بقلم: مهدي داود الخليفةلم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أول رئيس وزراء في تاريخ السودان، إسماعيل الأزهري، معلماً، ولا أن يقود أول حكومة انتقالية بعد ثورة أكتوبر سر الختم الخليفة، وهو أيضاً ابن هذه المهنة. فذلك لم يكن مجرد تفصيل عابر في السيرة الذاتية، بل تعبيراً عن حقيقة تأسيسية في الوعي الوطني السوداني: أن التعليم كان في قلب مشروع الدولة، وأن المعلم كان في صدارة الفعل القيادي والمعرفي.غير أن هذا الموقع الرمزي تراجع بصورة مأساوية، حتى أصبح المعلم – خاصة في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي، وهما الأساس الحقيقي لأي نظام تعليمي – يعيش أوضاعاً يمكن وصفها، من منظور تربوي واجتماعي، بأنها أوضاع مذرية بكل المقاييس. لم يعد المعلم قادراً على أداء رسالته في بيئة مستقرة، ولا على تلبية احتياجاته الأساسية، مما انعكس بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية برمتها.في مشاهد تكاد تكون سريالية في قسوتها، رأى السودانيون أساتذة جامعات يعملون عتّالين في الأسواق، وآخرين يفترشون الطرقات ببيع الخضار، وبعضهم يقود ركشات أو يعمل في مهن هامشية لا تليق بمكانتهم العلمية. ليس في العمل عيب، لكن العيب كل العيب في أن يُدفع من يحملون عقول الأمة إلى هذه الخيارات القاسية. الأكثر إيلاماً أن بعضهم مات في صمت، في عزلة وفقر، دون أن تلتفت إليهم دولة كان يفترض أن تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة.إن تدهور أوضاع معلمي التعليم العام لا يمثل أزمة فئوية معزولة، بل يعكس خللاً بنيوياً في فلسفة الدولة تجاه التعليم. فالمعلم في هذه المرحلة ليس مجرد ناقل معرفة، بل هو المُشكِّل الأول للوعي، والفاعل الرئيسي في بناء القيم، والركيزة التي يقوم عليها أي استثمار لاحق في رأس المال البشري. وعندما يُدفع هذا المعلم إلى هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإن الدولة، عملياً، تقوّض الأساس الذي تقوم عليه نهضتها.لقد أفرزت هذه السياسات واقعاً قاسياً؛ حيث لم يعد ضعف الأجور مجرد مسألة مهنية، بل تحول إلى عامل طارد للكفاءات، ومُهدد لاستمرارية العملية التعليمية نفسها. المطالب الأخيرة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 216 ألف جنيه ليست تعبيراً عن طموح زائد، بل عن محاولة يائسة للحاق بحدود الكفاف في ظل تضخم متسارع وانهيار القوة الشرائية.اللافت أن هذا الواقع لم يكن قدراً محتوماً. فقد شهد السودان، ولو لبرهة قصيرة، محاولة جادة لإنصاف المعلم عندما قامت حكومة الدكتور عبدالله حمدوك، عبر وزير ماليتها بروفيسور إبراهيم البدوي، بزيادة رواتب المعلمين بنسبة كبيرة وصلت إلى نحو 400%. يومها، بكى بعض المعلمين فرحاً، لا لأنهم أصبحوا أثرياء، بل لأنهم شعروا لأول مرة أن الدولة تراهم. لكنها كانت لحظة عابرة سرعان ما أُجهضت، لتعود الأمور إلى ما هو أسوأ في ظل الحرب والانهيار، وكأن تلك التجربة القصيرة كانت دليلاً عملياً على أن الإصلاح ممكن، لكنه يظل رهين الإرادة السياسية والاستقرار المؤسسي.وفي مقابل هذا التدهور، تكشف المقارنة الدولية عن فجوة هائلة في الرؤية والسياسات. ففي اليابان، لا يُنظر إلى المعلم بوصفه موظفاً، بل باعتباره مهندساً للمجتمع، حيث يحظى باحترام اجتماعي عميق، ونظام دعم مؤسسي يضمن استقراره المهني والنفسي. أما في سنغافورة، التي تصدرت مؤشرات جودة التعليم عالمياً، فإن اختيار المعلمين يتم من بين أفضل الخريجين، وتُصمم لهم مسارات تدريب وتطوير مستمرة، وتُمنح لهم حوافز مادية ومعنوية تعكس مركزيتهم في المشروع الوطني.هذه النماذج ليست ترفاً، بل تعبير عن قناعة راسخة بأن التعليم هو المحرك الأساسي للتنمية. وهو ما تؤكده تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، التي تُظهر بوضوح العلاقة الوثيقة بين جودة التعليم والتنافسية الاقتصادية. ففي تقرير 2024، احتلت قطر المرتبة الرابعة عالمياً والأولى عربياً في جودة التعليم، بينما خرج السودان، إلى جانب دول تعاني من نزاعات ممتدة، من التصنيف بالكامل، في مؤشر بالغ الدلالة على عمق الأزمة.إن هذا الخروج لا يعني فقط تراجعاً تعليمياً، بل يحمل دلالات استراتيجية تتصل بمستقبل الاقتصاد الوطني، وقدرته على الاندماج في الاقتصاد المعرفي العالمي. فمؤشرات التقييم الدولية لا تقيس فقط البنية التحتية التعليمية، بل تشمل جودة المعلم، وتأهيله، واستقراره، ومدى الاستثمار فيه بوصفه حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي.بينما تسير تلك الدول في طريق العلم والمعرفة، ظل السودان أسير خطاب يمجد البندقية ويهمش القلم. لقد تحولت البندقية من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة للصراع على السلطة، ودفع الشعب الثمن من استقراره ولقمة عيشه ومستقبل أجياله. الحقيقة التي تؤكدها كل تجارب العالم هي أن الدول لا تُبنى بالسلاح، بل تُبنى بالتعليم، ولا تستقر بالقوة، بل بالعدالة والحكم الرشيد.وسط هذه الصورة القاتمة، تبرز مشاهد إنسانية تختصر المأساة والأمل معاً. صورة الأستاذ الزبير وهو يبكي فرحاً بعد إعلان اسم طالبته الأولى على مستوى السودان ليست مجرد لحظة عاطفية عابرة، بل هي تعبير عميق عن جوهر الرسالة التعليمية. تلك الدموع، في معناها الرمزي، أقوى من الرصاص، لأنها تنتمي إلى معركة مختلفة: معركة بناء الإنسان. فالعلم، في نهاية المطاف، هو السلاح الأعمق أثراً، والأبقى حضوراً في مواجهة الجهل والتخلف والصراع.إن هذه الصورة تعيد تعريف العلاقة بين المعلم والمجتمع؛ فهي تُظهر أن المعلم، رغم كل ما يحيط به من تهميش، لا يزال يحمل شعلة الأمل، ويواصل أداء رسالته بإخلاص نادر. غير أن التعويل على هذا الإخلاص وحده، دون سند مؤسسي حقيقي، يمثل نوعاً من الاستنزاف غير الأخلاقي لهذه الفئة.لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تهمش معلميها إنما تؤسس، بشكل غير مباشر، لفشلها المستقبلي. فالتعليم لا يمكن أن ينهض في بيئة يُهان فيها المعلم، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون إعادة الاعتبار لهذه المهنة.لن ينهض السودان إلا حين يستعيد احترامه للعلم، ويعيد الاعتبار للمعلم، ويؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفشل. أما الاستمرار في هذا المسار، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار، لأن الأمم التي تحتقر معلميها إنما تكتب بيدها شهادة سقوطها.إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يواصل هذا المسار الذي يُقصي المعلم ويُضعف التعليم، أو أن يعيد ترتيب أولوياته على أسس علمية، تضع الإنسان – تعليماً وتأهيلاً – في قلب مشروع الدولة.فالنهضة لا تبدأ من فوهة البندقية، بل من سبورة في فصل دراسي، ولا تُصنع في ساحات القتال، بل في عقول التلاميذ التي يُشكّلها معلم يعرف قيمته، وتحميه دولة تعرف معنى المستقبل.The post المعلم في السودان بين التهميش المؤسسي ونماذج التقدير العالمية: قراءة تربوية مقارنة appeared first on صحيفة مداميك.