محمد الأمين عبد النبييتسم المشهد السوداني بدرجة عالية من الالتباس في العلاقة بين المدنيين والعسكريين، حيث تتداخل الأدوار وتتشابك المصالح إلى حدٍّ يذيب الحدود الفاصلة بين المجالين؛ فبعض القوى المدنية تستقوي بالعسكريين لفرض رؤاها أو تحسين مواقعها التفاوضية، بينما تلجأ المكونات العسكرية المتحاربة (الجيش والدعم السريع) إلى توظيف واجهات مدنية تمنحها غطاءً سياسياً وشرعية ظاهرية، ما ينتج بنيةً هجينة تُبقي الدولة في حالة سيولة بين طرفي الحرب. وفي ظل هذا التداخل، لا يمكن إنهاء الحرب إلا بتفكيك هذه العلاقة الملتبسة، وفكّ الارتباط بين المدني والعسكري كشرط لا غنى عنه لإعادة بناء المجالين على أسس واضحة. وبدون ذلك، ستظل كل محاولة لإنهاء الحرب حرثاً في البحر، وكل عملية حوار بمثابة حوار طرشان.يمثل مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة في يوليو 2024 أول تحوّل نوعي في مسار الأزمة، باعتباره محاولة جادة لفك الارتباط بين القوى المدنية وطرفي الحرب. فقد نجحت القاهرة في جمع طيف واسع وغير مسبوق من الفاعلين المدنيين والسياسيين حول أولوية وقف الحرب والدفع نحو بناء مسار سياسي مستقل عنها، لا يستمد شرعيته من أي اصطفاف عسكري. ورغم الحضور، امتنع بعض المشاركين عن التوقيع لارتباطهم المباشر بميدان القتال إلى جانب الجيش، كما في حالة مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، وهو ما أبرز بوضوح خط الفصل بين الفاعل المدني والفاعل المرتبط عسكرياً. وقد شكّل المؤتمر منصة توافق لإستعادة الشرعية للمدنيين، عبر نزع الغطاء السياسي عن الأطراف المتحاربة، وطرح رؤية بديلة تفتح الطريق أمام مسار سياسي تقوده قوى مدنية منفصلة عن الاستقطاب العسكري.وفي الاتجاه ذاته يمكن قراءة ما يُعرف بعملية “نيون”، التي مثّلت محاولة لفك ارتباط القوى المدنية بطرفي الحرب عبر مسارات غير رسمية استهدفت بناء أرضية تفاهم بين الفاعلين المدنيين بعيداً عن العسكريين. فقد سعت هذه العملية إلى تطوير مقاربات مرنة للحوار المدني تُعيد صياغة الأولويات حول وقف الحرب، والاستجابة الإنسانية، وإعادة بناء الدولة، بما يمهّد لمسار حوار مدني يمكنه التفاعل مع مسار التفاوض بين طرفي الحرب حول اتفاق السلام، وبناء كتلة مدنية قادرة على إنتاج رؤية سياسية موحدة.تعكس خطة الرباعية مقاربة منهجية لفك الارتباط بين المسارين العسكري والمدني، إذ قامت على تمييز صريح بين مسارين متوازيين: الأول تفاوض يقتصر على الجيش والدعم السريع لمعالجة قضايا وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، والثاني ينحصر في حوار بين القوى المدنية بهدف بلورة رؤية انتقالية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية. وقد عززت هذه المقاربة عبر استبعاد القوى المرتبطة بالنظام السابق، وعلى رأسها المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، إلى جانب إبعاد المكوّن العسكري عن هياكل الحكم الانتقالي. وقد قوبل هذا المسار برفض المكونات العسكرية وحلفائها باعتباره تهديداً مباشراً لمواقع نفوذهم، إذ ينزع عنهم الغطاء السياسي المدني ويفصل العسكريين عن الحقل السياسي.وقد جاءت مشاورات المجموعة الخماسية مع الفعاليات المدنية مستهدفة فك الارتباط بين القوى المدنية وطرفي الحرب. إذ تقوم هذه المشاورات على تصميم العملية السياسية عبر تجميع القوى المدنية حول توافقات تمهد لاجتماع تحضيري يفضي إلى تشكيل لجنة تحضيرية لإدارة العملية السياسية. وقد مثّلت هذه المشاورات أداة ضغط وتجريد الأطراف المتحاربة من امتداداتها المدنية. وقد برهن اللقاء التمهيدي في أديس أبابا، الذي سبق مؤتمر برلين، على فعالية هذا النهج، حيث أفضى إلى التوافق على وثيقة “النداء المشترك”، بما يعكس تقدماً ملموساً في بلورة أرضية مدنية موحدة. وبذلك تُعد مشاورات الخماسية مقاربة دولية تسعى إلى فك الارتباط بين المدني والعسكري.ويمكن قراءة دعوة القوى المدنية للمشاركة في مؤتمر برلين والاستبعاد المتعمد للقوى الحاملة للسلاح والمنخرطة إلى جانب طرفي الحرب، كتحوّل محسوب في هندسة المشهد السياسي، يتجه نحو إعادة مركزتها حول القوى المدنية باعتبارها الطرف الأكثر تعبيراً عن المصلحة في السلام، مع سحب الاعتراف الضمني من المرتبطين ميدانياً بالحرب. وقد انعكس ثقل هذا التحول في الرفض الصريح الذي أبداه طرفا الحرب وحلفاؤهما للمؤتمر، وهو رفض يرتبط باستبعادهما من العملية.وتُفهم تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق ياسر العطا بشأن دمج القوات المشاركة في الحرب داخل الجيش، بوصفها استجابة للضغوط الدولية لإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، بما يمهّد لتفاوض الجيش منفرداً، كمدخل لا غنى عنه لأي تسوية قابلة للاستمرار. وفي الاتجاه ذاته يُقرأ ما أشار إليه السيد مالك عقار في كلمته خلال ختام الاجتماع التنظيمي للكتلة الديمقراطية، حين أكد أن “السلاح يتناقص مع الديمقراطية”. وعلى الرغم من تباين منطلقات هذه التصريحات، فإنها تلتقي موضوعياً مع اتجاه عام يتبلور تدريجياً نحو فك الارتباط بين المسارين المدني والعسكري.يثير تموضع الحركات المسلحة وانخراطها في القتال إلى جانب طرفي الحرب قدراً كبيراً من الالتباس، إذ إنها لا تؤمن بعملية الحوار، وتسعى إلى عملية تفاوض محصورة بين معسكري الحرب تنتهي إلى تسوية ثنائية تحتكرها القوى الحاملة للسلاح، وتُقصي المدنيين من الحكم الانتقالي. ويقوم هذا الطرح في جوهره على منطق تقاسم السلطة والثروة، على غرار اتفاقيات سابقة لم تُفضِ إلى سلام مستدام. وهنا يبرز سؤال جوهري؛ كيف يمكن تفكيك التشابك بين المتحاربين والحركات ذات الطبيعة المزدوجة؟ وبالتالي، فإن أي مقاربة لوقف الحرب تظل ملغومة إذا انحصرت بين الأطراف المسلحة دون تفكيك شبكة الارتباطات.وبالتوازي، يُطرح سؤال إنهاء العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة لتصنيف الحركة وجناحها العسكري على خلفية أدوارها في الحرب وامتداداتها السياسية والعسكرية، في ظل التباين المتزايد بين الجيش والحركة، بما يشير لإتساع الفجوة بينهما. ويُفهم من هذا التطور أن العلاقة بين الطرفين لا تقوم على وحدة مشروع بقدر ما تستند إلى تقاطعات سلطوية، في ظل مؤسسة عسكرية تأثرت تاريخياً بتداخلات سياسية، وحركة تواجه تراكماً ثقيلاً لإرثها خلال فترات الحكم والحرب، ما يجعل رفضها متزايداً داخلياً وخارجياً.يتطلب إنهاء الحرب وبناء السلام تبنّي استراتيجية شاملة تتجاوز منطق التسويات والمحاصصات، نحو عملية وطنية تعيد بناء الدولة على قاعدة مدنية واضحة وفكّ الارتباط بين القوى المدنية والمؤسسات العسكرية. ويبدأ ذلك بوقف فوري لإطلاق النار، يرافقه تهيئة بيئة سياسية وإنسانية تسمح بإطلاق عملية سياسية عبر مؤتمر مائدة مستديرة.وتقوم هذه الاستراتيجية على معالجة جذور الأزمة على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتنوع، مع إيلاء أولوية خاصة لقضايا النازحين واللاجئين وضحايا النزاع، بما يشمل ضمان عودتهم وتعويضهم وجبر الضرر. ويكتمل هذا المسار بترتيبات انتقالية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس قومية ومهنية، مع إنهاء كافة أشكال التمكين والهيمنة المسلحة. كما يستلزم ذلك إطلاق مسار للعدالة الانتقالية يحقق المحاسبة ويمنع الإفلات من العقاب، ويعزز المصالحة المجتمعية، إلى جانب برنامج إصلاح اقتصادي واجتماعي يعالج الاختلالات البنيوية ويدعم التنمية المتوازنة، بما يرسخ سلاماً عادلاً وشاملاً يقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة حكم القانون.The post فكّ الارتباط… مفتاح إنهاء حرب السودان appeared first on صحيفة مداميك.