عتابٌ في مقام الأخوّة… حين يختبر الواقع عمق العلاقات السودانية المصرية

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةما حدث للأستاذ كمال إبراهيم أحمد في القاهرة، وفق ما أكدته مصادر متعددة، لا يمكن النظر إليه بوصفه واقعة عابرة أو حادثة فردية معزولة، بل هو حدث يثير أسئلة عميقة ويستدعي وقفة متأنية. فبحسب المعلومات المتاحة، تم التحفظ عليه بأحد أقسام الشرطة أثناء توجهه لإتمام إجراء إداري اعتيادي يتمثل في نقل إقامته إلى جواز سفره الجديد؛ وهي ملابسات، بطبيعتها، تزيد من وجاهة التساؤل وتفرض ضرورة التوضيح والمعالجة العاجلة بشفافية كاملة.الأستاذ كمال إبراهيم أحمد ليس مجرد رجل أعمال سوداني مقيم في مصر، بل هو من القلة التي آمنت مبكرًا—ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي—بإمكانية بناء تكامل اقتصادي حقيقي بين البلدين. كما ينتمي إلى أسرة سودانية لعبت أدوارًا معتبرة في تاريخ السودان السياسي، ما يضفي على شخصه بُعدًا وطنيًا يتجاوز الإطار الفردي. وقد ظل، عبر سنوات طويلة، نموذجًا لرجل الأعمال الذي يجمع بين رأس المال والانتماء، وبين الاستثمار والرؤية الاستراتيجية لمصير مشترك. ومن ثم، فإن المساس بشخص بهذه المكانة لا يخصه وحده، بل يبعث برسائل مقلقة إلى مجتمع واسع من رجال الأعمال السودانيين الذين ظلوا ينظرون إلى مصر بوصفها شريكًا طبيعيًا وامتدادًا اقتصاديًا وثقافيًا.إن العلاقات السودانية المصرية، الممتدة جذورها في التاريخ والجغرافيا والنيل المشترك، لا تحتمل مثل هذه الإشارات السالبة. فهي علاقة لا تقوم على المصالح فحسب، بل على تداخل إنساني واجتماعي عميق، وعلى قناعة راسخة بأن أمن واستقرار وازدهار كل بلد وثيق الصلة بالآخر. ومن هذا المنطلق، فإن أي ممارسات تُشعر السودانيين بعدم التقدير أو التمييز من شأنها أن تُضعف هذه القناعة وتفتح الباب لتآكل الثقة—وهو ما لا يخدم مصالح أي من الطرفين.ويبرز هنا تساؤل مشروع: إذا كان الأستاذ كمال، بما له من مكانة وعلاقات، قد تعرض لما تعرض له، فكيف سيكون حال السودانيين العاديين—من طلاب وعمال وأسر—يقيمون في مصر في ظروف قاسية فرضتها الحرب؟ إنه سؤال لا ينطوي على اتهام بقدر ما يعكس قلقًا مشروعًا يستدعي المعالجة.وفي سياق أوسع، تبرز قضية لا تقل أهمية، تتعلق بطبيعة التعاطي مع أوضاع السودانيين في مصر. فالتركيز على الحالات المرتبطة بشخصيات معروفة—على أهميته—لا ينبغي أن يحجب واقعًا أشمل يعيشه كثير من السودانيين والسودانيات في ظروف إنسانية صعبة. فقد ظل بعضهم رهن الاحتجاز لفترات ممتدة، شملت أيام شهر رمضان وعيد الفطر، دون تسوية أوضاعهم بالسرعة المطلوبة، بما يثير تساؤلات مشروعة حول معايير المعالجة وتكافؤ الاهتمام.كما أن استئناف حملات الضبط والتشديد عقب انتهاء امتحانات الشهادة السودانية مؤخرًا، قد عمّق من حالة القلق وسط الجالية السودانية، خاصة في ظل أوضاع استثنائية فرضتها الحرب. وهذه الإجراءات، وإن كانت مفهومة في إطار السيادة وتنظيم الوجود الأجنبي، إلا أن إدارتها تتطلب قدرًا عاليًا من الحساسية والاعتبار الإنساني، بما يراعي خصوصية الظرف السوداني الراهن.ومن هنا، فإن الدعوة إلى التضامن لا ينبغي أن تقتصر على حالات بعينها، بل يجب أن تمتد لتشمل جميع السودانيين دون استثناء، انطلاقًا من مبدأ العدالة وتكافؤ الكرامة الإنسانية. كما أن الأصوات التي ترتفع اليوم تعبيرًا عن القلق مدعوة إلى توسيع نطاق اهتمامها، بما يسهم في رفع المعاناة عن الجميع وتعزيز مناخ الثقة بين الشعوب.ولا يفوتنا التذكير بأن السودانيين، أينما وجدوا، هم شعب عظيم يستحق الاحترام والتقدير، غير أن ظروف الحرب القاسية قد شرّدتهم وأضعفت أوضاعهم، وجعلتهم أكثر عرضة لمثل هذه المواقف. وهو ما يضع مسؤولية أخلاقية مضاعفة على الدول الشقيقة والصديقة في مراعاة أوضاعهم الاستثنائية.ومن هذا المنطلق، نتوجه بنداء صادق إلى السلطات المصرية—انطلاقًا من روح الأخوّة والمسؤولية المشتركة—بضرورة النظر العاجل في هذه القضية، ومعالجتها بما يليق بمكانة مصر ودورها الإقليمي، وبما يعكس حرصها التاريخي على صون كرامة أشقائها السودانيين. كما نأمل أن تمتد هذه المعالجة لتشمل قضايا السودانيين عمومًا، بما يضمن بيئة آمنة وعادلة تحفظ حقوقهم وتعزز ثقتهم.إن مصر، بما لها من ثقل سياسي وتاريخي، قادرة على تحويل مثل هذه الحوادث إلى فرصة لتعزيز العلاقة، عبر إظهار أعلى درجات العدالة والشفافية. فالقضية هنا ليست قانونية فحسب، بل هي أيضًا قضية صورة وانطباع، وقضية مستقبل علاقة تحتاج—اليوم أكثر من أي وقت مضى—إلى تعضيد وتعزيز.وفي المقابل، لا يمكن فصل ما يحدث للسودانيين في الخارج عن جذور الأزمة في الداخل. فالحرب التي تمزق السودان اليوم تظل السبب الأول في هشاشة أوضاع مواطنيه وتعريضهم لمثل هذه المواقف. ومن ثم، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق من أشعلوا هذه الحرب ويواصلون تغذيتها، غير آبهين بما تخلّفه من معاناة إنسانية وكرامة مهدورة.ختامًا، نجدد تضامننا الكامل مع الأستاذ كمال إبراهيم أحمد، ومع كل السودانيين في المهجر واللجوء، مؤكدين أن صون الكرامة الإنسانية يجب أن يظل فوق كل اعتبار، وأن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالاتفاقيات وحدها، بل بكيفية معاملة الإنسان على أرضها.إنها رسالة عتاب… لكنها أيضًا رسالة حرص على أن تظل العلاقة بين السودان ومصر نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه علاقات الجوار: عدلًا، واحترامًا، ومصيرًا مشتركًا لا يُفرّط فيه.The post عتابٌ في مقام الأخوّة… حين يختبر الواقع عمق العلاقات السودانية المصرية appeared first on صحيفة مداميك.