بثينة تروسلقد ازدادت غربة الإنسانية وحاجتها إلى السلام في ظل التعقيدات السياسية وتطور الأسلحة، بما جعل البشرية تواجه مخاطر وجودية حقيقية. فرغم أننا نعيش عصر ثورة المعرفة والتطور المتسارع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل الرفاهية غير المسبوقة، إلا أن المدينة بدأت تتهاوى سريعاً نحو منطق الغابة. وأدل على ذلك ما يجري الآن من حرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، والتي امتدت نيرانها إلى دول الخليج والشرق الأوسط، مخلفة دماراً وفوضى وعدم امان وخسائر بشرية جسيمة. إن محاولة تغيير الأنظمة القاهرة لشعوبها والمتحكمة في مصائرها كنموذج نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر القوة العسكرية ليست سبيلًاً ناجعاً موصلاً للغايات، ففي تقديري، نظام الملالي بقيادة المرشد علي خامنئي الذي دام لأربعة عقود، لا يمكن تغييره بالصواريخ الباليستية والحرب، لأنه نظام قائم على عقيدة دينية راسخة. وكذلك إسرائيل، التي تتبنى خطاب تطهير إيران من نظام خامنئي، لا تختلف في جوهر الأمر من حيث توظيف العنف لحماية ما تراه عقيدة أو مشروعاً وجودياً.لذلك، لا إسرائيل ولا ترامب مخوّلان أخلاقياً لإحداث تغيير في أنظمة لا تقيم وزناً لشعوبها بحجة فرض الديمقراطية. فاستخدام القوة لفرض رؤية إصلاحية ليس إلا استبدالاً لعنف بعنف أشد منه، وتجاهلاً لنمو وعي الشعوب وثوراتها التي تناضل من أجل انتزاع حقوقها بأدوات التغيير السلمي. فالتغيير الحقيقي هو الذي يحفظ استمرار الحياة للأجيال الشابة المنوط بها إحداث التحول الفعلي، ولو طال الزمن، ويتجنب تدمير البنية التحتية التي بنتها تلك الدول بعرق أبنائها، في وقت يعاني فيه العالم أزمات اقتصادية وشحاً في الموارد. كما أن الحروب كثيرا ما تتحول إلى أسواق عالمية للسلاح، وتستثمر في خدمة مصالح اقتصادية كبرى تحت غطاء نشر القيم أو حماية الشعوب.أن نظام الملالي، في وعي غالبية معتقديه، عقيدة إسلامية أكثر منه نظاماً سياسياً لذلك فهو لا يموت بالضربات العسكرية الصاروخية لأنه متجذر في عقول أنصاره من الشيعة. ولهذا يتخوف كثيرون منهم على النظام باعتباره جزءً من معتقدهم الديني. فالتخلي عن مفهوم (الدولة الإسلامية الإيرانية) أي النظام المتطرف، قد يفهم لديهم بوصفه تخلياً عن الإسلام نفسه، بينما قد يرون في التخلي عن النظام السياسي أمراً مقبولًا إذا ثبت فشله في بناء دولة تحقق العدالة والكفاءة الإدارية علي ضوء الاحكام الإسلامية بحسب زعمهم.ومن هنا فإن قرار إسقاط النظام الإرهابي أو الاستمرار فيه يجب أن يكون فعلاً صادراً من الشعب ووعيه بخطورة الاستبداد والتطرف والتوظيف الديني للسياسة، لا نتيجة صلف قوى خارجية ذات اجندة خفية. ولا يختلف في ذلك دونالد ترامب، الذي يكرر (ان الله أنقذه ليجعل أمريكا عظيمة) وان ركيزة بناء أمريكا (امة واحدة تحت قيادة الله)، بالرغم من ان الدستور الأمريكي لا يسمح للكونغرس الأمريكي بتحديد دين! وهو ما يعكس أن الصراع في كثير من أبعاده ذو طابع عقائدي، وجيوسياسي معلن أو مبطن، فإسرائيل في هذه الحرب تسمي الصواريخ البالستية التي أطلقتها علي إيران (بسفر التكوين) و(زئير الأسد) بحسب التوراة. الشاهد، يبقى السبيل الأسلم الحصيف هو الالتزام بالدبلوماسية في حل الأزمات السياسية، وعدم الإغراق في العنف الذي سيولد عنفاً مضادا يزعزع أمن المجتمعات من داخلها. فالتجارب أثبتت أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية يخلف فراغاً وفوضى أكثر مما يحقق استقراراً، بدليل ما جرى في العراق بعد عام 2003، وفي ليبيا عام 2011، وكذلك في أفغانستان بعد التدخل الدولي، إذ إن إزالة رأس النظام لا تعني تأسيس نظام بديل أقل عنف.وبالطبع، لا يعني هذا دفاعاً عن النظام الإسلامي الإيراني أو عن أي نظام عقائدي يوظف الدين لضمان بقائه في الحكم. فقد شهدنا نماذج في دول أخرى، مثل تجربة الإسلاميين في السودان، حيث ألتحف المشروع السياسي بغطاء ديني، وانتهى الأمر بإطالة أمد الحكم دون تحقيق دولة المشروع الحضاري المزعوم. فالأنظمة ذات التوجه العقائدي تحرك العقل الجمعي بالعاطفة الدينية لضمان استمرارها في السلطة، وكذلك الأنظمة العلمانية المفروضة سياسيا بالسلاح ولا تعني بطبيعة التكوين الديني والعقدي لشعوبها لا تقدم غير مشاريع رغائبيه. إن تغيير الأنظمة الاستبدادية لا يتحقق بقوانين الغابة، فالعنف الخارجي لا يصنع حرية ولا ديموقراطية، بل يعيد إنتاج القهر بأدوات مختلفة. والتغيير، وإن طال، يظل مرهونا بإرادة الداخل وببناء وعي جمعي يرفض الاستبداد والإرهاب ويرفض في الوقت ذاته استبداله بالعنف.The post لا عبرة بتغيير الأنظمة الإرهابية بقوانيين الغابة! appeared first on صحيفة مداميك.