثمرت اتفاقية السلام الشامل 2005.ثم حملته خبرته الفذة إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث تقلد أشق المناصب وأعقدها: تقديم الدعم الدستوري في العراق، وشغل مناصب سياسية رفيعة في مكتب الأمين العام، ثم ممثلا خاصا في أفغانستان، والصومال، وأخيرا رئيسا لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان منذ عام 2021 وحتى أسلم الروح في نيويورك.لم تكن حقول عمله يوما أراضي محايدة. فدبلوماسية الأمم المتحدة ترسف في قيود صارمة، وتتأرجح في احتكاك دائم بين الالتزامات الأخلاقية والواقع الجيوسياسي القاسي. أدرك فينك بوعي نافذ أن الاتفاقيات نادرا ما تنسج من خيوط الوضوح الأخلاقي وحده، بل إنها تتشكل في ظل موازين قوى مختلة.فلم يأتِ نجاحه من تجاهل هذه القيود، بل من تطويعها، مستخدما القانون والترتيب المنهجي لخلق مساحات للضوء في أشد الزوايا اعتاما. لم يكن ساذجا أمام سطوة السلطة، بل كان منضبطا وعميقا في كيفية ترويضها.ومع ذلك، أدرك فينك بشفافية أن للنموذج الذي يمثله حدودا. فتصدير أطر الانتقال التفاوضية، مهما بلغت براعتها، لا يضمن دوما استقرارا مستداما.وفي ساحات مثل السودان وجنوب السودان، كثيرا ما سادت تفاهمات النخب على عملية البناء المؤسسي، لتترك الدول عرضة للانتكاسات وتفتح أبواب الثورة المضادة. في قلب هذا التوتر المنهك عاش فينك وعمل، محاولا التوفيق العملي بين ما ترجوه الأخلاق وما تسمح به بنية الواقع.وقف فينك شامخا في معية جيل عظيم من أبناء جنوب أفريقيا، جيل نهض من رماد الثورة ليحمل شعلتها نورا عابرا للقارات، خدمة للسلام والديمقراطية في أكثر بقاع الأرض تعقيدا.وإلى جانب قامات مثل ألبي ساكس، نافي بيلاي، ريتشارد غولدستون، وعزيز باهاد، جسد فينك هذا التقليد السخي، الذي حول دروس النضال الوطني الجنوب أفريقي إلى منارة تهدَى لأمم الأرض مجانا.ورغم كل إنجازاته الشاهقة، لكن أكثر ما يظل عالقا في بال من حظوا بشرف معرفته هي تلك الحوارات الليلية الطويلة. هناك، لم تكن الأفكار تستعرض وتتبادل، بل كانت النقاشات معه صراعا فكريا صادقا.لقد امتلك هبة نادرة: صفاء ذهن قادر على اختراق أشد المتاهات السياسية تعقيدا. أن تجلس معه، يعني أن تشعر ببوصلتك الأخلاقية تعيد ضبط نفسها في هدوء. علمنا فينك كيف نحتضن التعقيد دون أن ننزلق إلى هاوية السخرية أو اليأس، وكيف نظل راسخين في تربة العدالة حين يضغط العالم علينا للقبول بأنصاف الحلول.كان يحمل بين جوانحه ذلك المزيج النادر من العبقرية والتواضع. فحتى في أشد اللحظات خطورة، كان يقتطع من وقته للاهتمام بالبشر والسؤال عنهم.يحمل الكثيرون ممن عرفوه حكايات معه لم تكتمل، حوارات توقفت في منتصف الطريق، وأفكارا بقيت معلقة في الهواء مع وعد رقيق يهمس: سأخبرك بذلك لاحقا. لعل هذا كان جزءا من عبقريته الهادئة: أن يتركنا أمام مسؤولية واقعية تجاه المبادئ التي ندعي العيش من أجلها.لم يخسر العالم برحيله مجرد عقل دستوري فذ وصانع سلام عالمي، بل فقدنا رفيقا حقيقيا في النضال، ومقاتلا أدرك بيقين أن أشرس المعارك تخاض بصبر، على مر السنين، في البناء المتأني للمؤسسات، وفي ضمائر أولئك الذين يبنونها.أصدق مشاعر المواساة لعائلته التي أسكنها دائما في قلبه، ولكل روح في أفريقيا والعالم أجمع لامسها دفء نوره.