*بواسطة :أميمة قطبيمقدمةيظلّ انتقال السودان إلى حكم ديمقراطي سلمي رهيناً بشدّة بحزمة من التحولات العميقة في هياكل الدولة التي تغلغلت فيها العسكَرة، وفي نظام إدارتها للقطاع الأمني. وإصلاح القطاع الأمني عملية على قدر من السعة بحيث لا يجدر اختزالها في معناها الفني الضيق، إذ يجب فهمها بوصفها مسعى سياسياً ومجتمعياً شاملاً غايته إعادة تعريف مفهوم السلطة، وبناء الثقة، واستعادة الشرعية السياسية والاقتصادية والأمنية لسلطة الدولة. لذلك، يتعين ربط إصلاح القطاع الأمني بنموذج مبتكر للعدالة الانتقالية يرتكز على ميثاق دستوري جديد بين الدولة والشعب السوداني؛ عقد اجتماعي يشمل إنشاء قطاع أمني موحد ومهني وخاضع للمساءلة، تحت قيادة مدنية، يعمل وفق عقيدة قتالية جديدة مبدأها استعادة احتكار الدولة للقوة المشروعة، والقدرة على حماية حقوق الإنسان، واحترام سيادة القانون، وتوطيد السيادة الوطنية.تمتد جذور أزمة السودان الأمنية لعقود من العسكرة، والتسييس، وتصدع المؤسسات. فقد دأب الجيش، منذ الاستقلال، على التدخل في الحكم عبر انقلابات عسكرية متتالية وإحكام قبضته على المؤسسات السياسية والاقتصادية الرئيسية. رسَّخ هذا النمط نوعاً من الثقافة السياسية يرى فيها الجيش نفسه الحارس الأعلى للسلطة، والمتحكم الفعلي في سلطة الدولة.الحرب الدائرة في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ليست حالةً نشازاً أو خروجاً عن القاعدة، بل هي تتويجٌ عنيف لمسيرة ممتدة من تسييس المؤسسات الأمنية، وتعدّدها، وعزلها عن الرقابة المدنية، قصداً وبطريقة منهجية. فما يحدث الآن يتجاوز الصراع على السلطة بين فاعلين مسلحين، فهو بالأحرى تصدع عميق طال نظاماً أمنياً لم يخضع للإصلاح الذي يؤهله لخدمة الدولة ومواطنيها.لقد تطور الهيكل الأمني السوداني، لآماد متطاولة، عبر نهج قائم على توازي المؤسسات الأمنية وليس تكاملها. فقد اعتمدت الأنظمة المتعاقبة على قوى ومليشيات وأجهزة استخباراتية متداخلة المهام بهدف إدارة المهددات الأمنية الداخلية، وقمع المعارضة، وموازنة مصالح النخبة.نشأت في السودان ساحة تشغلها التنظيمات والجماعات المسلحة المتنافسة، عوضاً عن قطاع أمني مهني موحد، حيث لكل منها قيادتها المستقلة، ومصالحها الاقتصادية، وسيادتها، وولائها السياسي الخاص. وبينما كشفت محاولات الانتقال السياسي، التي أعقبت ثورة 2019، الغطاء عن هذه العيوب الهيكلية، فقد أخفقت في معالجتها. بل على النقيض، رسَّخت الترتيبات الانتقالية حالة الاستقلال الذاتي للقوى المسلحة، ولم يكن لذلك أن يتم إلا بتأجيل البت في الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيطرة المدنية وتوحيد القوات والمساءلة.كشفت الحرب الراهنة عن العواقب الوخيمة لهذه القضايا العالقة. فقد أدى غياب العقيدة الأمنية الوطنية الموحدة، وغياب الرقابة الديمقراطية، مصحوبين بإضفاء الشرعية على وجود قوات موازية وتطبيعها، إلى تآكل أعمدة سلطة الدولة بحد ذاتها. ويُقصد بالجماعات المسلحة الموازية في السودان كل من المليشيات غير الحكومية، والفصائل المتمردة التي تعمل جنباً إلى جنب مع أطراف القتال الرئيسية أو بشكل مستقل عنها. وغالباً ما تنشط هذه المليشيات في مناطق النزاعات. ويربو عدد هذه الجماعات على العشرات، والعديد منها موثق بشكل جيد. ومن أبرز الأمثلة على هذه الجماعات المسلحة الموازية: حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، ومليشيا تمازج، ومليشيا البراء بن مالك، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.من اللافت للانتباه أن عمليات تجنيد المليشيات بعد اندلاع الحرب مستمرة عبر آليات متعددة من بينها آليات “الفزع” و”الاستنفار”. فالجماعات المسلحة التي نشطت قبل حرب 2023 كانت تعمل ضمن إطار سياسي وأمني محكم الضبط، حيث كانت تحالفاتها ونفوذها الإقليمي يتشكلان في سياق موازين قوى راسخة وديناميكيات محلية مستقرة. وتقف الجماعات المسلحة التي برزت بعد اندلاع الحرب في 2023 على الطرف النقيض من ذلك، حيث غلب عليها طابع التشرذم، وتم تجنيدها على عجل، كما وسمها التنافس والتنازع على السلطة والموارد.تحول تقديم الخدمات الأمنية إلى مجال افتراس، ذي طابع محلي لا مركزي، تتغلغل فيه العسكرة عميقاً، فيما يتحمل المدنيون التكاليف عنفاً دموياً، ونزوحاً جماعياً، وانهياراً مؤسسياً. وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال استعادة الاستقرار في إجراء وقف إطلاق النار، أو في صفقات نخبوية بين قادة الفصائل المسلحة؛ بل يتطلب الأمر إعادة تخيل للقطاع الأمني نفسه؛ لغاياته ومقاصده، وحوكمته، وعلاقته بالسلطة السياسية وبالمواطنين.في هذا السياق المركب، يوفر إطار السياسات بشأن إصلاح القطاع الأمني الصادر عن الاتحاد الأفريقي (نسميه فيما يلي “إطار الاتحاد الأفريقي” أو “الإطار” اختصاراً) عدسة تحليلية ومعيارية بالغة الأهمية. فرغم أنه غير ملزم، يحدد هذا الإطار بوضوح المبادئ الأساسية التي ظل القطاع الأمني السوداني يتغوّل عليها باستمرار. ويؤكد “إطار الاتحاد الأفريقي” على الطبيعة السياسية لإصلاح القطاع الأمني، واضعاً إياه في سياقٍ أعمّ يشمل النظام الدستوري، والحكم الديمقراطي، وشرعية الدولة. لذا، فإن تطبيق هذا الإطار على السودان ليس مجرد تمرين تقني، بل وسيلة لتشخيص كيف يسبّب الفشل في إصلاح حوكمة القطاع الأمني التشرذم، وبنهاية المطاف، التصدع والانهيار.إطار السياسات المتعلّق بإصلاح القطاع الأمني الصادر عن الاتحاد الافريقي: لمحة عامةيقدم إطار السياسات المتعلق بإصلاح القطاع الأمني الصادر عن الاتحاد الأفريقي، رغم كونه أداة توجيهية معيارية وسياسية وليس معاهدة ملزمة، تشخيصاً دقيقاً لانهيار المنظومة الأمنية في السودان. تظهر سلامة هذا التشخيص، رغم أن الإطار لم يصغ بنيّة مخاطبة الحرب الراهنة في السودان. وبينما يبحث السودان عن مخرج من الحرب، يظل إطار الاتحاد الأفريقي، موضع نظر هذه الورقة، أحد أكثر الأدوات المتاحة ملائمةً والأقل استخداماً في إعادة تخيل قطاع أمني مدني موحد خاضع للمساءلة بشكل حقيقي. في غياب هذا الإصلاح، سيظل السلام في السودان، متى حل، مؤقتاً وهشاً وعرضةً للانقلاب.يقدم الإطار نموذجاً قارياً شاملاً لبناء مؤسسات أمنية تخضع للمساءلة وتتأسس على الكفاءة المهنية، وتعمل تحت القيادة المدنية. كما يوفر منظوراً تحليلياً قوياً لفهم كيف أسهم فشل السودان في إصلاح القطاع الأمني وبشكل مباشر في انهيار الدولة وتجدد العنف واسع النطاق. وتحلل هذه الورقة المبادئ الرئيسية لإطار السياسات بشأن إصلاح القطاع الأمني الصادر عن الاتحاد الأفريقي، وتُقَيِّم مدى ملاءمته للأزمة السودانية الراهنة، مسلطةً الضوء على الفرص المهدرة، ومسارات التعافي المستقبلي، وإعادة البناء في مرحلة ما بعد النزاع، سواء عبر إصلاح القطاع الأمني أو إعادة بنائه خلقاً جديداً.يمثل الإطار دليلاً معيارياً وتشغيلياً للدول الأفريقية الخارجة من النزاعات، أو التي تمر بمراحل انتقالية، أو التي تخلصت من حكم استبدادي. ويُعرِّف الإطار القطاع الأمني تعريفاً واسعاً يشمل القوات المسلحة، والشرطة، وأجهزة الاستخبارات، والوحدات شبه العسكرية، ومؤسسات العدالة، والهيئات الرقابية، والسلطات المدنية. وفي جوهره، يقدم الإطار نموذجاً للحوكمة الأمنية الديمقراطية، القائمة على السيطرة المدنية، والدستورية، واحترام حقوق الإنسان. فلا يُنظر إلى الأمن بوصفه محض حماية للنظام، بل باعتباره منفعة عامة تخدم المواطنين والدولة على حد سواء.الأهداف الرئيسية للإطارتتمثل أهداف الإطار في:أ) إضفاء الطابع المهني على المؤسسات الأمنية تحت قيادة وطنية موحدة،ب) ضمان الرقابة المدنية من قبل سلطات منتخبة وهيئات تشريعية،ج) منع تسييس القوات المسلحة وتفتيتها،د) إدماج مفاهيم الأمن البشري، والحساسية لقضايا النوع الاجتماعي، وسيادة القانون،هـ) معالجة إرث العسكرة والاقتصادات العسكرية. ويُدرِك الإطار، على نحو بيِّن، أن القطاعات الأمنية سيئة الإدارة تُعد محركاً رئيسياً للانقلابات والحروب الأهلية وانهيار الدولة في أفريقيا.المبادئ الأساسية للإطارالقيادة المدنية والرقابة الديمقراطية: يُعطي الإطار أولوية لإمساك السلطة المدنية بمقاليد جميع المؤسسات الأمنية على نحو واضح، وممارسة هذه السلطة تتم عبر تفويضات دستورية، وبرلمانات، ومحاكم مستقلة، ووزارات خاضعة للمساءلة. يُموضع الإطار الجيوش بوصفها تابعة للسلطة السياسية، وليس كمُتاجرة أو وسيطة في السلطة تتمتع باستقلالية ذاتية.الهيكل الأمني الوطني الموحد: تُصنف القوات الموازية، والمليشيات، والوحدات الأمنية المرتبطة بأشخاص بعينهم على أنها تهديد وجودي لاستقرار الدولة. ويُشدِّد الإطار على ضرورة دمج الجماعات المسلحة غير الحكومية وشبه الحكومية، أو نزع سلاحها، أو حلها.المهنية والحياد السياسي: يُنتظر من الفاعلين الأمنيين العمل على أساس الجدارة، والولاء الوطني، والكفاءة المهنية، لا على أساس الانتماءات العرقية أو الأيديولوجية أو الفصائلية.سيادة القانون والامتثال لحقوق الإنسان: يجب أن تخضع القوات الأمنية للقضاء المدني، والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مع توفير آليات للمساءلة في حال وقوع الانتهاكات.الشفافية والتمويل المستدام: يُنظر إلى الاقتصادات العسكرية المستقلة والتمويل خارج الموازنة باعتبارها عوامل تُقوِّض الحوكمة. ويدعو الإطار إلى وضع ميزانيات شفافة، وإلى خضوع الموارد الدفاعية للرقابة المدنية.مواضع القصور في إطار الاتحاد الأفريقيرغم ما يوفره الإطار من رؤية معيارية متماسكة لحوكمة القطاع الأمني في أفريقيا، إلا أنه مشوب بمواضع قصور هيكلية وسياسية بيِّنة. فهو لا يستطيع، في حد ذاته، حل أزمة السودان الأمنية الراهنة، غير أنه قادر على الإسهام في رسم مسار طويل الأمد للخروج من حالة التشرذم الحالية، إذا طبق في إطار عمليات مدروسة بعناية. وتشمل مواضع قصور الإطار: أ) طبيعته غير الملزمة، إذ يفتقر إلى أي آلية إلزام أو إنفاذ؛ ب) يعتمد الامتثال له على موافقة سياسية من القيادات الوطنية المنخرطة بنشاط في النزاع الدائر؛ ج) يفترض الإطار وجود دولة متماسكة، ولو بحد أدنى، وقادرة على ممارسة السلطة؛ د) ثمة تعقيد إضافي يتمثل في أن واقع السودان هو واقع مراكز قوى مسلحة متنافسة، وليس قطاع أمني متماثل قابل للإصلاح. ومن ثم، فإن أزمات السودان تستلزم تسوية سياسية مسبقة، واحتواء للقوى المسلحة، قبل أن يصبح هذا الإصلاح قابلاً للتنفيذ بمعنى حقيقي.رغم التحديات المذكورة أعلاه، وكون الإطار عاجزاً عن المساهمة المباشرة في حل الأزمة الأمنية السودانية، إلا أنه يظل قادراً على الإسهام، إذا ما أُدرج ضمن عملية سياسية أوسع، بثلاث طرق ذات مغزى: أولاً: يمكنه توفير مرجعية معيارية ولغة مشتركة حول ما ينبغي أن يكون عليه القطاع الأمني في السودان. ثانياً: يمكنه المساعدة في تقديم خارطة طريق لما بعد النزاع، من خلال توجيه مسار الأولويات بعد التسوية السياسية، ولا سيما فيما يتعلق بالدمج، ونزع السلاح، والرقابة، وتصميم الترتيبات الأمنية الانتقالية. ثالثاً: يمكنه أن يشكل نقطة ارتكاز للوسطاء، تساعدهم على تجنب تعزيز التعددية المسلحة، كما يمكنه أن يقدم رؤى ثاقبة حول كيفية دمج إصلاح القطاع الأمني في عمليات السلام.هنا تحضر تجربة جنوب السودان التي يمكن استخلاص دروس منها لتوجيه عملية إصلاح القطاع الأمني في مرحلة ما بعد النزاع في السودان، بما في ذلك ما يتعلق بدمج إصلاح القطاع الأمني وتضمينه في اتفاقيات السلام. ففي جنوب السودان، ساعد خبراء الاتحاد الأفريقي المختصين بإصلاح القطاع الأمني على وضع اللمسات النهائية للمبادئ التوجيهية الخاصة بهذا الإصلاح. بيد أن التنفيذ يتطلب توفر الموارد، كما يقتضي الحصول على ولاية واضحة من مجلس السلم والأمن الصادر عن الاتحاد الأفريقي، وذلك من أجل ربط عمليات إصلاح القطاع الأمني بعمليات السلام. قبل كل ذلك، فإن الإرادة السياسية هي حجر الأساس والشرط الجوهري الذي لا غنى عنه.ملائمة الإطار الأفريقي للحرب السودانية الراهنةيمثل السودان حالة نموذجية لما يسعى الإطار الأفريقي إلى درء حدوثه. فأفضل وجه لفهم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع يتمثل في أنها تمثّل فشلاً للقطاع الأمني، وليس مجرد صراع على السلطة بين أفراد، وذلك دون إغفال العوامل المزمنة الأخرى ذات الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. يمكن إرجاع تصدع القطاع الأمني السوداني إلى العوامل التالية:غياب القيادة الموحدة: يحذّر إطار الاتحاد الأفريقي صراحةً من وجود قوات موازية تعمل خارج إطار قيادة وطنية موحدة. وقد قاد فشل السودان في حل قوات الدعم السريع أو دمجها تحت سلطة مدنية حقيقية إلى نشوء وضع يوجد فيه جيشين متنافسين في دولة واحدة.الانتقال السياسي المُعسكر: أخضعت المرحلة الانتقالية في السودان ما بعد 2019 السياسة المدنية للمساومات العسكرية. ووَسَمَ ذلك الواقع إصلاح القطاع الأمني فصار قضية مؤجلة، مبتسرة، ومحكومة بأهواء النخب، مما يتناقض مع تأكيد إطار الاتحاد الأفريقي على ضرورة أن تخضع عمليات الإصلاح لقيادة مدنية.غياب الرقابة والمساءلة: احتفظت المؤسسات الأمنية في السودان بحصانة قانونية، واستقلالية اقتصادية، وهيمنة سياسية. وقد مهد غياب المساءلة الطريق لارتكاب الفظائع، وعَمَّق ثقافة الإفلات من العقاب، وطَبَّعَ مع العنف بوصفه أداة سياسية.ديناميكيات السوق السياسي: رغم أن وثيقة الاتحاد الأفريقي لم تُسَمِّ هذا العامل صراحة، إلا أن السودان يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية تحول القطاعات الأمنية غير المنضبطة إلى أسواق سياسية؛ حيث تُشترى الولاءات، وتتنافس الفصائل المسلحة على الريع، ويصبح العنف نفسه سلعةً خاضعة لمنطق المساومة. كما مثل السودان وضعية يعمل فيها القادة بوصفهم أصحاب أو مديري أعمال تجارية، حيث يُقَايَض الولاء بالمال، ويُستخدم العنف معولاً لاستخراج الموارد وكسب النفوذ التفاوضي. في السودان، تُعرض مناجم الذهب والأراضي والمياه والثروات الزراعية للبيع بالمزاد العلني لداعمين أجانب، مقابل الحصول على الأسلحة وعقد التحالفات السياسية.مشاركة الاتحاد الأفريقي: الفرص المُهدَرَةيتطلع إطار الاتحاد الأفريقي إلى تحقيق دور نشط للمنظمة القارية في دعم وتوجيه الدول الأعضاء للاضطلاع بعمليات إصلاح حقيقية للقطاع الأمني والضغط عليها عند الحاجة. عدا أن هذا الدور ظل خطابياً إلى حد كبير في حالة السودان. ومن أبرز الفرص المهدرة: أ) اشتراط تحقيق معايير إلزامية لإصلاح القطاع الأمني في الاتفاقات السياسية؛ ب) الحيلولة دون تطبيع دور قادة المليشيات بوصفهم فاعلين سياسيين؛ ج) دعم الفاعلين المدنيين بمساندة تقنية وسياسية؛ د) معالجة المصالح الاقتصادية للمؤسسة العسكرية كجزء من إصلاح الحوكمة. وتكشف قضية السودان عن الفجوة بين الأطر المعيارية للاتحاد الأفريقي وقدرته على الإنفاذ، ولا سيما عندما تهيمن النخب الأمنية على العمليات الانتقالية.دروس لمستقبل السودان وإطار الاتحاد الأفريقي المتعلق بإصلاح القطاع الأمنيتعزّز الحرب السودانية الحجة المركزية لإطار الاتحاد الأفريقي: لا انتقال سياسي ممكن من دون إصلاح حقيقي للقطاع الأمني. وأي عملية سلام مستقبلية تؤجل هذا الإصلاح تخاطر بإعادة إنتاج الظروف ذاتها التي قادت إلى الحرب. على ذلك، أمام السودان عدة مقتضيات لا مناص منها:1. الدمج الكامل للقوات الموازية تحت إشراف مدني.2. استبعاد الفاعلين الأمنيين من الأنشطة الاقتصادية والتجارية.3. إنشاء وزارة دفاع مدنية تمتلك سلطة فعلية وكاملة.4. وجود عدالة انتقالية لمخاطبة الجرائم المتصلة بالقطاع الأمني، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب.5. أن ينتقل الاتحاد الأفريقي من مجرد صياغة السياسات إلى مرحلة الإنفاذ، وذلك عبر دمج الإطار ضمن هيكل السلام والأمن الصادر عن الاتحاد الأفريقي African Union Peace and Security Architecture ، و أيضاً عبر استثمار نفوذ الوساطة في الدمج المتعمد والمنهجي لأهداف ومبادئ إصلاح القطاع الأمني في عمليات السلام والوساطة، بالاستعانة بإدارة الوساطة والحوار التابعة للاتحاد الأفريقي لربط هذه العناصر عبر الدعم التقني، وإدارة المعرفة، وآليات التنسيق، والانخراط المستدام في مراحل الانتقال ما بعد الأنظمة الاستبدادية أو النزاعات.6. المشاركة المدنية الواسعة في تحديد الأولويات الأمنية الوطنية، وصياغة استراتيجية أمنية وطنية تُركِّز على مفهوم الأمن البشري.المراجع1. African Union Commission. (2013). The AU Policy Framework on Security Sector Reform and Governance. https://au.int/en/documents/20130524/au-policy-framework-security-sector-reform-and-governance2. African Union Peace and Security Council. (2023, April). Communiqué of the 1138th Meeting on the Situation of the Republic of Sudan. https://au.int/en/pressreleases/20230416/communique-1138th-meeting-psc-situation-sudan3. International Crisis Group. (2023). Sudan’s unfinished democracy: The promise and betrayal of a people’s revolution (Africa Report No. 189). https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan/sudans-unfinished-democracy-promise-and-betrayal-peoples-revolution4. United Nations Human Rights Council. (2023). Situation of Human Rights in Sudan. https://www.ohchr.org/en/documents/country-reports/situation-human-rights-sudan5. United Nations Integrated Transition Assistance Mission in Sudan (UNITAMS). (2022). Security Sector Reform and Civilian Protection in Sudan. https://unitams.unmissions.org/security-sector-reform-and-civilian-protection-sudan6. Verjee, A. (2020). Sudan’s political marketplace and the logic of violence. Rift Valley Institute. https://riftvalley.net/publication/sudans-political-marketplace-and-logic-violence7. World Bank Group. (2021). Sudan public expenditure review: Defense, security, and state capture. https://www.worldbank.org/en/country/sudan/publication/sudan-public-expenditure-review-defense-security-and-state-capture*مختصة في قضايا السلم والأمنتشرت الدراسة في ابريل 2026 في العدد الأول من مجلة “زوايا”، الصادرة عن مجموعة “الديمقراطية أولاً في السودان علي الرابط التاليhttps://sdfg.ngo/zawaya/The post من التَصَدُّع إلى الإصلاح: السودان وإطار السياسات الصادر عن الاتحاد الأفريقي إصلاح القطاع الأمني appeared first on صحيفة مداميك.