عبير داغر اسبرلقد بدا خيارًا صائبًا منذ اللحظات الأولى لفيلم “مايكل”، ألا تُقرأ شخصية “درامية” للغاية مثل مايكل جاكسون إلا من خلال تلك الثنائية مفرطة التنافر: الحرية والعبودية. إذ لن يمرّ لون بشرة مايكل جاكسون، وملامحه التي حاربها، ولا عرقه وتاريخ القمع لهذا العرق، دون أن يترك علامته الدامغة على كل ما أنجز وفعل كي يكسر جدران تلك السجون من العبودية بموهبته فحسب.لا يتطلّب ذكاءً كبيرًا ملاحظة أن الفيلم هنا هرب من كل إشكال أو سؤال كبير حول ماضي المغني العبقري. هنا نحن أمام خط واضح نعرف كيف سيمشي وإلى ماذا سيُفضي: أب متحكّم، لا لعلّة كبيرة فيه إلا أنه ابن بيئته السوداء، حيث كل ما فيها ثقيل ويجب محاكمته؛ سوطه بالسياط وتأديبه، إن كان ابنًا أو ظرفًا اقتصاديًا أو ثقل تلك اللعنة أن تولد ببشرة سوداء في أميركا. لقد قرّر الفيلم منذ البداية ألا يحمّل مايكل العبقري مسؤولية عمّا يحصل في حياته، فهذه الموهبة الجبّارة لم تنمُ، أو لم تتجاوز حدود طفولتها، ولم تبلغ مراهقتها حتى، فما بالك بالنضج العاطفي أو الجنسي.كل ما في الفيلم يحيلك إلى براءته من تلك التهم المشينة، والإصرار على روحه الطفولية المنثورة في كل تفصيل من تفاصيل الفيلم كان الردّ الأكبر على تلك التهم التي لاحقته. صداقات غريبة عقدها مع شخصيات لم تماثله بشيء سوى أنها استوعبت أن تكون طفلًا يُسحب من سريره كي يغني أو يمثّل ويسلّي من يدفع. إليزابيث تايلور كانت واحدة من صديقاته اللواتي طالما غرق معهن في محادثات هاتفية طويلة عنه وعن معاناته. بروك شيلدز، التي ارتبط اسمها باسمه كمحبَّين، لكنهما لم يعيشا أو يفعلا ما افترض بهما فعله، وعندما سُئل لماذا، قال إنه جنتلمان. هذا الطفل الذي لا يخرج من قصره لطالما تواصل مع النجوم عبر هاتفه، ومازحهم بمزحات أولاد صغار في التاسعة، كأن يتصل ويدّعي أنه شخص آخر، كما حكى مرارًا الممثل الأسترالي الأصل راسل كرو وغيره كُثر.فن خالص لم يحتج يومًا إلى البروباغندابفنياته الكثيرة وإنتاجه المتقن، نجا “مايكل” من تهمة البروباغندا بصعوبة، حيث أتاح لمحبيه وكارهيه أن يروا ويتلمّسوا ويسمعوا سبب شهرته التي نعجز حقًا عن تخيّلها، لا بأرقام مبيعاته، ولا بهوس محبيه به، ولا بحجم عزلته التي حماها بأسطورية من الميديا، التي بدأت معه بتربية أظافرها وغرزها بلحم النجوم الكبار، دون رأفة، ودون قوانين ناظمة، ودون وعي بمعنى الخصوصية، تلك التي أتاحت للمعجبين حقوقًا لا يمكن إتاحتها الآن بأي شكل، مهما بدت الحجج متماسكة.ماذا قالت العائلة؟ليس مفاجئًا، حين تُراجَع ظروف صناعة “مايكل”، أن الفيلم خرج مهذّبًا إلى هذا الحد، مُلمَّعًا، خاليًا من أي خشونة قد توجع المشاهد أو تطعن في القداسة المفترضة للنجم المحبوب. الفيلم من توقيع المخرج أنطوان فوكوا، صاحب “يوم التدريب” (Training Day)، وكتابة جون لوغان، الكاتب المخضرم لأعمال مثل” المجالد” (Gladiator)و “سكايفول” (Skyfall)، أسماء ذات ثقل وُضعت هنا في خدمة مشروع لم يكن سينمائيًا صرفًا فحسب، بل عائليًا وقانونيًا وماليًا. شركة “ليونزغيت” راهنت على المشروع وشاركتها “يونيفرسال”، إلى جانب حاملي تركة عائلة جاكسون التي شاركت أيضًا في إنتاج الفيلم، إذ بلغت الميزانية النهائية ما يقارب 200 مليون دولار، ما يجعله من أكثر الأفلام البيوغرافية تكلفة على الإطلاق. لم يُنتج الفيلم عن مايكل جاكسون فقط، فالإخوة جاكسون، جاكي وجيرمين ومارلون ولاتويا، ظهروا كمنتجين منفذين للفيلم، فيما اكتفت جانيت، الأشهر بينهم، بـ”الاعتذار بلطف”، وغابت عن باقي العائلة بموقف يشبهها.عن ابن الأخ… وبناء سلالةإلا أن الاختيار الأكثر إغراءً يشعّ عبر إسناد الدور الرئيسي إلى جعفر جاكسون، ابن شقيق مايكل، في أول ظهور سينمائي له. حين تُسند صورة الأسطورة إلى حاملي دمه أنفسهم، فكأن الفيلم يحاول بناء سلالة لصاحب الأسطورة نفسه، بينما يحيط بجعفر طاقم تمثيلي لافت: كولمان دومينغو في دور الأب جو، نيا لونغ في دور الأم كاثرين، مايلز تيلر في دور المحامي جون برانكا، كات غراهام في دور ديانا روس، ولارينز تيت في دور بيري غوردي مؤسس موتاون.الاستقبال النقدي للفيلم جاء حادًا ومنقسمًا. كتب روبرت دانيالز في موقع “روجر إيبرت” أن “مايكل” ليس فيلمًا، بل “قائمة مصوّرة تبحث عن قصة”، وأن شخصياته المسطّحة تمنعه من استجواب مايكل بوصفه مبدعًا أو إنسانًا. ورأى نيكولاس باربر أن الفيلم “تكريم للشخص، لكنه إهانة فادحة للفنان”. لكن المفارقة الكبرى أن الفيلم انتصر تجاريًا انتصارًا ساحقًا.حقّق “مايكل” 97 مليون دولار محليًا و217 مليونًا عالميًا في أسبوع افتتاحه، متجاوزًا أكبر افتتاح في تاريخ الأفلام البيوغرافية الموسيقية. وعلى منصة “روتن توميتوز” (روتن توميتوز)، بلغ مقياس الجمهور 97%، فيما وصف كثير من المشاهدين الفيلم بأنه “أقرب ما يمكن للوصول إلى حفل لمايكل جاكسون”. هذا الفصام بين القاعة النقدية والقاعة الجماهيرية ليس عرضًا، بل هو ربما الموضوع الحقيقي للفيلم: الجمهور لا يريد أن يعرف، الجمهور يريد أن يستعيد.لكن، برغم الملايين وضخامة الإنتاج وتماسك الصورة، ثمة شيء مأساوي في أن يُختزل أعظم مؤدٍّ في تاريخ البوب إلى مجرد سرد لوقائع، إلى عرض تذكاري بكّاء وعاطفي من الدرجة الثانية. فمايكل الحقيقي لم يكن طفلًا، ولم يكن قديسًا، وربما لم يكن أيضًا ما اتُّهم به بتلك القطعية. هو، حكمًا، ودون كثير من التأمل أو الاستنتاجات العبقرية، كائن مركّب تشكّلت شخصيته من تصدّعات أميركا نفسها: من العنصرية، وشروط الصناعة المجحفة، وهيمنة التلفزيون في الثمانينيات، والوحدة والعزلة الفادحة لنجم ابتلعت نجوميته حياته كلها. فقد كانت موهبته أكبر مما تتحمله حياة واحدة.https://www.ultrasawt.com/%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%84-%D8%AC%D8%A7%D9%83%D8%B3%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%88%D9%87%D8%A8%D8%A9-%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%AC%D9%8F%D9%84%D8%AF%D8%AA-%D8%A8%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9/%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%AF%D8%A7%D8%BA%D8%B1-%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%B1/%D8%A3%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%85/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9The post ثقافة أفلام مايكل جاكسون: موهبة لطالما جُلدت بسياط العبودية appeared first on صحيفة مداميك.