شمائل النوررغم مرور نحو عام على استعادة الجيش السوداني السيطرة الكاملة على الخرطوم، عاصمة البلاد إلا أن المدينة لا تزال تحت وطأة الأسئلة الصعبة حول مصيرها عاصمةً ومركزًا للبلاد، حيث قلبت الحرب هذه المدينة رأساً على عقب ووجهت ضربة قاصمة لأسطورة” المركز القابض” الذي احتكر السياسة والاقتصاد لعقود.ليس فقط بفعل الخراب الذي طال كل شيء، وإفراغها من سكانها، تبدو العاصمة التي كانت مركزا قابضا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا منزوعة الفاعلية، حيث تحولت إلى منطقة هامشية تسعى السلطات المحلية فيها لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لبضعة آلاف من السكان.وسط تسويق متواصل للعودة من قبل السلطات يواجه الفشل، تتجاوز معضلة الخرطوم مجرد سعي السلطات إلى معالجة آثار الحرب وتطبيع الحياة بعد أن كانت تضج بها هذه المدينة التي غشاها “الموت السريري”. المشهد الآن في الخرطوم أعمق من ذلك بكثير، ذلك المركز القابض تفتت تماما لصالح مراكز وليدة متعددة نشأت في بعض مدن السودان المختلفة خلال فترة الحرب .مما يضعنا أمام واقع سوداني جديد يتشكل بعيداً عن هيمنة المثلث التاريخي.”أعادت حركة النزوح القسري الواسعة من الخرطوم إلى المناطق الآمنة رسم الخارطة التنموية للسودان وخلقت تحولا ملحوظا في تلك المناطق، سواء على مستوى الخدمات الأساسية التي كانت حصرا على الخرطوم أو على مستوى النشاط التجاري والصناعي الذي انتقل إلى مدن جديدة.وبعد أيام معدودة من انفجار الحرب في الخرطوم كادت أن تصبح مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة وسط السودان عاصمة بديلة، بسبب قرب مسافتها من الخرطوم حيث استقبلت المدينة -تقريبا- كل نازحي الخرطوم وإثر ذلك انتقل إليها بعض النشاط الحكومي والتجاري، لكن مدني لم تصمد كثيرا حيث لحقت بها الحرب وتمددت قوات الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة لتلحق هي الأخرى بالخرطوم، قبل أن يستعيد الجيش سيطرته عليها.وبالتزامن مع حركة النزوح من الخرطوم إلى الجزيرة خلال أيام الحرب الأولى، برزت ولاية نهر النيل شمال الخرطوم كنموذج آمن ووجهة مثالية لعشرات آلاف النازحين ما جعل هذه المناطق بيئة جاذبة للنشاط التجاري والصناعي، شجع ذلك تطور لافت في الخدمات الأساسية، ولما كانت مناطق الشمال محصنة من الحرب إلى حد بعيد، شهدت مؤشرات استقرار وتوطين خدمات بشكل ملحوظ، وتدريجيا تحولت بعض مدنها إلى مراكز بديلة للخرطوم بشكل أو بآخر.الخرطوم… تاريخ طويل من المركزية القابضةظلت العاصمة السودانية الخرطوم منذ استقلال البلاد في 1956 المركز القابض، سياسيا واقتصاديا وخدميا واجتماعيا، عزز من ذلك موقعها الجغرافي حيث تتوسط -تقريبا -البلد المترامي الأطراف.لكن الخرطوم ينظر إليها بوصفها “تركة مستعمر”، حيث تأسست الدولة السودانية مشوهة منذ بدايتها؛ انطلاقا من هذه المدينة التي تمثل نموذجا لسيطرة نخبة محدودة مقارنة بكم هائل من المكونات الاجتماعية المتنوعة؛ هذه النخبة التي أورثها المستعمر حكم الدولة السودانية واصلت بذات النهج الاستعماري واستحوذت على كافة الامتيازات على حساب البقية، لتمارس ‘استعماراً داخلياً ‘ كرس اختلال التنمية لصالح المركز النيلي على حساب الهوامش المنسية. هذا الاحتكار الفج للموارد والقرار هو الذي شرعن لاحقاً صعود الحركات المطلبية المسلحة، كفعل مقاومة ضد نخبة استأسدت بالثروة وتركت للأطراف الفتات.”من أحراش الجنوب إلى فیافي دارفور، توحدت الرواية النضالية حول “تفكيك المركز القابض” حيث قاتلت الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوب السودان لأكثر من عشرين عاما انتهت باتفاقية سلام عامَ 2005 وشملت الاتفاقية حق تقرير المصير الذي انتهى بإعلان دولة مستقلة في جنوب السودان عامَ 2011وقبل طي صفحة الحرب في الجنوب أشهرت حركات مطلبية في إقليم دارفور سلاحها في مواجهة الحكومة المركزية؛ إذ رفعت مطلب إعادة تقسيم السلطة والثروة، وتبنّت حركات دارفور الفلسفة ذاتها التي أسست للحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان مع الاحتفاظ بفوارق بسيطة، وتأسست فلسفة جميع الحركات التحررية في أطراف البلاد على تنظير موحد قائم على فكرة مناهضة مركز قابض استأسد بالسلطة والثروة مقابل هامش تابع يستجدي الخدمات الأساسية ويتفضل عليه المركز بالسلطة والموارد وقتما أراد.خلل ميزان التنمية: من مربع الاقتصاد لساحات الحرببالفعل كانت العاصمة الخرطوم تحوز على كافة الامتيازات السياسية والاقتصادية والخدمية على حساب بقية أقاليم السودان، هكذا تحولت الخرطوم في وعي الهامش من عاصمة وطنية إلى ‘رمز للإقصاء’، مما جعل انفجار نيسان 2023 نتيجة حتمية لتراكم الغبن الطبقي والإثني.”ورغم أن السودان ليس حديث عهد بالحروب الأهلية، إلا أن حرب أبريل تختلف تماما عن تلك الحروب التي شهدها السودان، وإضافة إلى أنها انطلقت من مركز البلاد ما أدى إلى حالة شلل كامل في كل القطاعات على مستوى السودان؛ يمكن اعتبارها إنذارا أخيرا للنخبة السودانية كي تنهض بواجبها وتتوافق على بناء دولة المواطنة المنشودة، لأن التفاوت الطبقي الفادح الذي قاد إلى الحروب الأهلية المتتابعة، لم يكن وليد سياسة حكومة بعينها، بل هو نتاج تراكمي لتشوهات الدولة نفسها بسبب سوء إدارة توزيع التنمية والموارد.بلغت هذه المركزية المتوحشة ذروتها في عهد نظام البشير، الذي حوّل الخرطوم إلى’ثقب أسود’ يمتص موارد الولايات لتمويل مركزه السياسي. هذا الإفقار الممنهج للأقاليم أدى إلى تضخم سكاني انفجاري في العاصمة، التي تحولت إلى ‘قنبلة موقوتة’ من المهمشين والنازحين. إن حرب أبريل لم تكن مجرد صراع جنرالات، بل كانت اللحظة التي ارتدت فيها سياسات ‘تجييش الأطراف’ لتضرب قلب الحصن الذي ظن أنه منيع.هكذا تأسست مركزية الخرطوم خصماً على بقية أقاليم البلاد، لكن قبضة الخرطوم المركزية بلغت ذروتها إبان حكومة عمر البشير (1989 – 2019)، الذي حوّل الخرطوم إلى ‘ثقب أسود’ يمتص موارد الولايات لتمويل استمراره السياسي وخلال فترة حكم البشير تعرضت جميع مدن السودان إلى إفقار تنموي ممنهج، بينما استحوذت الخرطوم على كافة الخدمات المموَلة من موارد هذه الولايات في الغالب، وتبعاً لذلك تدهورت الخدمات الصحية والتعليمية في مدن السودان المختلفة، وانعدمت تماما في بعضها، إضافة إلى اتساع ظاهرة البطالة وانعدام فرص العمل والإنتاج في الولايات، مما ضاعف موجات نزوح الأرياف والمدن نحو العاصمة، التي اكتظت أطرافها بالسكان، حيث بلغ تعداد سكان ولاية الخرطوم قبل الحرب حوالي15 مليوناً وفقاً للإحصائيات القديمة ومعدلات النمو.وتشير بعض الدراسات إلى موجة هجرة نحو الخرطوم، نشأت في الفترة بين 1960 و1980، من الشمال والوسط إلى العاصمة، فيما يؤرَّخ للموجة الثانية من الهجرة في الفترة ما بين 2000 – 1980، وهذه الموجة كانت بسبب موجات جفاف إضافة إلى الحروب.هذا الإفقار الممنهج للأقاليم أدى إلى انفجار سكاني في العاصمة التي تحولت إلى ‘قنبلة موقوتة’ من المهمشين والنازحين. هكذا لا تبدو حرب أبريل مجرد صراع جنرالات، بل كانت اللحظة التي ارتدت فيها سياسات ‘تجييش الأطراف’ لتضرب قلب الحصن الذي ظن أنه منيع.هذه السياسة التي اتبعتها الحكومات المركزية المتعاقبة وضعت الخرطوم محل اتهام مستمر بالنسبة إلى كافة الحركات المسلحة المطلبية التي تبنت قضايا سكان الأطراف، لم تكن الخرطوم في نظر الهوامش مجرد عاصمة متعالية، بل ‘خصماً سياسياً’ تجسدت فيه كل خطايا الدولة وأكثر من ذلك وفي مفارقة تاريخية صارخة، لجأ نظام البشير إلى حماية كرسيه المركزي عبر ‘تجييش الأطراف’ ذاتها، وفتحت الباب لتشكيل المليشيات القبلية الموالية للحكومة المركزية، ذلك لكبح الحركات المطلبية، لكن في نهاية الأمر انهار حصن الخرطوم بالكامل وانفجرت الحرب داخل المركز بعد أن بلغت الأمور عنق الزجاجة.وهكذا تحولت قضية اختلال ميزان التنمية بين الخرطوم والأقاليم من مسألة اقتصادية اجتماعية إلى مسألة سياسية، وهي بالفعل كذلك، بل أصبحت سياسية مثقلة بالحمولات الإثنية؛ فحركات التحرر المطلبية تشكلت على أساس إثني على ما يبدو كرد فعل منطقي لسيطرة نخبة إثنية محددة على حكم البلاد، هذه النخبة الاثنية تُعرف في قواميس السياسة السودانية بـ ”الوسط النيلي“ ويقصد بها المجموعات السكانية القاطنة حول النيل في أواسط وشمال السودان. هذا التوصيف الجغرافي-الإثني تحول إلى تهمة سياسية تلاحق المركز، مما دفع حركات التحرر لتمترس خلف هوياتها الإثنية كآلية دفاعية ورداً طبيعياً على احتكار السلطة . لقد أصبح الصراع في جوهره مواجهة بين ‘مركز إقصائي’ متهم بالاستعلاء الإثني، و’هامش ثائر’ يسعى إلى انتزاع اعتراف لا يمر عبر بوابة الخرطوم التقليدية.”ولم يقتصر نشوء الحركات المسلحة المطلبية في غرب السودان. حيث لم يكن الشرق السوداني بمنأى عن هذا الغليان الذي تعاني مناطقه غياب التنمية والخدمات بشكل هائل، أشهرت بعض المجموعات سلاحها ضدّ الحكومة المركزية وظلت تقاتل حتى عام2006 حينما تم التوقيع على اتفاق سلام مع حكومة الخرطوم أنهى حربا دامت نحو13 عاما، لكن ظل الإقليم يعيش حالة من ‘السلام الهش’ الذي لم يمس جوهر الأزمة التنموية مثله مثل كل اتفاقيات السلام- أٌعيد إنتاج الأخطاء ذاتها- التي تنتهي بتوزيع حصة من السلطة على قادة الحركات المسلحة وتجاهل مطالب القواعد، ما حوّل شرق السودان إلى قنبلة موقوتة مع انتشار التشكيلات المسلحة التي توالدت خلال فترة حرب 15 أبريل 2023تُختزل جغرافيا السلطة في السودان في ما يُعرف باسم “العاصمة المُثلّثة”؛ حيث تتكون من ثلاث مدن؛ تشكلت الخرطوم كمركز إداري استعماري، نمت لتكون العقل البيروقراطي للدولة، حيث تضم مقار مؤسسات الدولة والمرافق الحكومية وتبعا لاتساع النشاط الحضري فيها كانت مركزا للخدمات بشكل أوسع من مدينتي ”بحري وأم درمان“ بينما احتفظت أم درمان برمزيتها كقلب للهوية الوطنيةأُطلق عليها العاصمة المثلثة لأنها تشبه المثلث، عند التقاء النيلين الأبيض والأزرق، لكن مدينة الخرطوم يرجع تأسيسها إلى عام 1821 حينما دخل الجيش التركي المصري السودان في عهد محمد علي باشا، وأصبحت المدينة عاصمة لهم، غير أن تاريخ الوجود البشري في هذه المدينة يعود إلى نحو 400 عام.الخرطوم أمام السؤال اليتيم: ما المصير؟استبقت الرصاصة الأولى خطاباً محموماً بالكراهية والتشفي، استهدف الخرطوم بوصفها ‘صنم الدولة القديمة، والذين تابعوا المشهد السياسي جيداً خلال الأشهر القليلة التي سبقت حرب 15 نيسان/ أبريل رصدوا دون شك خطاب كراهية واسع النطاق ضد الخرطوم كمركز يعبِّر عن الدولة القديمة، أي دولة الاستقلال. ورغم أن هذا التنظير موجود أصلاً في كل أدبيات الحركات المسلحة، إلا أنه تجلى بشكل صارخ مع اشتداد الصراع السياسي عقب سقوط حكم البشير الذي استمر أكثر من ربع قرن، وبلغ الأمر أن هدد أحد قيادات دارفور السياسية بنزوح سكان الخرطوم منبهاً أهله في إقليم دارفور أن يعدّوا منازلهم لاستقبال نازحي الخرطوم في خطاب مملوء بالتشفي، وغيره كُثر ممن توعدوا بإشعال الحرب هذه المرة في الخرطوم لا الأطراف، وقد حدث بالفعل.منذ ساعات الحرب الأولى شُلت مدينة الخرطوم بشكل كامل، تعطلت المؤسسات والجامعات والنشاط التجاري والصناعي وطبعا القطاع الخدمي قبل ذلك.لتتحول الخرطوم تدريجيا من “مركز الثقل” الذي يجمع مفاصل الدولة إلى مدينة تعيش حالة من التفتت والجمود القسري، وبعد أن كانت الخرطوم مصدرَ القرار والسيادة، أصبحت ميدانا للمواجهات العسكرية، وانتقل الثقل السياسي والإداري “اضطرارياً” إلى مدينة بورتسودان، مما أنهى عقوداً من المركزية القابضة للخرطوم، وأصبحت الوزارات والبعثات الدبلوماسية ومكاتب المنظمات ورؤوس الأموال تعمل من خارجها لأول مرة بهذا الشكل الجذري.ولأن الحرب انطلقت من قلب المدينة طال الدمار الكامل البنية التحتية الصناعية، الخدمية والتجارية، حيث خرجت عن الإنتاج منذ اليوم الأول ما أدى إلى توقف الإنتاج المحلي وفقدان نحو10 ملايين شخص وظائفهم في القطاع الخاص والأسواق حسب ما أوردته تقارير صحفية.الخرطوم التي كانت مغناطيس الهجرة من الأقاليم تحولت إلى مدينة طاردة حيث شهدت أكبر عملية إخلاء سكاني، كأن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو صدق وعده بالخراب، حيث لم يكن وعيد القادة العسكريين والسياسيين القادمين من الهامش بتحويل عمارات العاصمة إلى ‘مساكن للقطط’ مجرد مجاز حربي، بل كان تعبيراً عن رغبة دفينة في ‘هدم المعبد’ على رؤوس ساكنيه لاحقا بل أصبح بعضها بالفعل مساكن للقطط وبعضها لم يعد صالحا حتى لسكن القطط.هذا التشفي السياسي كشف عن عمق الشرخ الاجتماعي؛ حيث أصبحت استعادة الكرامة لدى البعض تمر عبر ‘إذلال المركز’، وهو ما تحقق فعلياً بتحويل العاصمة الضخمة إلى أطلال موحشة يسكنها الفراغ.”أفرزت الحرب ‘انقلاباً طبقياً’ أعاد تشكيل الوعي بالمكان داخل العاصمة؛ فتحولت أطرافها إلى مراكز للخدمات وثقل سكاني بينما خلت أوساط المدينة وأحيائها الراقية من الحياة، ولأن سكان الأطراف هم الفئة الأكبر ضمن محدودي الدخل لم تكن أمامهم رفاهية النزوح إلى الولايات وتحمل فاتورة التنقل والإيجارات التي تضاعفت في مدن السودان المختلفة، ففضلوا البقاء داخل الخرطوم مما حوّل هذه الأطراف إلى مركز للخدمات تبعا للثقل السكاني.تنسلخ الخرطوم اليوم من جلدها الاجتماعي القديم؛ حيث تشهد المدينة أيضا تغييرا ديمغرافيا واضحا حيث فقدت المدينة ذلك التنوع الاجتماعي الزاخر ليطال التغيير نسيجها الاجتماعي، حيث أطاح الصراع المسلح بذلك التنوع ‘الفسيفسائي’ الذي جعل منها بوتقة للسودانيين. وباختصار؛ لم يكن هذا التآكل الديمغرافي مجرد نزوح، بل إعلانا عن نهاية حقبة ‘المركز القابض’ الذي كان يحتكر مفاصل الدولة بل توزعت أدوارها بين بعض المدن؛ سياسيا وإداريا واقتصاديا، لتقف الخرطوم مشلولة أمام سؤال يتيم يتجاوز إعادة الإعمار؛ ما المصير؟بعد انتقال الحكومة بكامل طاقم وزاراتها إلى مدينة بورتسودان الساحلية على البحر الأحمر شهدت المدينة تحولا جديدا، ورغم أن بورتسودان مدينة حافلة بالنشاط الاقتصادي والخدمي بشكل يتفوق على كل مدن السودان، حيث تضم الميناء الرئيسي الذي يضم عدة موانئ متخصصة، لكن انتقال الحكومة إليها حولها من مجرد ميناء استراتيجي إلى ‘مركز ثقل’ سيادي وإداري بديل وبكل تأكيد اقتصادي، حيث انتقل إليها معظم النشاط ساعد ذلك كونها تضم مطارا دوليا؛ حل محل مطار الخرطوم بعد خروجه من الخدمة منذ الساعة الأولى من الحرب، هذا الانتقال الجذري للوزارات والبعثات الدبلوماسية منح المدينة زخماً اقتصادياً وعقارياً غير مسبوق، لكنه في الوقت ذاته عرى هشاشة البنية التحتية للأقاليم؛ فالمدينة التي باتت تُدير البلاد تعجز عن إرواء ظمأ سكانها أو تأمين استقرار تيارها الكهربائي، مما يكشف أن ‘المركزية’ انتقلت كقرار، لكن ‘التنمية’ لم تلحق بها بعد.” أما ولاية نهر النيل؛ شمال الخرطوم فقد شهدت قفزة نوعية على كافة المستويات الخدمية والتجارية، حيث انتقل النشاط التجاري بشكل ملحوظ إلى مدينة عطبرة.في مفارقة تاريخية، كشفت الحرب عن حجم ‘الاستنزاف’ الذي مارسته الخرطوم ضد الولايات؛ فنهر النيل التي كانت تمول خزينة المركز بـ 70% من إنتاج الذهب في البلاد وفقا للبيانات الرسمية، ولم تشهد الولاية النهضة الصناعية الحقيقية إلا بعد أن تفككت قبضة الخرطوم. تحولت بعد الحرب إلى مركز كبير في الصناعات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، حيث تضم حاليا أكثر من 300 مصنع؛ موزعة على مدنها الرئيسية، وارتفع عدد السكان في الولاية إلى الضعفين حيث يبلغ عدد سكان الولاية حاليا أكثر من 5 ملايين نسمة. لتعيش عطبرة لا مجرد طفرة عابرة، بل استرداد الهامش لحقوقه المسلوبة، وإعادة توطين للرأس مال الذي ظل لعقود أسيراً لأسوار العاصمة.”وأظهرت بيانات رسمية استهداف ولاية نهر النيل تنفيذ عدد من المشروعات خلال الثلاث سنوات القادمة؛ على رأسها إنشاء ثلاث مدن صناعية صغيرة وقرية صادرات ومنطقة حرة.يُمكن القول، بمرارة نقدية، إن ‘هدم الخرطوم’ كان الشرط القاسي لتحرر الأقاليم من تبعيتها الإذلالية للمركز فهجرة رؤوس الأموال وموجات النزوح التي تحولت في بعض المدن إلى استقرار دائم وتوطين جعلت من هذه المدن مراكز جديدة تسعى إلى ملء الفراغ الذي خلفته الخرطوم وخلقت واقعاً تنموياً عجزت عنه الخطط السياسية لعقود.ومن ضمن التحولات الهائلة التي طرأت على هوامش السودان في القطاع الصحي على سبيل المثال، أكبر مستشفى في وسط الخرطوم والذي كان يزحف إليه آلاف المرضى من الولايات بات اليوم خارج الخدمة يخيم عليه الخراب، بينما هناك في مجاهل ولاية نهر النيل مركز صحي صغير تحول إلى مستشفى أجرى الأطباء فيه عملية فصل توأم، وأن الاستشاري الذي ينتظر سكان الولايات شهورا لمقابلته في الخرطوم، أصبح الآن نازحا بينهم، ومع خروج الخرطوم من الخدمة، اضطرت وزارة الصحة إلى توطين عدد من الخدمات الطبية في الولايات.ديسمبر…الفرصة التي تبددت يُعَدُّ صراع الهوية المحرك الرئيسي للأزمة السودانية، إذ تبنّت النخب المتعاقبة على حكم البلاد منذ الاستقلال رؤية أحادية، ركزت على الهوية العربية الإسلامية لتصبح الهوية الرسمية للدولة متجاهلة تماما الجذور الزنجية الإفريقية المتنوعة، خلق هذا التوجه فجوة عميقة بين الدولة وكثير من المجموعات السكانية.وللخروج من هذه الأزمة طُرحَ عدد من المشاريع الوطنية، لعل أهمَّها مشروع الحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق والتي جاءت تحت إسم “السودان الجديد” إلا أنها لم تر النور واصطدمت بالبنية الفكرية المؤسسة للدولة كما أن رحيل قرنق لم يمنح الفرصة الكافية فتحول المشروع الوطني إلى انفصال ثم اقتتال قبلي داخل الدولة الوليدة.حينما انفجرت الثورة الشعبية واسعة النطاق في ديسمبر/ كانون الأول 2019 أهدر ‘النادي السياسي القديم’ فرصة لإعادة هندسة هيكل الدولة السودانية وإزالة تشوهاتها وتفكيك الأزمة البنيوية والاتجاه إلى حلول جذرية لضبط ميزان التنمية المختل، لكن سقط الفاعلون السياسيون في فخ ‘العقلية المركزية’ ذاتها، حيث انغمسوا في صراعات المحاصصة الحزبية في حضن الخرطوم، وقبل قطف ثمار الثورة انفجرت الخلافات بين الحركات المسلحة القادمة من الهامش والقوى السياسية والتي هي ناشئة بالأساس في حضن المركز، والخلافات قديمة متجددة حول الاستحواذ على السلطة الذي قوّض فرصة الانتقال السلمي، وفتح الباب للعبث بمصير البلادصحيح أن غالبية الفاعلين السياسيين في كافة الكيانات السودانية عبّروا مرارا عن إيمانهم وقناعتهم أن الأزمة بنيوية وتحتاج إلى تفكيكها أولا قبل الشروع في معالجتها، إلا أن الفاعلين أنفسهم حينما ظهرت أمامهم ملامح الوصول إلى السلطة بعد زوال حكم البشير انغمسوا في الخلافات الحزبية والتنظيمية في وقت كانت عناصر النظام السابق تعد العدة لإضاعة هذه الفرصة؛ وقد كان فشل النادي السياسي في تقديم مشروع وطني يؤسس لدولة المواطنة المنشودة، إما بسبب فقدان الإرادة للحل الجذري أو في الغالب لسيطرة العقلية المركزية التي تحاول القفز فوق الأسباب الحقيقية للأزمة وبسبب غياب الفعل السياسي تسيدت التشكيلات القبلية المناطقية المسلحة المشهد بشكل كامل خلال فترة الحرب وباتت مراكز النفوذ متعددة كل في حدود منطقته، وساهم بذلك في خروج الخرطوم كسلطة مركزية قابضة.تقف الخرطوم اليوم عند حافة الموت التاريخي كعاصمة مركزية؛ فمحاولات الإنعاش السياسي والعودة الصورية بانتقال الحكومة من بورتسودان إليها وعودة كبرى المنظمات إلى مقارها إلا أن المدينة تصطدم بواقع اقتصادي مرير. لا تزال تنادي سكانها الذين تقطعت بهم سبل النزوح واللجوء، فموجات العودة الطوعية إلى مدينة الخرطوم ضعيفة مع تمركز الثقل السكاني والخدمات في مدينة أم درمان، وترتبط العودة الطوعية بتأمين مصادر الدخل؛ حيث فقد السودانيون -تقريبا -كل مصادر مداخيلهم سواء على مستوى الوظائف أو على مستوى العمل الحر، حيث بات غالبيتهم يتلقون تحويلات أبنائهم في دول الخليج والغرب، لذلك من المتوقع أن تستمر العودة الطوعية بالوتيرة الضعيفة ذاتها في المدى القريب.حيث فقد المواطن مصدر دخله وتحول إلى كائن يعيش على ‘فتات التحويلات’ الخارجية. إن المستقبل لن يعيد الخرطوم إلى سيرتها الأولى كـ’مركز مستبد’، بل المرجح هو تحولها إلى مدينة ‘ رمزية’ منزوعة الدسم السيادي، مقابل صعود مراكز إقليمية قوية . وهذا، إن حدث، قد يكون التعويض العادل الوحيد الذي قدمته هذه الحرب لمستقبل السودان.”ومن غير المتوقع أن يكون مستقبل الخرطوم نسخة كربونية من ماضيها ولن يعيد الخرطوم إلى سيرتها الأولى كـ’مركز مستبد’ يمكن أن تتحول إلى مدينة صغيرة لكن أكثر تنظيما وأقل سكانا وبالتالي أقل استحواذا على امتيازات الماضي مع حفاظها على رمزيتها المعنوية والسيادية. المرجح لدى الخرطوم هو تحولها إلى مدينة ‘رمزية’ منزوعة الدسم السيادي، مقابل صعود مراكز إقليمية قوية. وهذا، إن حدث، قد يكون التعويض العادل الوحيد الذي قدمته هذه الحرب لمستقبل السودان. تقف الخرطوم الآن أمام مخاض عسير قد ينتهي بها كمدينة ‘رمزية’ أكثر منها ‘مركزية’؛ مدينة أقل ازدحاماً وأكثر تنظيماً، تتخلى عن امتيازاتها التاريخية لصالح عدالة توزيعية تنهض بها بقية أقاليم السودان. إن مستقبل الخرطوم مرتبط بمدى قدرة النخبة السودانية على فهم الدرس الأخير: إما دولة مواطنة تتقاسم فيها المدن الأعباء والموارد، أو استمرار في دوّامة التفتّت التي لن ترحم أحداً.”————————نشر المقال في أبريل 21, 2026 علي موقع روزا لوكسمبورغ شمال أفريقياThe post هل انتهت حقبة “الخرطوم” :كيف أعادت الحرب رسم خارطة النفوذ في السودان appeared first on صحيفة مداميك.