تحل إندونيسيا هذا العام ضيف شرف في معرض تونس للكتاب، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح الثقافي على الفضاء الآسيوي، وتوسيع شبكات التبادل الثقافي. وتسجل الدورة الاربعون مشاركة 394 دار نشر، من بينها 210 أجنبية و184 من تونس، مع عرض ما يفوق 148 ألف عنوان، إلى جانب حضور 37 دولة.وفي الذكرى الـ900 لميلاد ابن رشد، يحتفل المعرض بالفيلسوف الكبير، ويقيم ندوة بعنوان “راهنية ابن رشد”، بتنظيم مشترك مع معهد تونس للفلسفة. وتندرج هذه الندوة ضمن مقاربة تعيد فتح النقاش حول الإرث الفلسفي للعقلانية العربية، ومحاولة قراءة حضوره في سياقات فكرية معاصرة تتغير فيها أسئلة المعرفة والسلطة والتأويل.وتشمل الأجنحة معارض عدة منها الخط العربي، والمعرض الإندونيسي، إلى جانب مساحات مخصصة لفلسطين وعدد من الدول المشاركة، في مشهد يعكس الطابع الدولي للتظاهرة واتساع تمثيلها الثقافي. وتشمل الدورة فضاءات مؤسساتية وثقافية وإعلامية، بما يعكس تداخل البعد الثقافي بالتربوي والمؤسساتي داخل المعرض.الرئيس التونسي والسفير الأندونيسي في حفلة الافتتاح (خدمة المعرض)على مستوى الضيوف، تحضر أسماء عربية ودولية، من بينها الروائي الجزائري سعيد خطيبي، الروائية المصرية ريم بسيوني، وفرانشيسكا ألبانيزي التي ينتظر أن تقدم كتابها حول فلسطين. ويمتد البرنامج ليشمل أسماء أخرى من تونس وخارجها، غير أن توزيع الحضور الإعلامي يظل متفاوتاً، إذ تحظى بعض الأسماء بواجهة أكبر مقارنة بغيرها. وفي هذا السياق، يطرح متابعون مسألة حضور الكاتب التونسي داخل المعرض، سواء من حيث التغطية أو موقعه ضمن المشهد العام.وعلى رغم كثافة العناوين وتنوع المشاركات، يبقى المعرض حدثاً موسمياً، تلتقي فيه الإصدارات في فترة زمنية محدودة، مما يطرح سؤالاً حول مدى تحول هذا الزخم إلى فعل قراءة مستمر خارج أيام التظاهرة.بين الفكر والتربية والتحول الرقمييتوزع البرنامج الثقافي للدورة الـ40 من معرض تونس الدولي للكتاب على مجموعة من الندوات الفكرية التي تعكس تنوع القضايا المطروحة داخل الفضاء الثقافي، من إشكالات الترجمة، إلى العلاقة بين الرواية والسينما في تونس، مروراً بتحولات الشعر، وصولاً إلى نقاشات تتصل بالقرصنة الرقمية وحقوق الملكية الفكرية. ويظهر هذا التنوع اتساع دائرة الاهتمام بالتحولات، التي تمس الكتاب من حيث إنتاجه وتداوله وموقعه في البيئة الرقمية.إلى جانب البعد الفكري، يبرز داخل المعرض مكون تربوي وتعليمي متنام، من خلال فضاءات موجهة للأطفال واليافعين، تضم ورشات تفاعلية ومشاريع مرتبطة بالتحول الرقمي، خصوصاً في ما يتعلق بـ”الأمان الرقمي” واستخدام الوسائط الحديثة في التعلم، كما تتقاطع هذه الأنشطة مع مبادرات مؤسسات تربوية تسعى إلى ربط القراءة بالتجربة التعليمية المباشرة.ويعكس هذا التداخل بين الفكر التخصصي، والبعد التربوي، والمحتوى الرقمي، تحولاً تدريجاً في وظيفة المعرض، الذي لم يعد يقتصر على عرض الإصدارات واللقاءات الأدبية، بل بات فضاء متعدد الاستخدامات، تتقاطع فيه الثقافة مع التعليم والتكنولوجيا، في محاولة لخلق علاقة أوسع بين الكتاب والجمهور.جوائز المعرضإلى جانب الندوات الفكرية والأنشطة الثقافية المختلفة، تحتل الجوائز الإبداعية ضمن برنامج الدورة الـ40، موقعاً بارزاً ضمن مكونات التظاهرة، باعتبارها أحد المحاور الأساسية الموجهة لدعم الإنتاج الثقافي وتشجيع مختلف أشكال الإبداع.وقد سجلت هذه الدورة 107 ترشحات في مختلف أصناف الجوائز، التي تشمل الرواية والقصة والشعر والدراسات الفكرية والترجمة، إضافة إلى جوائز مخصصة للنشر.وتتوزع هذه الترشحات على أعمال صادرة خلال الفترة الأخيرة، وتغطي أجناساً أدبية وفكرية مختلفة، بما يتيح حضوراً متنوعاً داخل قائمة المشاركات، من كتابات سردية وشعرية إلى دراسات نقدية وأبحاث فكرية، إضافة إلى إصدارات في مجال الترجمة والنشر.وتندرج هذه الجوائز ضمن البرنامج الرسمي للمعرض، إلى جانب سلسلة من الندوات واللقاءات والأنشطة الثقافية، التي تمتد على كامل أيام التظاهرة، في إطار دورة تحتضن عدداً كبيراً من المشاركات من تونس ومن الخارج.تقدم دورة 2026 من المعرض صورة واسعة من حيث الحجم والانفتاح الدولي وتعدد الأنشطة، لكنها في المقابل تترك أسئلة جوهرية مفتوحة حول موقع الكتاب نفسه داخل هذا الإطار. فبين الأرقام الكبيرة، والضيوف، والجوائز، يتشكل مشهد لا يمكن قراءته فقط كاحتفال سنوي، بل كمساحة يعاد فيها تعريف العلاقة بين الثقافة ومؤسساتها.و يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ينجح المعرض في أن يكون فضاء يمنح الكتاب حياة أوسع من لحظته الاحتفالية، أم يظل إطاراً واسعاً لعرض الكتاب، أكثر مما هو مساحة لإنتاج معناه؟The post “حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار الدورة 40 لمعرض تونس appeared first on صحيفة مداميك.