مؤتمر برلين: هل يشكّل مدخلًا لكسر “النظام الفوضوي” في السودان؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةتكتسب المذكرة التي سلّمتها السفيرة إلهام إبراهيم إلى الخارجية الألمانية دلالات تتجاوز مضمونها الإجرائي، إذ تعكس—بلهجتها الحادة وما تضمنته من إشارات إلى إعادة النظر في العلاقات وفق مبدأ المعاملة بالمثل—توجّهًا تصعيديًا في إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي. غير أن هذا النهج، في جوهره، لا يخدم مصلحة السودان بقدر ما يعمّق عزلته، ويحدّ من قدرته على التأثير في مسارات تُناقش—بصرف النظر عن الموقف منها—قضية وطنية مصيرية. فالدبلوماسية ليست مجرد منصة لإعلان المواقف أو تسجيل الاعتراضات، بل هي في جوهرها فنّ إدارة الاختلاف، وتحقيق المكاسب الممكنة حتى في بيئات غير مثالية، حيث لا تُصاغ النتائج فقط بناءً على من يحضر، بل أيضًا على من يُحسن توظيف الفرص المتاحة.في هذا الإطار، يكتسب المؤتمر الدولي المزمع انعقاده في برلين أهمية تتجاوز كونه فعالية دبلوماسية عابرة، إذ يطرح نفسه كفرصة نادرة لإعادة توجيه المقاربة الدولية تجاه الأزمة السودانية، في لحظة بلغت فيها هذه الأزمة مستوى غير مسبوق من التعقيد. فلم يعد المشهد محصورًا في نزاع عسكري بين طرفين، بل تطور إلى ما يمكن وصفه بـ“نظام فوضوي” متكامل، تتداخل فيه اقتصاديات الحرب مع تعدد مراكز القوة، ويتآكل فيه مفهوم الدولة لصالح شبكات نفوذ متشابكة. ومن ثم، فإن أي مقاربة تكتفي بالسعي إلى وقف إطلاق النار دون النفاذ إلى هذا العمق البنيوي، ستظل عاجزة عن إحداث تحول حقيقي ومستدام.في هذا السياق، تبرز أهمية الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى تفكيك البنية التي تغذّيه. فالحرب في السودان لم تعد مجرد امتداد لصراع سياسي، بل أصبحت نشاطًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، يستفيد منه فاعلون متعددون على المستويين المحلي والإقليمي. وهو ما يفرض ضرورة تطوير آليات دولية أكثر صرامة لمراقبة تدفقات الموارد المرتبطة بالحرب، وتجفيف شبكات التمويل غير الرسمي، وفرض ضوابط فعالة على الأنشطة التجارية التي تغذي النزاع. إذ بدون معالجة هذه الركائز الاقتصادية، ستظل أي تسوية سياسية هشّة، قابلة للانهيار مع بقاء الحوافز التي تُبقي الحرب مشتعلة.وبالتوازي مع ذلك، لا يمكن إغفال أن أحد أهم أسباب الانهيار الراهن يتمثل في الإقصاء الممنهج للقوى المدنية وتآكل المجال السياسي. لقد أُفرغت الساحة من الفاعلين القادرين على إنتاج بدائل سلمية، لصالح هيمنة منطق القوة العسكرية. ومن هنا، فإن نجاح أي جهد دولي، بما في ذلك مؤتمر برلين، يظل مرهونًا بقدرته على إعادة الاعتبار لهذه القوى، ليس فقط عبر إشراكها شكليًا، بل من خلال تمكينها فعليًا من المساهمة في صياغة مستقبل الدولة. فإعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم عبر الأدوات العسكرية وحدها، بل تتطلب إعادة تأسيس المجال السياسي على أسس مدنية تضمن التعددية والمشاركة.ورغم الحضور الطاغي للبعد الإنساني في الخطاب الدولي حول السودان، إلا أن اختزال الأزمة في هذا الإطار يحمل مخاطر جدية، إذ يُحوّلها إلى حالة إغاثية مزمنة تُدار بدل أن تُحل. فالمطلوب ليس تقليل أهمية الاستجابة الإنسانية، بل إعادة ربطها بالسياق السياسي، بما يضمن ألا تتحول المساعدات إلى عنصر ضمن اقتصاد الحرب، أو بديلًا عن مؤسسات الدولة. إن دعم مؤسسات الدولة، حيثما أمكن، يظل خيارًا أكثر استدامة من استبدالها الكامل بهياكل موازية قد تكرّس التفكك بدل معالجته.وفي ظل هذا المشهد، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ترسّخ واقع جغرافي قائم على مناطق نفوذ مغلقة، بما يمهّد فعليًا لمسار تفكك الدولة. إن تعدد مراكز السيطرة، واستقلالها النسبي عن المركز، يعيد إنتاج شروط الانقسام على الأرض، حتى وإن لم يُعلن رسميًا. ومن هنا، فإن أي جهد دولي مسؤول ينبغي أن يتمسك بوحدة السودان كمرجعية أساسية، وأن يرفض شرعنة الكيانات الموازية، مع دعم ترتيبات انتقالية تعيد بناء مركز الدولة دون إقصاء الأطراف أو إعادة إنتاج التهميش الذي قاد إلى الأزمة.غير أن التحدي الأعمق يظل في إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسه في السودان. فالأزمة لا تتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية الحكم، وبطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبأسس الشرعية السياسية. إن أي مخرجات ذات قيمة لمؤتمر برلين ينبغي أن تتجاوز الحلول الإجرائية قصيرة المدى، لتطرح رؤية أوسع تعيد التفكير في شكل الدولة السودانية المستقبلية، وفي كيفية بناء عقد اجتماعي جديد يضمن الاستقرار والعدالة معًا، ويؤسس لقيام دولة ديمقراطية مدنية.إذا كان ما يشهده السودان اليوم يمثل انتقالًا خطيرًا من حالة “الدولة الهشة” إلى “النظام الفوضوي”، فإن القيمة الحقيقية لمؤتمر برلين لا تكمن في احتواء هذا التحول، بل في القدرة على كسره. فإما أن يشكّل المؤتمر نقطة انطلاق نحو إعادة بناء منطق الدولة، وتمكين الفاعلين المدنيين، وتفكيك اقتصاد الحرب، أو أن ينتهي—كما انتهت مبادرات عديدة قبله—إلى مجرد محطة إضافية في إدارة أزمة تتعمق جذورها يومًا بعد يوم.وفي لحظة تاريخية يتقاطع فيها الانهيار الداخلي مع الحراك الدولي، يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تُستثمر منصة برلين كمدخل لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، أو تُهدر كفرصة أخرى تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة. وعندها، لن يكون السؤال: كيف نوقف الحرب؟ بل: هل ما يزال هناك ما يمكن إنقاذه من الدولة نفسها؟The post مؤتمر برلين: هل يشكّل مدخلًا لكسر “النظام الفوضوي” في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.