موسى برهومةرحيل “ريتا”، أو تمار بن عامي، التي تحولت قصائد الشاعر محمود درويش عنها نشيداً ملهماً للعشاق، جدد الجدل حول العلاقة الغامضة والملتبسة بين الشاعر الفلسطيني وهذه الفنانة الإسرائلية، التي توفيت أخيراً في برلين عن عمر ناهز 79 سنة، بعد معركة طويلة مع السرطان.قُيل كثير عن علاقة الحب بين شاعر فلسطيني وفنانة إسرائيلية، والتي ظل محمود درويش يراوغ في الكشف عنها، حتى أرهقه الإنكار، فباح بالسر بعدما اطمأن إلى أن المزاج العام لمحبي شعره يمكن أن يحتمل أو يتفهم هذه العلاقة التي كانت، منذ البدء، بمثابة كرة نار تتقافز بين يديه: “لم أكن أعرف ماذا أفعل بهذا الحب، وأين آخذه”.أغنية مارسيل خليفةكان يمكن لهذه العلاقة، التي استمرت خمسة أعوام، أن تنطفئ لولا أن مارسيل خليفة لحنها وقدمها بعذوبة، مما أعطى، ربما، مبرراً لدرويش بألا ينظر إلى العلاقة مع ريتا على أنها نزوة عابرة. المؤكد أن صاحب “لا تعتذر عما فعلت” ظل مولعاً بفكرة الجمال الذي يتجسد في أعلى ذراه وأكثرها صفاءً من خلال المرأة. لقد مر تحت جسر قلبه كثير من النساء اللائي لم يمكثن طويلاً، بيد أن ريتا سكنت شعره، وأقامت في الذاكرة ولم تغادرها على رغم اللقاء العابر و”الغادر” الذي جمعهما في باريس، ورويت عنه حكايات كثيرة تتصل بتردد درويش في لقاء حبيبته العتيقة. وأمام إلحاحها التقاها قليلاً، بعدما دعاها إلى شقته في باريس أواخر عام 1989 وكان، كما روت، فاتراً مرتبكاً، ثم أنهى اللقاء بصورة مفاجئة بعد تلقيه اتصالاً (قيل إنه من ياسر عرفات)، وذكر أن أسباباً أمنية وراء هذا القطع المؤلم للقاء.درويش وريتا: ملف أمنيإذا صحت هذه الروايات، فمعناه أن علاقة درويش بريتا أضحت ملفاً أمنياً. وبناء على هذه المعطيات اضطر درويش لا إلى إنهاء اللقاء بل إلى إنهاء العلاقة، معلناً لريتا بعد طول إلحاح لتجدد اللقاء ثانية: كفاكِ رومانسية. “أنت لست حبيبتي”.بين ريتا ومحمود درويش علاقة حب انتهت منذ أن غادر فلسطين (سوشيل ميديا)الأرجح أن هذا التصريح الجارح صدر، ربما، بناءً على أوامر عليا، لأن من ينكر حبه بهذه الصورة، لا يمكن أن يكتب رسائل متأججة: “لا أعرف كيف أستهل محادثتي معك وكيف أنهيها، لكنني راغب في البوح لك، تماري الحلوة، إن قبلتك الخاطفة كانت كقبلة عصفور، وهي قبلة إنسانية نجحت في تطهير الفؤاد تماماً من كل ظن، سؤال، شك وكراهية”، بحسب ما كشفت رسالة كتبها درويش، بالعبرية لتماري، بحسب ما ورد في الفيلم الوثائقي “سجل أنا عربي” للمخرجة ابتسام مراعنة 2014، وتم بدعم إسرائيلي، كما راج آنذاك، على رغم أن محتواه لا يتضمن إساءات وطنية أو تنازلات سياسية.تصريح ملتبسبيد أن هذا الفيلم الذي تخللته رسائل متبادلة بين درويش وريتا بخط يده، تخلله أيضاً عبارات ملتبسة صرح بها درويش بالعبرية، فبسؤاله: “ألا تزال مواطناً إسرائيلياً؟” يجيب درويش: “كنت مرة، لكنني لا أدري الآن”!تكشف (ريتا/ تمار/ تماري) في الفيلم أن بداية علاقتها مع درويش بدأت بعد رقصة أدتها في مقر الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) عام 1962. كان درويش ذا الـ22 سنة، وكان عمر الفتاة آنذاك 16 سنة، ليفترقا بعدما استدعيت تمار إلى الجندية في سلاح البحرية بالجيش الإسرائيلي، بعدما وقعت حرب عام 1967، فمزقت الأرض والحب معاً، ووضعت درويش أمام مفترق طرق: الحب، أم الوطن؟في “شتاء ريتا الطويل” يسائل الشاعر هواجسه: “لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق/ ونظرت تحت/ نظرت فوق/ نظرت حول/ فلم أجد/ أفقاً لأنظر، لم أجد في الضوء إلا نظرتي/ ترتد نحوي”.تأثر محمود درويش بقرار ريتا الالتحاق بجيش الاحتلال الإسرائيلي، وربما كان ذلك نقطة التحول الكبرى، لا سيما أن عزم درويش على إنهاء العلاقة أو “تجفيفها” جاء بدوافع سياسية ووطنية، وهو ما أورده في كتابه “يوميات الحزن العادي”، مستعيداً مناخات هزيمة 1967: “عدت إلى زنزانتي من جديد، وفكرت بها، ماذا تفعل الآن؟ كانت في مدينة نابلس، أو في مدينة أخرى. واحدة من الفاتحين تحمل بندقية خفيفة. ولعلها في تلك اللحظة كانت تأمر الرجال برفع أياديهم، أو الركوع على الأرض، أو لعلها كانت تشرف على استجواب، أو تعذيب فتاة عربية في مثل سنها، وفي مثل جمالها السابق”.ولكن، هل يعني ذلك أن ريتا “كنستها المدينة مع باقي المغنين والتي لا تزال صورتها تأتيك بعد 30 عاماً مع سنبلة أكملت عمرها في البريد، وراء الخريف البعيد؟”. هكذا سألت الصحافية إيفانا مرشليان الشاعر في حوار أجري عام 1991، وصدر عام 2014 في كتابها “أنا الموقع أدناه محمود درويش”. الحب في واقع الحربكانت الإجابة: “ريتا، ليست اسم امرأة. هي اسم شعري لصراع الحب في واقع الحرب. هي اسم لعناق جسدين في غرفة محاصرة بالبنادق. هي الشهوة المتحدرة من الخوف والعزلة دفاعاً عن بقاء كل من الجسدين في ظرف يتحاربان فيه خارج العناق. منذ 25 عاماً يوقظ الشتاء موقع ذلك الوجع، إذ لسعتني الأفعى. لا، لم يكن حباً، بقدر ما كان حادثة ومفارقة، واختباراً لإنسانية الجسد في تحرره من الوعي. كأنها، كأن هذا الاسم كان يغني، بعد الصهيل، ذلك الصمت البعيد البعيد الذي يأخذ كل واحد منا إلى منفاه الذي لا يتجاور مع منفى الآخر. كان يغني بلغة لا أفهم منها غير اغترابنا وتلاشي الظل في الظلام. ولكننا ندعي ملكية الزنبقة ذاتها” .ويتابع درويش: “لم يكن في وسع هذه الرغبة أن تنطفئ تدريجاً. كان عليها أن تحترق وأن تحرقنا. وكان على كناسي الشوارع أن يكنسوا الحادثة ومغنيها في الصباح. لا لأن حكايات شهرزاد قد انتهت، بل لأنها قد بدأت. ولأنه ليس في وسع الجسد أن يسرق الجسد كثيراً، على مرأى من بنادق الحراس”.نجا درويش من ضجيج العلاقة، واستل نفسه من التورط في تعكير المزاج الوطني لعشاق شعره، ولكونه في معنى من المعاني ضمير شعبه والناطق بلسان أشواقه. ربما هرب من معضلة أو تهمة “التطبيع العاطفي” لكن صورة ريتا بعينيها العسليتين، لم تبرح ذاكرة الشاعر الذي وعد في حواره مع مرشليان: “سأبحث عنها مرة أخرى في جسدي، وربما تستطيع قصيدة ما أن تجدها… ربما!”. The post “ريتا” ومحمود درويش: حب في غرفة محاصرة بالبنادق.. فنانة إسرائيلية في علاقة إشكالية مع شاعر فلسطين appeared first on صحيفة مداميك.