مهدي داود الخليفةتكشف صورتان متداولتان في الفضاء العام السوداني عن مفارقة أخلاقية وسياسية عميقة: الأولى لطلاب الشهادة السودانية في إحدى مدن السودان يؤدون امتحاناتهم في العراء، مفترشين الأرض بين الجبال، في مشهد يلخص مأساة جيل بأكمله حُرم من أبسط حقوقه التعليمية. أما الثانية، فتُظهر الإيرانية شميم مافي تقود سيارة فارهة، بعد أن حصلت – وفق تقارير متداولة – على سبعة ملايين دولار مقابل التوسط في صفقة طائرات مسيّرة لصالح الجيش السوداني.بين هاتين الصورتين، تتجسد أزمة الدولة السودانية: ليس فقط في ضعف مواردها، بل في اختلال أولوياتها، وانفصال نخبها الحاكمة عن واقع شعبها.تعكس صورة هؤلاء الطلاب حالة الانهيار البنيوي الذي أصاب قطاع التعليم في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فبدلاً من أن تكون المدارس فضاءات آمنة للتعلم، تحولت إلى أنقاض، أو ثكنات عسكرية، أو ملاجئ للنازحين.إن أداء الامتحانات في العراء ليس مجرد ظرف طارئ، بل هو مؤشر على:• غياب الدولة كمؤسسة راعية للخدمات الأساسية• انهيار البنية التحتية التعليمية• تراجع التعليم من أولوية وطنية إلى هامش في أجندة السلطةإن ما يقوم به هؤلاء الطلاب لم يكن ليحدث لولا إصرار آبائهم وأسرهم، الذين ظلوا – رغم الفقر والعوز وانعدام أبسط مقومات الحياة – يدفعون أبناءهم نحو التعليم، ويتمسكون به كخيار وحيد للخلاص من دوائر الحرب والانهيار.إنها بطولة صامتة تمارسها الأسر السودانية يوميًا، حيث تتحمل ما لا يُحتمل، لتبقي جذوة الأمل مشتعلة في نفوس أبنائها.وفي هذا السياق، فإن إصرار الطلاب على أداء امتحاناتهم في هذه الظروف القاسية يعكس ما يمكن تسميته بـ”المقاومة المدنية الصامتة”، حيث يتمسك المجتمع بحقوقه الأساسية رغم غياب الدولة.في المقابل، تبرز صورة شميم مافي كرمز لاقتصاد الحرب الذي بات يهيمن على القرار السياسي في السودان. فالحصول على ملايين الدولارات عبر صفقات تسليح، في وقت تعجز فيه الدولة عن توفير مقاعد دراسية، يكشف عن:* إعادة توجيه الموارد نحو المجهود الحربي* صعود شبكات الوساطة والسمسرة المرتبطة بالنخب العسكرية* غياب الشفافية والمساءلة في إدارة المال العامإن هذه المفارقة تعكس ما وصفه علماء السياسة بـ”الدولة المفترسة”، حيث تُستخدم موارد الدولة لخدمة بقاء السلطة، لا رفاهية المواطنين.تطرح هاتان الصورتان سؤالاً جوهرياً: من هي الدولة السودانية اليوم، ولصالح من تعمل؟ففي الوقت الذي يُترك فيه الطلاب لمواجهة مصيرهم في العراء، تُنفق الملايين على أدوات الحرب. وهذه المفارقة ليست فقط اقتصادية، بل أخلاقية بالدرجة الأولى.يمكن قراءة هذا الواقع في ضوء ثلاث فرضيات:* أولوية البقاء السياسي على التنمية* تفكك العقد الاجتماعي* تغوّل النخب العسكرية على حساب المؤسسات المدنيةلم يكن التعليم في السودان يوماً بمنأى عن الأزمات، لكنه اليوم يقف على حافة الانهيار الكامل. فجيل كامل من الطلاب مهدد بالضياع، ليس فقط بسبب توقف الدراسة، بل بسبب:* فقدان البيئة التعليمية المناسبة* تزايد معدلات التسرب* الأثر النفسي العميق للحربغير أن المفارقة المؤلمة تحمل في طياتها بذرة أمل:من بين هؤلاء الطلاب الذين يجلسون على الأرض اليوم، سيخرج الطبيب، والمعلم، والمهندس، والعالم.ومن صلابة هذه التجربة القاسية، تتشكل إرادة جيل كامل سيعيد كتابة مستقبل السودان.إذا استمرت هذه المفارقة بين تمويل الحرب وإهمال التعليم، فإن السودان يواجه خطر الدخول في حلقة مفرغة من:* العنف المستدام* الفقر المعرفي* ضعف الدولةوعليه، فإن أي مشروع وطني للخروج من الأزمة يجب أن يعيد ترتيب الأولويات، بوضع التعليم في قلب عملية إعادة بناء الدولة، لا على هامشها.بين طلاب يفترشون الأرض، وأسرٍ تُقاوم بصمت، ووسطاء صفقات يتنقلون بين العواصم، تتكشف حقيقة مأساوية:السودان اليوم ليس دولة فقيرة الموارد بقدر ما هو دولة فقيرة في الرؤية.فحين تعجز الدولة عن توفير مقعد دراسي، لكنها تنجح في تمويل صفقات السلاح، فإن الأزمة لا تكمن في الإمكانيات، بل في الإرادة السياسية.إن صورة الطلاب في العراء ليست فقط شهادة على صمودهم، بل هي أيضاً شهادة على عظمة أسرهم، واتهام صريح لنظام سياسي فقد بوصلته، وترك مستقبل أبنائه في مهب الريح.The post بين الامتحان في العراء وصفقات السلاح في الظل: مفارقات الدولة السودانية وانهيار أولوياتها appeared first on صحيفة مداميك.