حمّور زيادةتتواصل الحرب الأهلية السودانية، للعام الثالث، مع تقدّم قوات الجيش وتأمين العاصمة الخرطوم بعد هزيمة قوات الدعم السريع وانسحابها منها. ومع تعيين السلطة العسكرية رئيس وزراء مدني بلا صلاحيات، إذ يتولّى عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر مهمّة تهيئة المدينة لعودة العاصمة النازحة من مدينة بورتسودان في شرق البلاد، ويتولّى أعضاء المجلس العسكري الحاكم مع قادة الحركات المسلحة وقيادات الحركة الإسلامية إدارة العمليات الحربية، ويسيطر المجلس العسكري على إدارة الشؤون الخارجية والأمنية، كما يسيطر على الشؤون المالية للبلاد بالشراكة مع حركة العدل والمساواة، وهي حركة مسلحة موقّعة على اتفاق جوبا لسلام السودان 2020 الذي وقعه عن النظام السوداني قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). وقد عدّل الجيش الوثيقة الدستورية الانتقالية مرّة جديدة ليزيل عنها كل ما يتصل بثورة ديسمبر (2018) والتحوّل المدني الديمقراطي، وتفكيك قبضة الجيش على الاقتصاد، فقد نصّت الوثيقة في تعديلها بليل في 2025 على سيطرة الجيش على المؤسسات الاقتصادية التابعة له. بعد أن سعت الحكومة الانتقالية قبل انقلاب 25 أكتوبر (2021) الى وضع كل شركات الجيش الاستثمارية تحت ولاية وزارة المالية.أما “الدعم السريع” فيواصل مع المتحالفين معه في تأسيس حكومته الموازية من مدينة نيالا، التي تشهد تسلّطاً أمنياً لا يختلف عما يرتكب في مناطق سيطرة الجيش. يظهر عبدالرحيم دقلو (شقيق قائد المليشيا وقائدها الثاني) آمراً قواته بتفتيش هواتف المواطنين، وقتل كل من في هاتفه رسالة أو صورة او منشور يؤكد ارتباطه بـ “العدو”.كما تضج المدينة بالمعتقلات غير الإنسانية، مثل التي أنشأها “الدعم السريع” إبّان احتلاله العاصمة الخرطوم. كما نقلت المليشيا مئات الأسرى من الخرطوم في أثناء انسحابها. حجم الوفيات في المعتقلات المشابهة في الخرطوم ومدني، وتفشّي الأوبئة وسط المختطفين، والتعذيب، كلها تعطي صورة عن شكل المأساة في معتقلات “الدعم السريع” في نيالا والضعين وغيرهما.كما يتحمّس منسوبو “الدعم السريع” لتصوير جرائمهم، وقتل العزّل والأسرى وتعذيبهم. مثلما يتحمّس مقاتلو تحالف الجيش لتصوير مستنفرين يلقون شاباً حياً في النيل (!) أو أحد المسلحين مرتدياً زياً نظامياً ويطلق الرصاص على شخص في وسط الحي مع زغاريد النساء وهتاف المحتفلين. مشهد يليق بفيلم “مالينا”. إذ يطلق منسوبو القوات النظامية الرصاص على المتهمين بالتعاون مع “الدعم السريع” في الشارع. وينشر مستنفرون مقاطع مصوّرة تفاخر أن ذبح العدو من الدين. أغلب من يظهرون في هذه الفيديوهات مدنيون انخرطوا في القتال لسببٍ أو آخر. ومن المفترض أن الذبّاحين وقاتلي الأسرى وقاذفي المتهمين في النهر ودافني الأحياء في قبور جماعية سيعودون، إذا انتهت الحرب، الى حيواتهم المدنية. يأكلون معك الطعام، ويمشون جوارك في الأسواق.المنتصرون في الخرطوم وفي نيالا يوجهون نصال عدالتهم إلى الآخر المختلف. في مناطق سيطرة الجيش من السهل أن تقتل أو تعتقل بتهمة التعاون والتخابر. أما أحكام الإعدام فإنها تصدُر بلا توقف. ومنذ21 أغسطس/ آب الجاري حتى 28 منه أعلنت النيابة العامة عن صدور 14 حكماً بالإعدام من محاكم متعدّدة ضد متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وجرائم ضد الإنسانية.أما في مناطق سيطرة الدعم السريع فلم تبلغ حكومتهم الموازية بعد مرحلة الأحكام القضائية، لكن الموت هو الموت. وإن أعلن تحالف الدعم السريع هياكل سلطته، وأدّت اليمين خلال هذا الأسبوع كما هو متوقع، فسنشهد الأحكام المتوالية بالإعدام على أفعال مثل امتلاك أوراق نقدية صادرة عن السلطة الأخرى.طوال سنوات الحكم العسكري للسودان الممتد أكثر من نصف قرن، أضرّت النظم الشمولية بالخدمة المدنية، وبالأجهزة القضائية، ثم جاءت الحرب الأهلية الكبرى في 15 إبريل/ نيسان 2023 لتهدم البنيان الهشّ الذي ظل نصف قرن يتعرّض للتجريف، ولتقتل الحرب السودانيين بالرصاص والجوع والأوبئة وحبل المشنقة بتهمة التعاون.العربي الجديد – 30 أغسطس 2025The post العدالة ضحية أخرى للحرب السودانية appeared first on صحيفة مداميك.