حينَ ينتصر الذّكاء التّجَـاري على الذَّكاء السياسـي

Wait 5 sec.

جمال محمد إبراهيم(1)إنَّ الدبلوماسية الأمريكية تعاني في نظر المتابعين من تداعٍ لإرثها وقوتها تلك التي بناها كبارٌ من أمثال السياسي والمؤرّخ المفكر “جورج كيـنان”(1904- 2025)، بنوا مجدها خلال سنوات الحرب الباردة، وفيهم من شارك في تعزيز المنظمة الأممية ومبادئها. ها هي الآن، وبعد أن كانت كيانا قائما ومستقرّاً بتخصّصه في حماية المصالح السياسية الأمريكية، وعلى عقودٍ من الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض- ديمقــراطيـين كانوا أو جمهوريين – صــارتْ مؤخراً ملفاً ساخنا من ملفات التنافس بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحــدة.يدور ســجال بين المتخصّصين والأكاديميين والدبلوماسيين، حول إنْ كان ثمَّة ضرورة لإحداث إصلاح في جسم الخدمة الخارجية، وهي خدمة لا تشمل وزارة الخارجية وحدها، بل عدداً من الوكالات والهيئات الأخرى التي يتصل عملها ونشاطها بالخارج . هنالك عدد 270 بعثة دبلوماسية أمريكية في الخارج وعدد موظفيها يقارب 30000 . إذا أضفنا بقية هيئاتٍ أخرى، سيصل العدد إلى أكثر من 70000 دبلوماسي وموظف. لقد شهدتْ وزارة الخارجية الأمريكية توسّــعاً كبيراً، وتكاد أن تكون لها ممثلية في كل بلد في العالم. ولعلَّ أكثر جهود التوسُّـع والانتشار قد تمت بيَـد الإدارات الديمقراطية . من الواضح إدارة الجمهوريين تتعامل بحساسية بالغة تجاه كافة مبادرات الإدارات الديمقراطية المتعاقبةلقد اتجهتْ إدارة الرئيس الجمهوري الحالي بقوةٍ لإصلاح هياكل ومهام وزارة العلاقات الخارجية، مدفوعة بشعارات ابتدعها الرئيس “دونالد ترامب”، أولها مناداته باستعادة العظمة الأمريكية ، منطلقاً من هواجس عدائه للإدارة السَّـابقة التي تولاها الرئيس الديمقراطي السابق “بايدن” .(2)في نظر الرئيس ترامب ومشايعيه، إنّ وزارة الخارجية الأمريكية تعاني من تراجع فعاليتها خلال السنوات الأخيرة، أو انَّ الديمقراطيين قد أضاعوا تلك الفعالية . وذلك ما استدعى ضرورة إصلاح هياكلها ومهامها . كتب السيد “ماثيو كروينـق” أحد كبار محرري مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية ، مقالا بتاريخ 8/8/2025 نقل فيه قولاً لوزير دفاعٍ أمريكي سابق شدَّد فيه على ضرورة توفير ميزانية عالية لوزارة الخارجية، وإلا سيكون لزاماً على وزارة الدفاع العمل على توفير المزيد من الذخائر. يقول “ماثيــو كرونـيـق” أن تخفيض عدد الموظفين من وزارة الخارجية لم يتجاوز الثلاثة ألاف من نحو 80 ألف. أشار إلى أن حوالي 25 إدارة تتواصل مباشرة مع الوزير وذلك يشكل عبئاً كبيرا على وزير يدير مجلس الأمن القومي وأيضاً وزارة الخارجية، والأمر يتطلب تقليص بعض المهام، وأنَّ الاهتمام بالقضايا الدولية مثل البيئة والمناخ والتنوّع والادماج أخذ اهتماما كبيرا بالخصم من الاهتمام الأساسي والرئيسي لتطوير العلاقات الثنائية الخارجية . وان الحاجة للإصلاح باتت واضحـة، وأنَّ التوسُّع خلال حقب الديمقراطيين، كان كبيرا خلال رئاستي كُلٍ من كلينتون وأوباما ، ووصل حجـم موظفي العلاقات الخارجية العاملة إلى نحو 80000. قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتقليص في الوظائف طالَ 3000 من موظفيها ودبلوماسييها في الشهر الماضي. إنْ تولى الوزير الحالي “مارك روبيــو”، حسب قول إدارة مجلس الأمن القومي، وأيضاً حقيبة الخارجية، فإن ذلك يمنحه ميزة مناسـبة لضبط الإيقاع بين أداء الادارتين، ويعزِّز الفعالية ويعالج الترهل الوظيفي، عبر تحقيق التوازن بين الادارتين.(3)في السجال الدائر حول سياسات التقليص التي تتبعها إدارة “ترامب”، كتب “جون دينكلـمان” رئيس “اتحاد الخدمة الخارجية الأمريكية” (AFSA)، رأياُ مغايراً أشـار فيه إلى أنَّ ذلك التقليص الذي ألحقته وزارة الخارجية بهياكلها وموظفيها، هو جرح أحدثته الوزارة بيديها. قبل نحو شهر تخلصتْ الوزارة من حوالي 3000 من جملة عناصرها في الخدمة الخارجية البالغ عددهم نحو 70000 . ذلك في نظر رئيس “اتحاد الخدمة الخارجية الأمريكية” قد أضعف فعالية وزارة الخارجية الأمريكية ، خاصّة بعد أن ظلتْ العديد من السفارات الأمريكية بلا ســفراء، وتدار من قبل قائمين بالأعمال . سفارات مهمّة في قارة خلـتْ من سـفراء يديرون أعمالها، فيما تواجه الولايات المتحدة اشتباكات حادَّة مع المارد الصيني، وإدارة “ترامب” تشعل حرباً تجارية تعارضها الصين بشـدَّة. نجيل النظر فنرى الرئيس ترامب يبادر لإيجاد تسوية توقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لكن تظل السفارة الأمريكية في أوكرانيا بلا ســفير وتدار بواسطة قائم بالأعمال.يتواصل السِّجال ويبقى السؤال: ألا تحاج البعثات الدبلوماسية الأمريكية لتعزيز وتقوية فعاليتها، أم أن لترامب رأي آخـر. .؟(4)ليس خافياً على من يتابع أوضاع الدبلوماسية الأمريكية، أنَّ الرئيس “دونالد ترامب” يراهن على مستشاريه ومبعوثيه الخاصِّيـن، وجلّهم من مشايعيه رجال الأعمال في الحزب الجمهوري الحاكم. تجد المليـاردير “ويتكـوف” والضليع في مجالات العقارات ، مبعوثاً خاصاً للرئيس ترامب إلى الشرق الأوسـط ، والســيد “تـوم بـاراك وهو أيضا ملياردير في مجال العقارات ويجيد اللغة العربية، عيّنه “ترامب” مبعوثاً خاصاً للرئيس إلى سوريا ولبنان، أما صهر “ترامب” ومستشاره رجل الأعمال ذو الأصول اللبنانية “مسعد بولـوس” ، فقد صـار معنياً بملف السودان. كلُّ هؤلاء وأعداد أخرى من المليارديرات والأثرياء الأقرب بذهنياتهم التجارية لذهنية “ترامب” في حذق إبرام الصفقات، هم في الدائرة الضيقة للبيت الأبيض. . إلا أن تخفيض القوى العاملة في قطاع العلاقات الخارجية، يترك الدبلوماسية المهنية تترنح إزاء إعطاء الرئيس ظهره لها . ليس ذلك وحده فاذا بوزير الخارجية “مارك روبيـو” يكلف برئاسة مجلس الأمن القومي، وهي التي ستكون شغله الشاغل. وهكذا سيُكتب لوزارة الخارجية تراجعا أشــبه بالتهميش الكامل .إنَّ تعيينات سياسية من رجالات الحزب الجمهوري في وزارة الدبلوماسية الأمريكية، تلقي لوناً من الانحياز الحزبي غير المعهود، والذي قد يلحق إضراراً بطبيعة العمل الدبلوماسي، الذي لا ينبغي أن يتخذ لونا حزبيـاً يناقض المبادئ التي تُلزم الدبلوماسيين بالحياد، خدمةً للدولة وليس لأيِّ حزب سياسي.. وهكذا كما نلاحظ فإنّ الدبلوماسية المهنية تتراجع أمام نوعٍ مِن “الدبلوماسـية الرئاسـية” التي يتولاها “دونالد ترامب” ذو التطلعات غير المحدودة بنفسـه، قاصداً تحقيق شعاره الشعبوي بأن يُعيـد للولايات المتحدة عظمتها وعزتها التي أضاعها الديمقراطيون في زعمه.(5)إنَّ دبلوماسية طبيعتها قيد تحوّلات رغبوية، من رئيسٍ مثل “دونالد ترامب”، ستلقي بظلال كثيفة على الأساليب التي يتَّبعها الرَّجلُ إزاء الأزمات الطاحنة التي تدور في أنحاء العالم ، فيما هو طامع بالانفراد ، مراهناً على إيجاد حلول لها، متجاوزاً بذلك المنظمة الأممية وميثاقها واتفاقياتها وكلِّ الزامياتها. لعلنا لو أحسـنَّا النظر سنرى الرَّجل سـاعٍ لمجــدٍ شخصي يحقـقه لشخصه وعينه باتجاه ستوكهولم عـلَّـه ينال جائزة نوبل للسلام، أما أمريكا فلتبحث عمّن يعيـد لها عظمتها. .في عصرِ الذَّكاء الاصطناعي، ها نحـن ندخل إلى حقبة ، عجـزَ فيها المفكّرون والسياسيون والدبلوماسيون عن حلِّ أزمات العالم المتصاعدة، فهل ينجحَ “الذَّكاء التّـجــاري” بعقلـية الصفـقات والتسويات في تحقيق الأمن والسّلم الدولييـن.. فنقول للأمم المتحــدة وداعــا . . ؟The post حينَ ينتصر الذّكاء التّجَـاري على الذَّكاء السياسـي appeared first on صحيفة مداميك.