النخبة ودوائر الامتياز: كيف يُعاد إنتاج السلطة في السودان؟

Wait 5 sec.

*د. أيمن بشرىملخص:يميز المقال بين الامتياز (شروط البداية) والنخبة (أصحاب القدرة الفعلية على القرار). المفهومان لا يتطابقان تلقائياً، لكن السؤال الحاسم هو آليات التحول من الامتياز إلى النخبة. يطرح المقال فكرة “دوائرالامتياز” المتداخلة (مكانية، تعليمية، شبكية) التي تمنح قدرة تراكمية على الوصول إلى النخبة. انخفاض الحركية الاجتماعية يحول المجتمعات إلى أنظمة مغلقة. الامتياز ينتج إحساساً بالاستحقاق، وحرمانه ينتج تهميشاً يتحول إلى صراع وجودي. الحل: إصلاح قواعد إنتاج النخبة، لا تغيير الوجوه فقط.١. مقدمة: حين تُضلِّلنا الكلماتتختلط مفاهيم كثيرة في النقاش السياسي والثقافي السوداني، ويقود هذا الخلط إلى أخطاء في التشخيص قبل أن ينعكس على الحلول. وقد ظهر ذلك في الجدل حول تعريف “الثورة” بعد ٢٠١٩، وتعريف ”الحرب الأهلية” بعد اندلاعها في أبريل ٢٠٢٣، حيث طغت التعاريف العاطفية على التحليل البنيوي.لكن من أكثر المفاهيم التباسًا رغم تغير الأوضاع هما مفهومي “الامتياز” و “النخبة”. والخلط بينهما ليس لغويًا فقط، ولكنه خلطٌ يضلل فهمنا لطبيعة السلطة نفسها، كيف تُنتج، ولماذا تستقر أو تنهار، ولماذا تتكرر الأزمات رغم تغيّر الشعارات.٢. ما الامتياز؟ وما النخبة؟الامتياز هو مجموعة من الظروف والموارد غير المتكافئة التي لا يختارها الفرد ابتداءً، وتمنحه أفضلية في الوصول إلى الفرص أو المنافسة عليها، كالمكان الذي نشأ فيه، نوع التعليم، اللغة، الشبكات الاجتماعية، وسهولة الوصول إلى المؤسسات والترقي فيها.النخبة هي مجموعة محدودة تشغل مواقع أو تمتلك شبكات تمنحها قدرة غير متكافئة ومستقرة على التأثير في القرارات والموارد في المجتمع، سواء عبر الدولة أو الاقتصاد أو الجيش أو المؤسسات الدينية أو الإعلامية أو غيرها. والانتماء إلى النخبة لا يرتبط بذات الشخص أو أصله الاجتماعي بقدر ما يرتبط بالموقع الذي يشغله أو الشبكات التي يسيطر عليها داخل بنية القوة والتأثير.الخلط الشائع يعامل الاثنين كأنهما شيء واحد. والحقيقة أن هناك أصحاب امتياز لم يصيروا نخبة، وهناك من صعدوا من خارج دوائر الامتياز إلى مواقع التأثير. لكن السؤال الحاسم ليس وجود هذه الحالات، بل نسبتها وآليات حدوثها: هل الصعود إلى النخبة مسار مفتوح نسبياً، أم أنه محكوم ببنية تعيد إنتاج نفسها؟٣. دوائر الامتياز:الامتياز لا يعمل كحالة ثنائية، تملكه أو لا تملكه، بل كدوائر متراكبة. بعض أفراد المجتمع يقع داخل دائرة واحدة، وبعضهم في تقاطع عدة دوائر في آنٍ واحد. وكلما زاد عدد دوائر الامتياز التي يجد المرء نفسه فيها، كلما تحوّل الامتياز من مجرد ميزة نسبية إلى قوة تراكمية تقرب أكثر من النخبة ويكون لها قدرة أكبر على إعادة إنتاج نفسها. من أمثلة دوائر الامتياز:⦁ مكاني: العاصمة/المدن (خدمات، مدارس، احتكاك مؤسسي).⦁ تعليمي: جودة التعليم، اللغة، الشهادات.⦁ شبكي: العلاقات والقدرة على “فتح الأبواب”.⦁ مؤسسي: القرب من جهات القرار أو البرامج النوعية.⦁ قبلي/جهوي: الإنتماء لقبيلة أو جهة محددة يتيح فرصاً لا تتوفر لغير المنتمين لتلك الجهة.رسم توضيحي:يشرح هذا الرسم التوضيحي أن دوائر الامتياز متعددة ومتراكبة. بعض أفراد المجتمع يجدون أنفسهم في إحدى هذه الدوائر فقط، وآخرون يجدون أنفسهم في أكثر من دائرة امتياز. ومن يقع في مركز تقاطعها تكون فرصه في الوصول إلى النخبة أعلى. الألوان المختلفة تميز بين عدد الدوائر التي تتقاطع. في الأسفل يظهر الرسم كيف تؤدي دوائر الامتياز إلى النخبة.مثال:“طفل نشأ في حي راقٍ بالخرطوم، التحق بمدرسة الخرطوم العالمية، ثم درس الطب في جامعة الخرطوم. هذا الطفل لم يختر شيئاً من هذا. لكن هذه الدوائر الثلاث (مكانية، تعليمية، شبكية) تجعل طريقه إلى بعثة دراسية أو منصب رفيع أقصر بكثير من طفل نشأ في قرية نائبة في أقاصي البلاد، مهما كانت جدارته. ولا ينتج ذلك بالضرورة عن ظلم مقصود من أفراد بعينهم، بل كثيرًا ما يكون نتيجة تراكمات بنيوية تعمل بصورة تلقائية ما لم تتدخل المؤسسات لتصحيحها.هذا المثال ليس حالة استثنائية، ولكنه يعكس نمطاً يتكرر بدرجات متفاوتة في المجتمع.بالتالي، الصعود ليس خطًا مستقيمًا، بل عبور متتالٍ بين دوائر. ومن يصلون إلى قمة النخبة غالبًا هم من امتلكوا “حزمة” متكاملة من هذه الدوائر.دوائر الامتياز تعمل كآلية سببية متكاملة تُعيد إنتاج النخبة عبر الزمن. ورغم أن الامتياز لا يعطي موقعاً مباشراً، إلا أنه يزيد من التعرض لفرص نوعية، كتعليم أفضل، احتكاك مؤسسي، شبكات أوسع، وهو ما يؤدي إلى تراكم مهارات وقدرات قابلة للملاحظة، مثل الثقة، واللغة، والقدرة على تقديم الذات.وعند لحظة التقييم، كما في مقابلات العمل، أو الترشيحات، أو الاختيار للمناصب، قد لا تُقاس الكفاءة دائمًا بصورة مباشرة، ولكن عبر هذه الإشارات الظاهرة. وهنا يحدث الخلط: إذ قد تُفسَّر آثار الامتياز بوصفها كفاءة فردية. وبهذا، لا يُختار الأفضل بالضرورة، بل يُختار من يبدو أفضل وفق أدوات قياس غير دقيقة قد تعجز عن التمييز بين الكفاءة وآثار الإمتياز.ومع دخول هؤلاء إلى مواقع التأثير، تبدأ حلقة إعادة الإنتاج: إذ يميلون، بوعي أو بدونه، إلى إعادة إنتاج المسارات نفسها، عبر الشبكات، والتوصيات، ومعايير الاختيار، مما يجعل الوصول إلى النخبة أقل انفتاحًا بمرور الزمن.رغم ذلك، لا يعني هذا أن الامتياز وحده يفسر إنتاج السلطة أو الصراعات السياسية، لكنه يمثل أحد أهم الآليات التي تحدد من يملك فرص الوصول إلى مواقع التأثير.٤. الحركية الاجتماعية (social mobility)تُعرَّف الحركية الاجتماعية بأنها قدرة الأفراد من طبقات اجتماعية مختلفة على التنقل بين الطبقات، صعوداً وهبوطاً، سواء في مسار حياتهم الشخصية (في شخوصهم) أو عبر الأجيال (بين آبائهم وأبنائهم).المجتمعات التي تنهار فيها هذه الخاصية تمتاز بـالهشاشة لأنها تتحول إلى أنظمة طبقية مغلقة. عندها تختفي آليات التجديد والمراجعة الذاتية فتفقد قدرتها على قراءة التحولات فتنهار.أما المجتمعات التي تمتاز بحركية اجتماعية عالية فتمتاز بـالحيوية بسبب المنافسة الحقيقية على مواقع القيادة. هذا يسمح باستمرار النخبة في الاحتفاظ بجودتها أو زيادتها، لأن الداخلين الجدد يجلبون معهم خلفيات وخبرات وتصورات مختلفة تكسر الرتابة.مجتمعنا السوداني شهد حركية اجتماعية حقيقية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي: أبناء القرى والأرياف وصلوا إلى أعلى المناصب الأكاديمية والسياسية. لكن هذه الحركية تراجعت بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة. اليوم، اسأل نفسك: كم وزيراً أو مديراً عاماً نشأ في مخيم للنازحين؟ أو تعلّم في مدرسة ريفية بلا كهرباء؟ الاستثناءات موجودة، لكنها تؤكد القاعدة: الطريق أصبح أضيق.٥. من الامتياز إلى السلوك: الإحساس بالاستحقاقالامتياز لا يمنح فرصًا فقط، ولكنه يُنتج مع الزمن إحساسًا بالاستحقاق. فما هو بنيوي في تفسيره كظروف النشأة والفرص المتاحة، يُعاد تفسيره ككفاءة فردية. عندها ترتفع توقعات الفرد بدوره في القيادة ويُفسَّر الاستبعاد كإقصاء، حتى لو كان جزءًا من توسيع المشاركة.وفي الاتجاه الآخر، عندما تبدأ فئات من المحرومين من الإمتياز بالصعود، يتشكل لديها أيضًا إحساس متزايد بالاستحقاق قائم على توقع المشاركة الفعلية. عندما لا يتحقق ذلك التوقع، يتحول إلى شعور بالتهميش. هذا ربما يكون المدخل النفسي لصراع المركز والهامش. فعندما تُحرم مجموعات اجتماعية أو جهوية بصورة مزمنة من دوائر الامتياز، وتضعف أمامها فرص الحركية الاجتماعية، يتولد تدريجياً شعور جمعي بالتهميش والإقصاء. وعندها يتحول الصراع إلى صراع حول الاعتراف والكرامة والمستقبل. وهو شعور يرتبط غالباً بحرمان مادي ومؤسسي حقيقي، لا بمجرد الإدراك الذاتي وحده.من إشكالات الإمتياز أنه يؤثر حتى على التنافس العادل. ففي مقابلات الاختيار للوظائف مثلاً، قد يتحول شعور الإستحقاق إلى سلوك، مثل ثقة أعلى وقدرة على إعطاء انطباع جيد. ومع أدوات تقييم غير دقيقة، قد تُفسَّر هذه الإشارات ككفاءة. عندها قد يتقدم من يجيد العرض على من يملك الجدارة الفعلية. يعطي هذا انطباعاً بعدالة النظام بينما ما يقف خلفه فعلياً هو أدوات قياس قاصرة.خذ مثالاً واقعياً:“لنأخذ مقابلة عمل في هيئة حكومية كبرى بالخرطوم. مرشحان: الأول من أسرة ميسورة، تعلّم في مدارس خاصة، يتحدث بثقة، ويعرف أعضاء اللجنة من نوادٍ ونشاطات سابقة. الثاني من منطقة طرفية، خريج جامعة إقليمية، متردد في الحديث، ولا يعرف أحداً. لو كان معيار الاختيار ‘الانطباع العام’، فسينجح الأول حتماً. لكن لو كان هناك اختبار عملي محايد، قد يختلف المشهد. المشكلة ليست في نوايا اللجنة، بل في أداة التقييم نفسها.”٦. الامتياز وصراع السلطة: إغلاق مسارات الوصولالناس لا يحتاجون إلى نظرية سياسية ليدركوا أن السلطة هي أعلى درجات الامتياز. تكفيهم التجربة اليومية: من يملك السلطة يملك الموارد، والأمن، والقدرة على تشكيل المستقبل. وفي مقال سابق بعنوان “السلطة: لماذا يسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصموا”، استعرضنا كيف أن هذا الإدراك ليس مجرد حسابٍ عقلاني، بل هو مرتبط بغريزة ضاربة في عمق الدماغ البشري، تتغذى على محفزات بيولوجية ونفسية واجتماعية متراكمة عبر مئات الآلاف من السنين.الفارق بين المجتمعات ليس في وجود هذا الصراع أو غيابه، بل في القنوات التي يجري عبرها. حين تكون مسارات الوصول إلى السلطة مفتوحة نسبياً ومؤسسية، تتحول طاقة الصراع إلى منافسة منتجة. وحين تُغلق هذه المسارات، أو تبدو مزيفة، يتحول الصراع إلى توترات تنفجر دورياً في شكل انقلابات أو حروب. ذلك لأن السلطة لم تعد أداة لإدارة الدولة، ولكنها صارت وسيلة للوصول للأمن والحماية المجتمعية. وعندها لا يعود فقدان السلطة مجرد خسارة سياسية مؤقتة، ولكن يُنظر إليه كتهديد للأمن والمكانة والمستقبل الجماعي.وهنا يظهر الرابط العميق بين الامتياز والسلطة: حين يُحرم أُناس من السلطة، ليس بسبب قصور فردي ولكن بسبب موقعهم خارج دوائر الامتياز، يتحول الأمر من مجرد مطالبة سياسية فحسب إلى ما يشبه “استرداد كرامة” مهمشة. وفي المقابل، تدفع هشاشة الدولة النخب نفسها إلى إغلاق النظام خوفاً من فقدان الحماية. وهذا البُعد النفسي الاجتماعي هو ما يفسر حدة الصراعات حول السلطة وصعوبة تسويتها بأدوات سياسية وحيدة.ومن هنا، فإن استقرار الدول لا يعتمد فقط على الدعوات الأخلاقية للوحدة أو الوطنية، وإنما على بناء مؤسسات تضمن ألا يتحول الوصول إلى السلطة إلى الطريق الوحيد للوصول إلى الامتياز أو الحماية. فعندما تفشل الدولة في توفير مسارات عادلة وآمنة للمشاركة، تتآكل الثقة بين المجموعات الاجتماعية، وتصبح التسويات السياسية نفسها هشة وقابلة للانهيار.٧. الخاتمة:المشكلة ليست في وجود الامتياز، ولا في وجود النخب، بل في كيفية تحوّل الأول إلى الثانية داخل آليات انتقاء مغلقة. الامتياز يحدد من يبدأ. النخبة تحدد من يقرر. والتصميم المؤسسي يحدد هل يبقى الباب مفتوحًا أم يُغلق. حين تُغلق مسارات الحركية الاجتماعية، يتحول التفاوت من مجرد فروقات في الفرص إلى شعور جماعي بالإقصاء، وتتحول السياسة من تنافس حول البرامج إلى صراع حول الوجود نفسه.ولا تمثل دوائر الامتياز وحدها تفسيراً كاملاً للأزمة السودانية، لكنها تمثل إحدى الآليات المركزية التي تتفاعل مع بنية الدولة والاقتصاد والسياسة في إنتاج عدم الاستقرار.من دون فهم هذه العلاقة، سنظل نفسر السياسة كقصص أخلاقية، بينما هي في الواقع نتيجة بنى تحدد من يملك القدرة على الفعل ومن يُستبعد منها. ولهذا، فإن إصلاح الدولة لا يجب أن يستهدف تغييرالحكومات أو الوجوه فقط، ولكن عليه أن يستهدف تصميم القواعد والمؤسسات التي تحدد من يصل إلى مواقع النفوذ، وكيف يصل إليها، وكيف تُوزَّع فرص الوصول نفسها.——————————————*د. أيمن بشرى طبيب استشاري في الباطنية وأمراض الدم، حاصل على درجة الدكتوراه في الطب (PhD)، وله عدد من الأوراق العلمية المحكّمة. عمل رئيساً لقسم أمراض الدم في مستشفى جامعي في النرويج. مهتم بعلم النفس، الفلسفة والتاريخ. يكتب في قضايا السياسة ونظم الحكم من منظور تحليلي يستند إلى خبرته الطبية والبحثية والإدارية.  The post النخبة ودوائر الامتياز: كيف يُعاد إنتاج السلطة في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.