بقلم: المنتصر أحمدلا يمكن الحديث عن ديمقراطية سياسية حقيقية في ظل اقتصاد محتكر من قبل عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بالسلطة فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع بل تشمل:من يملك المواردمن يقرر كيفية استخدامهامن يستفيد من عوائدهافي السودان ظل هذا البعد غائبًا أو مهمشًا في الخطاب الثوري التركيز كان على إسقاط النظام لا على إعادة تنظيم الاقتصاد مما يجعل أي ثورة معرضة للاحتواء أو الانهيار.الديمقراطية الاقتصادية تعني:تمكين المنتجين عمال مزارعين رعاة من التحكم في عملية الإنتاجتفكيك الاحتكارات المرتبطة بالدولةإعادة توزيع السلطة الاقتصادية على المستوى المحليبهذا المعنى الديمقراطية الاقتصادية ليست مجرد مطلب اجتماعي بل شرط لبناء هيمنة بديلةبل ابعد من ذلك هي قوة اجتماعية مستدامة تستطيع قيادة المجتمع ليس بالقسر فقط بل عبر الإقناع والإدارة المشتركة للموارد.تاريخيًا كانت الفروق الطبقية وما ترتب عليها من تباين في توزيع الثروات وسلطة اتخاذ القرار أحد أهم الإشكاليات التي واجهتها المجتمعات سعى منظرو الحركات الاشتراكية مثل روزا لوكسمبورغ وأنطونيو غرامشي إلى تقديم رؤى عميقة لدور الديمقراطية في إلغاء التفرقة الطبقية وتمكين الجماهير.رؤية لوكسمبورغ تؤكد أن الديمقراطية الحقيقية لا تختصر في شكل انتخابي شكلي بل في المشاركة الفاعلة للناس في اتخاذ القرارات الاجتماعية والاقتصادية غرامشي أضاف أن تحقيق هيمنة اجتماعية مستدامة يتطلب بناء قدرة جماعية على إدارة المؤسسات الاقتصادية والثقافية والسياسية بشكل متكامل.أما أميلكار كابرال فاعتبر التعاونيات المجتمعية وسيلة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتمكين الفئات المهمشة بما يتيح لهم السيطرة على أدوات الإنتاج وتوزيع الثروات بشكل عادل التجربة العملية لهذه التعاونيات أثبتت قدرتها على:تعزيز الوحدة والتضامن الاجتماعيتحسين الأمن الغذائي والإنتاجيةالحد من التبعية الاقتصادية الخارجيةخلق قاعدة اجتماعية واعية قادرة على المشاركة في إدارة مواردهاتقدم التعاونيات نموذجًا عمليًا لدمقرطة أدوات الإنتاج وفق المبادئ الدولية الجمعيات التعاونية:عضوية اختيارية مفتوحة: دون تمييز في الجنس أو الخلفية الاجتماعية أو الدينية.ديمقراطية إدارية ورقابية: مشاركة مباشرة في اتخاذ القرارات والسياسات، مع مساءلة المسؤولين أمام الأعضاء.مشاركة اقتصادية للأعضاء: توزيع الفوائض بشكل عادل، مع تخصيص جزء للاستثمار الجماعي في المجتمع.استقلالية الشخصية القانونية: حماية الديمقراطية الداخلية للعضوية.التعليم والتدريب: تنمية القدرات لممارسة الرقابة وإدارة الموارد بفعالية.التعاون بين التعاونيات: تعزيز القوة الاقتصادية والاجتماعية عبر شراكات محلية وإقليمية ودولية.الاهتمام بالمجتمع: العمل على التنمية المستدامة لمجتمعهم.التجربة العالمية والتجربة الأفريقية (كما في تجربة كابرال) تظهر أن التعاونيات يمكن أن تحقق استقرارًا اقتصاديًا وتشاركًا للسلطة مع تقليل الفوارق الطبقية وتمكين المجتمعات المحلية.ان إعادة توزيع السلطة الاقتصادية على المجتمعات المحلية ودمقرطة أدوات الإنتاج ليست مجرد مطلب اجتماعي بل شرط لبناء مشروع تغييري مستدام فهي تمكن الجماهير من:السيطرة على مواقع الإنتاجالمشاركة الفاعلة في القرارات الاقتصاديةتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصاديةخلق قاعدة اجتماعية واعية وقادرة على مواجهة المركزية الاستبداديةبدون هذا البعد، يظل أي مشروع تغييري هشًا عرضة للانهيار أو الاحتواء لأن الهيمنة الجديدة لا تُبنى على الصراعات السياسية وحدها بل تتطلب إعادة تنظيم الاقتصاد وإشراك الجميع في السلطة الاقتصادية.الديمقراطية الاقتصادية هي حجر الزاوية لأي مشروع ثوري أو تحولي في السودان دمقرطة أدوات الإنتاج من خلال التعاونيات والشراكات المجتمعية تمنح القوة للطبقات المنتجة وتعيد توزيع الثروات بطريقة عادلة وتخلق قاعدة اجتماعية متماسكة قادرة على ممارسة هيمنة مضادة حقيقية قادرة على إدارة المجتمع اقتصادياً وسياسياً وثقافياً بعيدًا عن الاحتكارات المركزية أو السيطرة النخبوية.اذا هي ليست مجرد مطلب اجتماعي، بل شرط لبناء هيمنة بديلة. The post السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة: لماذا فشلت ثوراته حتى الان في بناء الدولة؟ (5-8) appeared first on صحيفة مداميك.