)فيصل محمد صالحتناولت روايات عربية كثيرة أزمة الإنسان العربي/الشرقي في الغرب، أقصد الذي ساقته الظروف إلى الحياة في أوروبا، بالذات في فترة الثلاثينات وما بعدها حتى الستينات، حين كان الغرب طلسما مجهولا، لا يعرفه الإنسان إلا بالمعايشة والاحتكاك، عندما تأخذه الظروف للعيش هناك. وغالبا ما كان الفرد يذهب دون معرفة سابقة بالغرب ومجتمعه وحياته وقيمه، أو بصورة معرفة غامضة ومشوهة.نعرف كلنا رواية أديبنا الكبير الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” التي تعتبر نصا مركزيا في الأدب العربي الذي تناول علاقة الشرق بالغرب، وكثير من الاعمال العربية اللاحقة جاءت في ظلال موسم الهجرة أو تحاورت معها.بالطيع كانت قد سبقتها أعمال روائية أخرى، مثل ّعصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم التي صدرت عام 1938 وصورت أوروبا غالبًا كحضارة مادية مقابل روحانية شرقية. و رواية “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس التي صدرت عام 1953 وتروي قصة حب بين البطل الشرقي وفتاة فرنسية في باريس وتناقش جدلية الحب العابر للثقافات وموضوع الحرية الفردية مقابل القيود الاجتماعية. كما هناك روايات مغاربية لكاتب ياسين والطاهر بن جلون تتناول نفس الموضوع من تجربة وذاكرة مختلفة.كانت هناك ملامح مشتركة بين هذه الروايات مثل الحب كحقل اختبار حضاري من خلال العلاقة العاطفية التي تكشف الفجوة الثقافية، وحالة الازدواجية التي يعيشها الفرد وجدلية الحنين للوطن في مقابل الحرية التي يتمتع بها.لكن يجمع كثير من النقاد أن الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” قد أخرج الموضوع من الثنائية الساذجة (شرق طيب / غرب مادي) وقدّم علاقة مركبة: إعجاب + انتقام + رغبة + صراع قوة. وفي الرواية يدخل مصطفى سعيد إلى أوروبا غازيا ثقافيا، ويجعل الجسد ساحة مواجهة بين المستعمَر والمستعمر عبر علاقاته المتعددة.تمت ترجمة رواية الطيب صالح إلى أكثر من 30 لغة، وتم تصنيفها من ضمن أفضل مائة رواية عالمية، وأثرت على أجيال من الروائيين في المشرق والمغرب.كل هذا مقدمة عن التأثير الكبير الذي يمكن أن ترسمه وتخلقه الرواية في المشهد الثقافي الإقليمي والعالمي، ولدينا الآن بركة ساكن وحمور زيادة وأمير تاج السر ومنصور الصويم…وآخرون معروفون في الساحة الثقافية العربية.لكن لدي إحساس عميق بأننا ظلمنا رواية تاريخية مهمة، وهي رواية الطليعي الأسود Black Vanguard التي كتبها إدوارد عطية ونشرها عام 1952، وجدت مقالات متناثرة ولقاء يتيم في برنامج “الوراق” مع الدكتور عز الدين ميرغني.ولد ادوارد عطية بلبنان في بداية القرن العشرين ووصل للسودان مع أسرته وعمره ثماني سنوات، والده كان يعمل طبيبا، بينما كان عمه صمويل عطية يعمل في مكتب المخابرات. ذهب إدوارد لبريطانيا ودرس بجامعة أوكسفورد وعاد ليعمل أستاذا في كلية غوردون، ثم عمل بالحكومة وبمكتب المخابرات. بالمقاييس العصرية يمكن اعتبار ادوارد عطية سودانيا بحكم السنوات التي عاشها بالسودان، كما أنه كتب هذه الرواية، وهي سودانية خالصة بعد تقاعده ونشرها بإنجلترا 1952، مع كتابه الثاني الشهير “عربي يحكي قصته”.تتناول الرواية نفس ثيمة المثقف والمتعلم الذي يخرج من مجتمع تقليدي إلى أوروبا وهناك يصطدم بمنظومة قيم ومعايير حضارية مختلفة عن بيئته الأصلية، وذلك عبر قصة محمود، ابن التاجر الثري الذي يتم ابتعاثه للدراسة ببريطانيا، يعيش حياته في الجامعة وهو يناقش فلسفة ديكارت ويستمع لموسيقى بيتهوفن، ويناقش أفكار الفابيين ثم يجد نفسه زوجا لبنت عمه ذات الأربعة عشر عاما، وفي الجانب الآخر يعيش الطالب السوداني الثاني أمين قصة حب مع فتاة انجليزية يريد أن يكمل حياته معها في باريس، بينما تصر هي أن يذهبا للسودان.تدور الاحداث بين لندن وأكسفورد والسودان، تتلاقى الشخصيات الرئيسية في كل هذه المناطق وتفترق، محمود وأمين وحبيبته الإنجليزية، ثم والد محمود وزوجته الصغيرة التي تحضر لبريطانيا مع والده والمدرسة البريطانية بانرمان. ثم تنتقل أحداث الرواية للسودان حيث يعيش كل هؤلاء الابطال صراعا بين ما حملوه من ثقافة غربية وبين واقع المجتمع المحلي. ويضاف لذلك استقبال المجتمع الإنجليزي في السودان، والمكون من موظفي الإدارة البريطانية، لمحمود وأمين وزوجته الإنجليزية، والذي تراوح بين الترحيب والرفض والاستنكار.اعتمدت الرواية أسلوبا تحليليا يميل إلى التأمل الفكري، مع التركيز على البعد النفسي للشخصيات .توقعت في البداية أن تكون الرواية مملة وباردة، وأن علي أن أصبر عليها مثل أي مادة أكاديمية للدراسة، لكنها فاجأتني بإيقاعها المتوازن وأحداثها التي تشجع على التتبع وبالمتعة التي تزداد كلما أتذكر أن هذه الرواية كتبت في وقت مبكر يسبق كل الروايات المعروفة التي تناولت هذه الثيمة.في قناعتي أن هذه الرواية لم تجد مننا الاهتمام الكافي والدراسات المتعمقة فيها وفي أحداثها وتحليل شخوصها ومواقفهم. قد تكون هناك دراسة أو دراستين، لكني أقصد أننا لم نبرزها ونعرف العالم بها، فرغم القول الممكن لأن كاتبها ليس سودانيا، بتعريف ما، لكنها عننا ومننا وتنتمي إلينا، وهي نص تاريخي يستحق الاحتفاء.شكرا دار المصورات الناشرة، وشكرا للمترجم المثابر القدير بروفيسور بدر الدين الهاشمي على حوالي 560 صفحة من المتعة.صدرت الترجمة العربية للمرة الأولى عام 2020The post مؤانسة رمضانية (11): رواية الطليعي الأسود Black Vanguard .. تاريخ ما أهمله التاريخ appeared first on صحيفة مداميك.