من وماذا وراء تصاعد اللغة العنصرية

Wait 5 sec.

عبدالله الصادق الماحيلقد تجاوز الخطاب العام في السودان حدود الاختلاف السياسي والتباين بالرؤى، وانحدر إلى مستويات غير مسبوقة من العنصرية والبذاءة اللفظية، تعكس عمق أزمتنا الوطنية. فقد تحولت وسائط التواصل الاجتماعي، إلى منصات لنشر الكراهية وتغذية الانقسام، كمؤشر خطير جداً يعكس انهيار الضوابط الأخلاقية والدينية، وتراجع الحس الوطني والقومي الجامع.ولم يكن ذلك الانحدار مصادفة وانما لتوفير فرص رواجه وانتشاره، وكنتيجة حتمية لانهيار الدولة وتهتك عرى المجتمعات والقبائل بسبب الحرب واستمرار غياب فرص انهائها الى الان. وكنتيجة لصناعة الكيانات الموازية داخل البنى القبلية، او تقسيمها او فرض قيادات بديلة لقادتها من بين اهل الولاء، وعلى هيئة صناعة وظائف مستحدثة بهيكل الإدارة الاهلية مثل ما يسمى ب“أمراء القبائل”، وهي بدعة جديدة لا موقع لها في هيكل الإدارة الاهلية والأشخاص المختارون لها لا علاقة لهم ببيوتاتها، فضلا عن التزامهم بتقاليد وقيم الإدارة الأهلية الراسخة.هؤلاء، يفتقرون للخبرة والحكمة، وتم تمكينهم بالمال والدعم المباشر لتنفيذ أجندات سياسية ضيقة، تتناقض جذرياً مع الأعراف التي حكمت الإدارة الأهلية لعقود طويلة ومكنتها من أداء أدوارها الشعبية دون تعارض او تصادم مع قوانين واهداف الدولة العليا، ولا اعراف وقيم الشعب. ولم يكن غريباً أن تأتي مواقف وتصريحات هؤلاء الأمراء، نشازاً، تفتقر للاتزان، وتزيد من تأجيج النزاعات بدلاً من احتوائها. والواجب الوطني يلزم قيادة الدولة، بإلغاء هذه المواقع وتحرير من يشغلونها ليواجهوا مصير حصاد السنتهم وبقرار تاريخي ربما يمسح او يقلل مما أصاب بعض المكونات الوطنية من ضرر بالغ يهدد بالمزيد من التصدعات الوطنية.ظلت بيوت الإدارة الأهلية في السودان تمثل أحد أعمدة الدولة والاستقرار المجتمعي واللحمة الوطنية، بما عُرف عنها من حكمة، ونزعة قومية، وشجاعة في قول الحق، فضلاً عن دورها التاريخي في فض النزاعات، ورد الحقوق، وتعزيز التماسك الاجتماعي. ولم تكن هذه المؤسسات مجرد هياكل تقليدية، بل كانت منظومات تورث قيم الكرم، والعدل، ونصرة المظلوم، وردع الظالم، لأجيالها المتواترة. ولذلك، فإن ضرب هذه المنظومة أو الالتفاف عليها، لم يكن مجرد خلل إداري، بل هو استهداف مباشر للنسيج الاجتماعي.والحقيقة ان المشروع السياسي الذي قام على التمكين والسيطرة، لم يعبأ بالقيم الوطنية أو الأخلاقية، وقد اصطدم برفض واسع داخل هذه البيوت، التي أدركت أن مسايرة السلطة على علاتها، ينطوي على مخاطر تنحرف بها عن دورها التاريخي. وعلى رغم محاولات الاختراق، ظل الكثير منها عصياً على التوظيف السياسي، بينما فقدت قلة منها احترامها وبالتالي دورها المجتمعي، عندما انخرطت في هذا المسار، فانفض عنها الناس، وفقدت شرعيتها الاجتماعية قبل السياسية.وقد أسهم هذا التآكل بدور الإدارة الأهلية في خلق فراغ خطير، انعكس في تصاعد النزاعات القبلية والانفلات الأمني والانهيارات الاجتماعية في العديد من الأقاليم. وما نشهده اليوم من مواجهات دامية ومراشقات لفظية فجة، ليس سوى نتيجة طبيعية لغياب مرجعية مجتمعية قادرة على ضبط التوازن، في ظل دولة ضعيفة ومؤسسات منهارة.إن أخطر ما في المشهد الحالي هو الانحدار الأخلاقي في الخطاب الرسمي، وغير الرسمي، على حد سواء. حيث لم تعد اللغة المنفلتة حكراً على العامة، بل امتدت لتشمل شخصيات في قمة هرم الدولة والحكم. ولا أدل على ذلك من الالفاظ والتصريحات المتدنية المنسوبة الى بعض القيادات العسكرية في مقاطع موثقة. ما يؤكد حجم المأساة الوطنية واتساع وتعدد مظاهر انحدارها.السودان اليوم يقف على حافة هاوية حقيقية، حيث تتكامل عوامل التفكك: من خطاب عنصري، انهيار مؤسسي، تسييس للقبيلة، مع غياب المشروع الوطني الجامع. وفي ظل استمرار هذه الحرب العبثية، دون أفق واضح لحل سياسي أو وطني، فان مخاطر الانزلاق نحو مصير أكثر قتامة تتزايد، ما لم يتم تدارك الأمر عاجلاً بإعادة الاعتبار للقيم الدينية والوطنية التي حفظت وحدة الدولة والتعايش الاجتماعي، وبناء أسس دولة العدالة والمواطنة، وليس الولاءات الضيقة والمصالح التنظيمية والفئوية. الوطن اليوم في محنة، وما لم يتم كسر هذا المسار المنحدر بسرعة، فإن هذا الانحدار سيتواصل وبسرعة متزايدة.The post من وماذا وراء تصاعد اللغة العنصرية appeared first on صحيفة مداميك.