عبدالمجيد قرشييمثل الخيار بين إعادة إعمار الخرطوم أو إنشاء مدينة إدارية جديدة أحد أهم القرارات الاستراتيجية في تاريخ السودان الحديث، خاصة في ظل الدمار الكبير الذي خلفته الحرب منذ عام 2023. لم تعد العاصمة مجرد مركز للحكم، بل أصبحت نقطة انطلاق لإعادة التفكير في بنية الدولة، وتوزيع التنمية، وشكل المستقبل الحضري.تشير التقديرات إلى أن ما بين 60% و80% من البنية التحتية في الخرطوم قد تعرضت للدمار أو التعطيل، مع خروج نحو 70% إلى 75% من المرافق الصحية عن الخدمة، وفقدان أكثر من 70% من القدرة الكهربائية، إضافة إلى انهيار واسع في شبكات المياه والطرق والاتصالات. وتُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بما يصل إلى 300 مليار دولار، وهو ما يجعل القضية تتجاوز مجرد إعادة تأهيل مدينة إلى إعادة تأسيسها بشكل شبه كامل.في هذا السياق، يبرز خيار إعادة إعمار الخرطوم كمسار يحافظ على الهوية التاريخية والاجتماعية، ويتيح عودة أسرع نسبيًا للنشاط الاقتصادي. فالمدينة تمتلك موقعًا استراتيجيًا عند التقاء النيلين، إلى جانب قاعدة سكانية واقتصادية قائمة. إلا أن هذا الخيار يواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في خطر إعادة إنتاج الاختلالات السابقة، مثل الازدحام والعشوائيات وضعف الخدمات، ما لم يتم تبني رؤية تخطيطية حديثة تعالج هذه المشكلات من جذورها.في المقابل، يطرح إنشاء مدينة إدارية جديدة فرصة لإعادة تصميم الدولة وفق معايير عصرية، تشمل بنية تحتية متطورة، ومدنًا ذكية، وشبكات نقل حديثة. وقد شهد العالم تجارب مشابهة، مثل أبوجا التي أُنشئت لتخفيف الضغط عن لاغوس، وبرازيليا التي تمثل نموذجًا للتخطيط الحديث، بالإضافة إلى العاصمة الإدارية الجديدة. في المقابل، توضح تجربة نابيداو أن المدن الجديدة قد تواجه صعوبات في جذب السكان والنشاط الاقتصادي رغم ضخامة الاستثمارات.تؤكد هذه التجارب أن نجاح المدن الجديدة لا يعتمد فقط على كونها عواصم إدارية، بل على قدرتها على التحول إلى مراكز اقتصادية حيوية. ففي نيجيريا، نجحت أبوجا إداريًا، لكنها لم تحل محل لاغوس كقلب اقتصادي. كما تشير الخبرات الدولية إلى أن إنشاء مدينة جديدة قد يستغرق ما بين 10 إلى 20 عامًا للوصول إلى مرحلة النضج، مع تكاليف قد تمتد إلى عشرات أو مئات المليارات.من ناحية الموقع، تتمتع الخرطوم بمزايا يصعب تعويضها، خاصة موقعها النهري وشبكاتها الاجتماعية المتجذرة. في المقابل، توفر المدينة الجديدة فرصة لاختيار موقع أكثر استقرارًا بيئيًا وأقل عرضة للمخاطر مثل الفيضانات، مع إمكانية تخطيطه لاستيعاب التوسع المستقبلي وفق معايير مدروسة تشمل توفر المياه وسهولة الربط بشبكات النقل.اقتصاديًا، يتقلص الفارق بين الخيارين بسبب حجم الدمار الكبير في الخرطوم. فعندما تصل تكلفة إعادة الإعمار إلى نحو 300 مليار دولار، يصبح من المنطقي النظر في توجيه جزء من هذه الموارد نحو إنشاء مدينة جديدة أكثر كفاءة. ومع ذلك، فإن الاقتصار على مدينة إدارية فقط قد يحد من فعاليتها، مما يستدعي تصميمها كمدينة متكاملة تجمع بين الوظائف الحكومية والاقتصادية.أما من الناحية الاجتماعية، فإن الخرطوم تمثل رمزًا للهوية الوطنية والذاكرة الجمعية لملايين السودانيين. إعادة إعمارها تسهم في استعادة الاستقرار وعودة السكان، بينما قد يواجه الانتقال إلى مدينة جديدة تحديات تتعلق بالقبول المجتمعي، ما لم يتم بشكل تدريجي ومدعوم بحوافز كافية.في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الخيار الأمثل لا يكمن في المفاضلة بين المسارين، بل في تبني نهج تكاملي يجمع بين إعادة إعمار الخرطوم كمركز اقتصادي وتاريخي، وإنشاء مدينة إدارية حديثة يتم تطويرها تدريجيًا وربطها بها. هذا التوجه يحقق توازنًا بين الاستجابة السريعة للأزمة وبناء نموذج تنموي مستدام، ويحول الدمار الكبير إلى فرصة لإعادة بناء دولة أكثر كفاءة وعدالة. The post المقاربة بين إعادة إعمار الخرطوم وإنشاء مدينة جديدة …. appeared first on صحيفة مداميك.