النقابات في مهبّ السلطة: قرارات إدارية بمعزل عن القواعد

Wait 5 sec.

عمار الباقرفي تطورٍ جديد، وبتاريخ 22/4/2026م، أصدرت مولانا آمنة كبر، المستشار العام ومسجل تنظيمات العمل لدى حكومة الأمر الواقع، القرار رقم (9)، والذي ألغت بموجبه السلطات التنفيذية لكافة النقابات العامة المكوِّنة لاتحاد نقابات عمال السودان، وقيدت فيه أعمال اللجان التمهيدية التي كوَّنتها بموجب القرار رقم (9) بتاريخ 29/5/2025م، لتقتصر على تسيير الأعمال الضرورية فقط، إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة وفقاً للقانون.في البداية، لا بد من التأكيد على أن قرار تكوين لجان تمهيدية من المكاتب التنفيذية لنقابات النظام البائد، والتي انقضت دورتها منذ سنوات خلت، لتتولى مهمة حصر وحراسة أصول النقابات، إنما هو قرار لا يستند إلى أي قانون. كما أنها بذلك تكون قد قررت استبعاد قسم كبير من القواعد النقابية التي تنشط علي الساحة النقابية اليوم، واختارت ربط أعمال مكتب المسجل بمجموعات النظام البائد، التي يعلم الجميع إرثها النقابي وممارساتها السلطوية على مدار ثلاثين عاماً، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة هذه المجموعات على لعب أي دور نقابي حقيقي ونزيه، حتى وإن كان في حدود تسيير الأعمال اليومية ومتابعة الاشتراكات وحفظ الأصول، ناهيك عن مهمة كبيرة مثل التحضير لانتخابات حرة ونزيهة، على حد تعبير المسجل.كذلك يعكس القرار الجديد طبيعة الصراع داخل مكونات سلطة الأمر الواقع، والتي يسيطر عناصر الحركة الإسلامية على قسم كبير منها، ويبدو أن المجموعات النقابية المحسوبة على الحركة الإسلامية قد دخلت حلبة هذا الصراع الأمر الذي استدعي تحجيم دورها لصالح حفظ التوازن الهش بين أجنحة السلطة. كذلك يعكس القرار النزعة السلطوية المتجذرة داخل المجموعات النقابية المحسوبة على النظام البائد، والتي اعتبرت قرارات المسجل بمثابة قبلة الحياة التي أعادت الحياة لـ”سندريلا” بعد موت سريري طويل، فشرعت في ممارسة نشاطها النقابي باعتبارها نقابات كاملة الصلاحية. وليس ذلك بمستغرب، فهذه العناصر لم تأتِ يوماً عبر انتخابات نزيهة، كما أن قناعتها بالديمقراطية موضع شك كبير.لن تتوقف عناصر النظام البائد عن التغول دون وجه حق على العمل النقابي نفسه، ناهيك عن أصول وممتلكات الحركة النقابية، وسوف تجد مسجل تنظيمات العمل نفسها داخل دوامة لن تتمكن من الخروج منها، وسوف تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية نتيجة قراراتها التي انحازت فيها إلى فئة معينة انقطعت علاقتها بالعمل النقابي منذ سنوات، وتعمدت فيها تغييب أصحاب المصلحة الحقيقيين في هذا الشأن.كذلك تقتضي الأمانة هنا الإشارة إلى أن قرارات المسجل الأخيرة هي في جوهرها امتدادٌ للقرار رقم 20 بتاريخ 13/10/2019م لمسجل عام تنظيمات العمل، والقرار رقم (3/2019م) الصادر من لجنة تفكيك نظام 30 يونيو 1989م، والذي تم بموجبهما حل الاتحادات المهنية واللجان التنفيذية للنقابات عبر أدوات سلطوية غير نقابية. وجميعها قرارات سلطوية فوقية لم يتم فيها استشارة أصحاب المصلحة الحقيقيين، وهذا من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها حكومة الفترة الانتقالية، إلى جانب عرقلتها إجازة قانون النقابات ومحاولتها فرض قانون مستورد سعت فيه إلى فرض رؤى ليبرالية لا تشبه واقع العمل النقابي في السودان ولا مصلحة قوى العمل والانتاج فيه وتصب فقط في مصلحة اقتصاد السوق الحر،.إن الخروج من المأزق الذي تمر به الحركة النقابية اليوم يقتضي الخروج من هذه الذهنية السلطوية، والاعتراف بكل هذه الأخطاء، ورد الأمر إلى قواعد الحركة النقابية عبر مؤتمر نقابي شامل يجمع كل المهتمين بالشأن النقابي، للتفاكر حول مستقبل العمل النقابي خلال هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، ويضع ضوابط للإشراف على أصول وأموال النقابات، ويتبني خطة لإعادة إحياء العمل النقابي على أسس نقابية صحيحة.لقد ظلت الحركة النقابية السودانية عبر تاريخها مستقلة وغير تابعة للحكومات، ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية. كما ظلت عصية على محاولات التدجين التي استماتت الأنظمة الديكتاتورية في فرضها على الحركة النقابية، فكانت محصلتها تفريخ مجموعات انتهازية لطالما آذت الحركة النقابية وعجزت عن أن تحظى باحترام قوى العمل والإنتاج في السودان. وفي الوقت نفسه، عجزت هذه المجموعات الانتهازية عن توفير الدعم السياسي المطلوب لتلك الحكومات التي صنعتها.عطفاً علي ما سبق، فكل من ينشد حركة نقابية حقيقية في السودان، عليه القبول بمبدأ استقلالية العمل النقابي وديمقراطيته، ورد الأمر إلى القواعد النقابية عبر مؤتمر نقابي شامل ونزيه، وسوف يعرف النقابيون كيف يديرون شأن نقاباتهم دون تدخل أو هيمنة.The post النقابات في مهبّ السلطة: قرارات إدارية بمعزل عن القواعد appeared first on صحيفة مداميك.