مهدي داود الخليفةبسم الله الرحمن الرحيم“وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”في لحظة نادرة من المكاشفة، و في خطاب استمعت له أقرّ الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بحقيقة ظلّ الشعب السوداني يرددها في صمتٍ موجع: ثلاث سنوات ضاعت من عمر الوطن، وثلاث سنوات أُهدرت من طاقات شبابه في صراعاتٍ عقيمة وخصوماتٍ أنهكت الدولة ولم تُنتج إلا المزيد من الانقسام والانهيار. هذا الاعتراف، في حد ذاته، ليس تفصيلاً عابرًا؛ بل هو نقطة يمكن، إن صَحِبَتها إرادة، أن تؤسس لتحولٍ حقيقي في مسار الأزمة السودانية.غير أن التجربة السودانية تُعلّمنا أن الكلمات، مهما بلغت صدقها، لا تغيّر الواقع ما لم تُترجم إلى قراراتٍ شجاعة. ولذلك، فإن الإشادة بهذه الروح النقدية يجب أن تقترن بمطالبة واضحة: المضي فورًا نحو إنهاء الحرب، لا باعتبارها خيارًا سياسيًا، بل كضرورة وطنية عاجلة.لقد وصلت الحرب في السودان إلى مرحلة لم يعد فيها منتصر. الجميع خاسرون:الدولة التي تتآكل،المجتمع الذي يتمزق،والإنسان الذي يُدفع يوميًا ثمنًا لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.ومن هنا، فإن الخطوة الأولى التي ينبغي أن تُبنى على هذا الاعتراف، هي إعلان وقف شامل وفوري لإطلاق النار، يتبعه التزام عملي لا يحتمل التأويل بوقف العمليات العسكرية وفتح الممرات الإنسانية.لكن وقف الحرب وحده لا يكفي، إذا لم تُعالج جذور الأزمة. وفي مقدمة هذه الجذور، مسألة السلاح المنفلت وتعدد مراكز القوة. فلا دولة يمكن أن تقوم في ظل جيوشٍ متعددة وولاءاتٍ متباينة. إن البداية الحقيقية لأي مسار وطني جاد، يجب أن تنطلق من تجميع السلاح، وحل كافة المليشيات دون استثناء، ودمج المؤهلين منها في جيش وطني مهني موحد، يخضع لسلطة مدنية. هذه ليست مجرد خطوة أمنية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة نفسها.وبالتوازي مع ذلك، فإن الدعوة إلى حوار وطني شامل لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. السودان لا يمكن أن يُعاد بناؤه عبر الإقصاء أو الاحتكار، بل عبر إشراك كل ألوان الطيف السياسي والمدني: الأحزاب، الحركات المسلحة، لجان المقاومة، والإدارات الأهلية. المطلوب دعوة صادقة ومفتوحة، لا تُقصي أحدًا، ولا تُدار بعقلية الغلبة، بل بروح الشراكة في إنقاذ الوطن.غير أن هذه الدعوة، حتى تكتسب مشروعيتها ومصداقيتها، لا بد أن تُبنى على هدي وأسس ثورة ديسمبر المجيدة، بوصفها التعبير الأصدق عن الإرادة الشعبية السودانية في الحرية والسلام والعدالة. فهذه الثورة لم تكن مجرد لحظة احتجاج، بل شكلت مرجعية أخلاقية وسياسية جامعة، يمكن أن تُحيّد الصراعات الأيديولوجية وتؤسس لأرضية مشتركة بين مختلف القوى. إن استدعاء روح ديسمبر لا يعني إعادة إنتاج الماضي، بل استلهام قيمها في بناء عملية سياسية جديدة تقوم على الشفافية، والشراكة، ورفض الإقصاء، والانحياز الكامل لمطالب الشعب. وبدون هذا الأساس القيمي، سيظل أي حوار معرضًا للانزلاق نحو إعادة تدوير الأزمة بدلًا من حلها.غير أن أي دعوة للحوار ستظل بلا قيمة، إن لم تُفضِ إلى مسار سياسي واضح المعالم. وهنا تبرز الحاجة إلى تأسيس مرحلة انتقالية تقودها سلطة مدنية كاملة الصلاحيات، محددة الأهداف، تعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان استقلال القضاء، والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة. كما أن تحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين في الجرائم يظل شرطًا أساسيًا لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.ولكي يتحول هذا الطرح إلى واقع، فإن تفعيل نداء البرهان يتطلب خطوات عملية لا تحتمل التأجيل:أولًا، تشكيل لجنة وطنية مستقلة لوقف الحرب، تضم شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة، تتولى الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار، وتعمل بتنسيق محسوب مع الشركاء الإقليميين والدوليين.ثانيًا، الدعوة إلى مؤتمر سلام سوداني–سوداني يُعقد داخل البلاد، في بيئة آمنة، وبإرادة وطنية خالصة، بعيدًا عن أي إملاءات خارجية.ثالثًا، إطلاق برنامج وطني عاجل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، يضمن تفكيك البُنى العسكرية الموازية، ويوفر بدائل اقتصادية حقيقية للمقاتلين، حتى لا يتحولوا إلى وقودٍ لصراعات جديدة.رابعًا، اتخاذ إجراءات فورية لبناء الثقة، تبدأ بإسقاط جميع القضايا وًالعقوبات المفروضة علي قادة الاحزاب و السياسيين، بما يهئ مناخا سياسيا معافي و يترافق ذلك مم وقف لخطاب الكراهية والتحريض، وضمان الحريات العامة و في مقدمتها حرية الإعلام و التعبير باعتبارها ركائز اساسية لاي عملية انتقال سياسي جادة.خامسًا، إنشاء مفوضية مستقلة للعدالة الانتقالية، تحقق التوازن بين المحاسبة والمصالحة، وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.سادسًا، تبني خطة طوارئ اقتصادية وإنسانية عاجلة، تُعالج آثار الحرب الكارثية على المواطنين، وتُعيد الحد الأدنى من الاستقرار إلى حياتهم اليومية.إن السودان اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي. فإما أن يتحول هذا الاعتراف إلى نقطة انطلاق نحو إنهاء الحرب واستعادة الدولة، أو يبقى مجرد لحظة عابرة تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة. والتاريخ لا يرحم من يدرك حجم الكارثة ثم يتردد في مواجهتها.في نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن نُخطئ، بل في أن نستمر في الخطأ رغم وضوح نتائجه. والسودان، الذي دفع أثمانًا باهظة، يستحق فرصة جديدة، فرصة تُبنى على الشجاعة في اتخاذ القرار، لا على التردد في مواجهة الحقيقة.إنها لحظة فاصلة:إما أن نُنهي هذه الحرب بإرادة وطنية جامعة،أو نتركها تُنهي ما تبقى من وطن.والله من وراء القصد.The post بين الاعتراف والمسؤولية: هل تتحول كلمات البرهان إلى بداية لإنهاء الحرب؟ appeared first on صحيفة مداميك.