مناسبة عيد العمال العالمي (2) أضاءه علي تجربة اتحاد عمال الهند: فلسفة الأسرة الصناعية

Wait 5 sec.

عمار الباقرفي هذا المقال، أود تناول تجربة اتحاد عمال الهند (BMS – Bharatiya Mazdoor Sangh) كظاهرة فريدة في العمل النقابي ليس فقط بسبب حجمه الكبير باعتباره أكبر الاتحادات العمالية ، بل أيضاً بسبب فلسفته التي تختلف جذرياً عن النقابات التقليدية (الاشتراكية أو الرأسمالية)، حيث اعتمد هذا الاتحاد مقاربة مختلفة للعلاقة بين العاملين وأصحاب العمل “الأسرة الصناعية” التي تستند الي فلسفة هندية قومية أصيلة تُسمى (Dhurma) ومن افكار المهاتما غاندي حول التعاون الطبقي بديلاً عن الصراع الطبقي، وأفكار المفكر الاجتماعي الهندي “داتوبانت ثينجادي” (Dattopant Thengadi) الذي نادي ببناء حركة عمالية بعيدة عن التأثيرات الشيوعية والغربية، ويؤمن بـ “الملكية المشتركة” للصناعة. حيث يُعتبر العمل واجباً مقدساً يساهم في بناء الأمة. و بناء علي ذلك، يعمل العامل وصاحب العمل معاً لمصلحة الأمة ولا يُنظر للعامل كمجرد أجير يبيع جهده، بل كشريك في الإنتاج. وفي المقابل، لا يُنظر لصاحب العمل كـمستغل، بل كـرب أسرة، أو مدير للموارد لصالح الجميع.كذلك تقوم فلسفة الاتحاد على توازن المصالح بين ثلاثة أطراف: (العامل، صاحب العمل، والمجتمع). وأن أي قرار يجب أن يراعي مصلحة الأمة والجمهور وليس فقط أرباح الشركة أو أجور العمال، ويرفع شعار “تأميم العمال، وتصنيع الأمة، وعولمة العمل”. ويحظي هذا الاتحاد بشعبية واسعة وسط العاملين في القطاع المنظم خصوصاً عمال السكك الحديدية، والبريد، والاتصالات، والمصارف، وصناعة الدفاع. كما يتمتع بحضور كبير وسط العاملين في القطاع غير المنظم حيث يولي أهمية كبرى لعمال الزراعة، وعمال البناء، والباعة المتجولين، وتتراوح عضويته ما بين 17- 20 مليون عضو منظمين في حوالي 5000 تنظيم نقابي من مختلف القطاعات.كذلك يتبني موقفاً نقابياً يتسم بالاستقلالية الدولية حيث ظل يرفض الانضمام الرسمي لـ (ITUC) أو (WFTU)، مفضلاً الحفاظ على خصوصيته الهندية. إلا أنه في الفترة الاخيرة بدأ الاتحاد في بناء علاقات دولية والمشاركة في مؤتمرات منظمة العمل الدولية (ILO) كأكبر ممثل للعمال في الهند، مع الحفاظ على مسافة متساوية من التكتلات النقابية الدولية الكبرى.أيضاً يتبني الاتحاد نهج الإصلاح والتعاون بين العمال وأصحاب العمل والدولة ولا يعتبر نفسه اتحاداً ثورياً أو راديكالياً مثل النقابات اليسارية ويرفض فكرة الصراع الطبقي كوسيلة أساسية لنيل الحقوق ويتعامل مع الاضراب كملاذ أخير وليس الوسيلة الأولى لنيل الحقوق وذلك استناداً علي فلسفتهم التي تقوم على حل النزاعات بالحوار داخل “الأسرة الصناعية” ،إلا أنه وفي نفس الوقت لا يتردد في التظاهر ضد السياسات الحكومية إذا مست حقوق العمال. وقد شارك بفعالية في الإحتجاجات ضد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية منذ التسعينيات، ونشط ضد خصخصة المؤسسات العامة في عهد حكومة ناريندرا مودي. كما رفض فكرة الأجر الوطني الموحد، معتبرًا أن اختلاف الأجور بين الولايات والقطاعات أمر طبيعي في دولة مترامية الاطراف مثل الهند بسبب تفاوت الظروف الاقتصادية وتكاليف المعيشة. ودعا إلى إصلاحات لضمان عدالة الأجور وتقليل الاعتماد على العمالة المتعاقدة.(Outsource Labour)يركز اتحاد عمال الهند حالياً على قضايا الأمن الاجتماعي والضغط من أجل توفير تأمين صحي وتقاعدي للعمال، ومعارضة الأتمتة التي قد تؤدي لتشريد العمال، والمطالبة بإعادة تأهيلهم لمواكبة الذكاء الاصطناعي.باختصار، يحاول اتحاد عمال الهند تقديم نموذج نقابي “شرقي” يعتمد على التناغم الاجتماعي والمسؤولية المشتركة، بدلاً من المواجهة المستمرة، مع الحفاظ على قوة التنظيم وقدرته على الضغط لتحقيق مكاسب ملموسة للعمال. ووعلي الرغم من عم اتفاقنا مع الكثير من المنطلقات النظرية لهذا الاتحاد، إلا أنه يعتبر هي تجربة جديرة بالاطلاع والدراسة والاستفادة منها في مجهودات إعادة بناء حركة نقابية سودانية تستند في بنائها وممارساتها علي واقع العمل الراهن وإرثها وتاريخها التليد والاستفادة من تجارب العمل النقابي في العالم من حولنا.The post مناسبة عيد العمال العالمي (2) أضاءه علي تجربة اتحاد عمال الهند: فلسفة الأسرة الصناعية appeared first on صحيفة مداميك.