على تخوم مؤتمر برلين حول السودان

Wait 5 sec.

د. الشفيع خضر سعيدبعد غد، في الذكرى الثالثة لذلك اليوم الشؤم، وتحت وطأة معاناة إنسانية متصاعدة ومتفاقمة، تحتضن العاصمة الألمانية برلين مؤتمراً دولياً جديداً حول الكارثة في السودان. بعض السودانيين يرفض المؤتمر ويراه مؤامرة ضد السودان وتمهيداً لضرب وحدته، لكن الكثيرين يتمسكون بأهداب الأمل أن يكون المؤتمر خطوة نحو وقف الحرب. شخصيا لست من دعاة نظرية المؤامرة الذين لا يرون في نشاط المجتمع الدولي تجاه السودان سوى التربص لنهب موارده وحياكة المؤامرات ضد سيادته الوطنية. ولكني قطعا من المتشككين في أن يكون المؤتمر مختلفاً عن مؤتمري باريس ولندن السابقين، وأن الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط لن تهمشه. فيا ترى، هل سيكون المؤتمر نقلة نوعية في التعامل مع كارثة السودان، مركزاً على الآليات لا الوعود، وعلى وقف إطلاق النار لا تخفيف آثار الاقتتال فقط، أم سيكون مجرد إضافة أخرى إلى قائمة المؤتمرات التي انعقدت على تخوم الكارثة، فغادرتها الكارثة كما هي؟ وهل سيأتي بجديد أم سينتهي بتكرار ذات التوصيات البراقة التي تذروها رياح التنفيذ العثراء؟أيضا، قطعا لست من المتوهمين بأن المبادرات الخارجية وجهود المجتمع الدولي، هي التي ستنهي الحرب في السودان. صحيح أن القوى الدولية والإقليمية غالبا ما تلعب الدور الرئيسي في وقف القتال وإسكات البنادق متى ما توفرت لديها الإرادة للتضحية بمكاسبها قصيرة الأجل لتحقيق استقرار طويل الأمد، ومتى ما استخدم بعضها نفوذه عند الأطراف المتحاربة، والدول الداعمة من الخارج، ومارس عليها ضغوطا حقيقيه. ولكن مجرد إسكات البنادق ووقف القتال لا يعني إنهاء الحرب! فالحرب لن تنتهي، والسلام المستدام لن يتأتى، إلا بالتوافق على رؤية وطنية تعالج مسببات الحرب وتمنع تجددها. والرؤية الوطنية هذه هي إنتاج محلي تحتكر صناعته القوى السودانية بكلِّ قطاعاتها، السياسية والمدنية والأهلية والعسكرية، وقد ناقشنا ذلك بالتفصيل في عدة مقالات سابقة.نحن نتمنى النجاح للمؤتمر وأن يأتي بجديد ويُنفذ. لكن أولى خطوات هذا النجاح هي تقييم ما حققه مؤتمرا باريس ولندن تجاه الكارثة. من ناحيتنا، من الصعب زعزعة قناعتنا بأن هذين المؤتمرين المخصصين حصريا لمخاطبة الازمة السودانية، فشلا في اختراق الحصار الخانق الذي ضربته الحرب على السودان وشعبه. صحيح هما نجحا في الوعود ببذل المليارات، ولكن على الورق فقط. فما وصل من دعم هو أقل بكثير من الاحتياجات المتزايدة، وفجوة التمويل استمرت كما هي دون علاج. كما أن المؤتمرين شابهما عيب قاتل، وهو غياب آليات التنفيذ القادرة على إجبار الأطراف على وقف إطلاق النار وفتح الممرات الآمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية، وألا تكون المساعدات رهينة لإرادة المتقاتلين. وبالنظر إلى نتائج المؤتمرين والجهود الدولية الأخرى، فإن الأزمة السودانية بفصولها المتلاحقة، تحولت عند المجتمع الدولي إلى حالة دراسية يتعامل معها بشكل انتقائي، حيث تُعالج الأعراض الطارئة وتُهمل المزمنة وأسبابها. فبينما يعاني السودان من حرب ونزاعات تهدد كيانه وتمزق نسيجه الاجتماعي، تأتي المبادرات الدولية بتركيز أحادي على جانب الدعم المادي. صحيح، السودان اليوم وغدا يحتاج إلى دعومات مالية ومادية، ولكن ما يحتاجه اليوم كأولوية قصوى، هي إرادة دولية وسودانية حقيقية لوقف الحرب، وليس مجرد الوعود بتمويل إزالة آثارها.مؤتمر برلين، وفق ما أُعلن، سينعقد في ثلاثة مسارات متوازية، تنهي أعمالها في يوم واحد: مسار وزاري سياسي، ومسار لحشد الدعم الإنساني، ومسار ثالث مخصص للقوى المدنية والسياسية السودانية. أعتقد من الأفيد أن نتقدم بما نريده وما هو المطلوب من كل مسار. ومن ناحيتي، أرى:أولا، بالنسبة للمسار الوزاري السياسي، ليس المطلوب مجرد بيانات ختامية مُحكَمة الصياغة، بل المطلوب: 1- الضغط لفرض وقف إطلاق النار فوراً مع توفير آليات رقابة فعّالة، ومعاقبة الرافضين. 2- الضغط على الداعمين الخارجيين للحرب، وحظر دخول السلاح. 2- الالتزام الدولي باحترام وحدة السودان وسيادته، ورفض أي مسارات موازية تعمّق الانقسام. 3- حماية المدنيين وتفعيل آليات المساءلة الدولية تجاه المعتدين عليهم وعلى الأعيان المدنية. 4- فتح الممرات الآمنة للوصول الإنساني داخل البلاد دون معوقات، وفرض عقوبات على أي طرف يعرقل المساعدات. 5- حماية اللاجئين فى دول الجوار من الاعتقالات والإعادة القسرية، وحماية العاملين فى الحقل الإنسانى داخل البلاد. 7- الوفاء الكامل والعاجل بالتعهدات السابقة والالتزام الفوري بزيادة وتنفيذ التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية في السودان ودول الجوار التي تأوي اللاجئين.ثانيا، نريد من مسار حشد الدعم الإنساني:1- وضع خطة محكمة لإنقاذ العملية التعليمية في السودان،ولضمان نظام تعليمي موحد في كل البلاد. 2- سد الفجوة التمويلية لخطة الاستجابة الإنسانية بصورة عاجلة. 3- ضمان وصول المساعدات دون عوائق بيروقراطية أو عسكرية. 4- تمويل مباشر وسريع للمنظمات المحلية السودانية. 5- إنشاء آلية متابعة شفافة تُعلن دورياً ما تم التعهد به وما تم صرفه فعلياً. 6- ربط أي دعم مالي مستقبلي بوقف القتال والانخراط في العملية السياسية.ثالثا، بالنسبة لمسار لقاء القوى المدنية والسياسية، فما فهمناه أنه أقرب إلى سمنار دعت له الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي، والإيقاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. والآلية هي التي اختارت المشاركين في السمنار وحددت أجندته ببند واحد يناقش مسودة نداء، صاغته الآلية، يطالب بخفض التصعيد في القتال والدفع قدماً بعملية سياسية سودانية خالصة. شخصيا، لا أتوقع شيئا من هذا السمنار، ولا أعتقد أن المنظمين أصلا يتوقعون شيئا، وكأنهم أصروا على وجود القوى المدنية على هامش المؤتمر كمجرد ديكور خارجي، أو “صحبة راكب”. ومع ذلك، أتمنى أن يستغل الحضور فرصة تواجدهم معا في قاعة واحدة في البحث، بهدوء، عن كيفية خفض التصعيد، ليس في ميدان القتال، وإنما في ميدان السياسة بين أطراف القوى المدنية والسياسية.The post على تخوم مؤتمر برلين حول السودان appeared first on صحيفة مداميك.