دراسة: 63% من ممرضي وتقنيي السرطان يعانون من إرهاق نفسي خطير

Wait 5 sec.

ناظورسيتي: متابعة يشكل الإرهاق النفسي والمهني لدى الأطر الصحية العاملة في مجال الأورام السرطانية بالمغرب ناقوس خطر حقيقيا، بعدما كشفت دراسة حديثة عن نسب صادمة توضح حجم المعاناة التي يواجهها الممرضون والتقنيون يوميا داخل المستشفيات. ففي العدد الثاني عشر من مجلة Oncoscience، نشر بتاريخ 31 يوليوز 2025 مقال علمي بعنوان: «الاحتراق النفسي لدى الممرضين والتقنيين في الأورام السرطانية بالمغرب: الانتشار، عوامل الخطر والنمذجة بالمعادلات الهيكلية». هذا العمل وقع عليه ثلاثة باحثين من كلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الخامس بالرباط، وهم: إيمان الرامي، وصابر بوطيب، وحسن الرحيلي، حيث اعتبر خطوة نوعية في فهم المخاطر النفسية والاجتماعية التي تهدد هذه الفئة من مهنيي الصحة. (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({}); الأرقام التي قدمتها الدراسة مقلقة للغاية: 63,7% من المستجوبين يعانون من احتراق مهني بدرجات مرتفعة، وهي نسبة تفوق بكثير المعدلات المسجلة في تخصصات طبية أخرى. من أصل 91 مشاركا في البحث، أغلبهم ممرضون وتقنيون، سجلت النتائج أن 70,3% يعانون من تعب عاطفي شديد، بينما 54,9% ظهرت عليهم أعراض “التجريد من الإنسانية”، أي فقدان الحس التعاطفي مع المرضى كآلية دفاعية لحماية الذات من الضغط المستمر. الأكثر هشاشة، حسب الباحثين، هم الممرضون، الشباب، والنساء. فالممرضون يواجهون يوميا معاناة المرضى في مراحل حرجة، بينما يجد الشباب صعوبة في تطوير قدرة نفسية على التكيف مع الضغط، أما النساء فهن مثقلات غالبا بازدواجية الأدوار بين العمل والأسرة، ما يعمّق من الإرهاق. شهادات بعض العاملين عكست هذه الحقيقة، حيث اعترفت ممرضة من الرباط بأن التعلق بالمرضى ثم فقدانهم يترك ندوبا عاطفية يصعب تجاوزها، فيما أشار تقني شاب في مصلحة العلاج الإشعاعي إلى أن سنتين فقط من العمل كانت كافية لتغيير حياته بشكل سلبي وجعله يفقد توازنه الشخصي. لكن المشكلة لا ترتبط فقط بالجانب النفسي، بل أيضا بالبيئة المهنية. إذ بيّنت الدراسة أن 55% من المستجوبين غير راضين عن أجورهم، بينما لا يتجاوز معدل الرضا عن مناخ العمل 11% فقط. ظروف قاسية، قلة الموارد البشرية، ضغط إداري، وساعات عمل طويلة، كلها عوامل تدفع الكثير من الأطر للتفكير في مغادرة المهنة نهائيا. هذا الواقع لا يخص المغرب وحده، بل ينسجم مع ما سجلته تقارير دولية عديدة. ففي الولايات المتحدة مثلا، أظهرت بيانات الجمعية الأمريكية لعلم الأورام أن نصف الأطباء تقريبا يعانون من الاحتراق النفسي. وفي أوروبا، تتشابه النسب في فرنسا، إسبانيا وإيطاليا. أما في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث الموارد أكثر ندرة، فقد تجاوزت معدلات الاحتراق المهني 65%، ما يعزز الطرح القائل إن العمل في مجال الأورام يمثل عالميا أحد أكثر التخصصات استنزافا نفسيا. إزاء هذه الأرقام، شدد الباحثون على ضرورة التعاطي مع الظاهرة كقضية صحة عمومية، وليست مجرد إشكالية تنظيمية داخل المستشفيات. ودعوا إلى إجراءات عاجلة تشمل تحسين ظروف العمل، مراجعة الأجور، تخفيف العبء المهني، ضمان التكوين المستمر، وإحداث آليات للدعم النفسي موجهة خصيصا للعاملين في مجال السرطان. الصرخة التي أطلقها هؤلاء الباحثون تعكس معاناة إنسانية عميقة: وراء كل نسبة مئوية هناك ممرض أو تقني يواجه صراعا يوميا بين الرغبة في خدمة المرضى والخوف من الانهيار النفسي. وإذا لم يتم التدخل بشكل جاد، فإن المنظومة كلها مهددة بالضعف، على حساب صحة المرضى وجودة العلاج.