فيصل محمد صالحفي مايو 2019، والبلاد في خضم الثورة والاعتصام، أغمض الشاعر الرقيق عزمي أحمد خليل عينيه للمرة الأخيرة بعيدا.. بعيدا عن الوطن الذي أحبه وعشقه، وكان قدره أن يمضي بهدوء لا يتناسب وحضوره الشخصي الصاخب في حياته ومع أصدقائه.خرج عزمي من حلفا، ومر ببورتسودان وكسلا، ثم وجد الجو والبيئة المناسبة لشعره في جامعة القاهرة فرع الخرطوم في نهاية السبعينات وكانت وقتها تمور بالنشاط الثقافي والفني والسياسي، وتمتلئ بالشعراء والمبدعين …والجميلات من كل أنحاء السودان.كان يحب الحياة، وعاشها طولا وعرضا، وكتب من تجاربه العديدة التي كان يعبرها بسرعة…ولم يستقر إلا بعد حين. كان طابع شعره منذ بداياته مليئا بالحزن والشجن، يعبر عنه يكلمات بسيطة ومباشرة وباللغة اليومية فدخلت سريعا في قلوب العاشقين المجروحين وصارت ترنيمة القلوب المكسورة والغزالات الجريحة. كانت الأغنيات تنتشر عبر شرائط الكاسيت، فدخلت اغنياته كل بيت، وتبادلها العشاق في رسائلهم البريئة التي يشكون فيها من نار الجوي وألم الفراق“يعني كيفن ما بريدك..؟ ما براك شايفاهو ريدي، في كلامي وفي سلامي…وفي قليبي الشايلة إيدك، كل كلمة ادور اقولا… تبقى قاسية وقت اجيك ، وانسى كل العايز اقولو …من عينيا تشوف عينيك ،وانتي عارفة البيا كلو …وبرضو زي الماعليك ..يا حليل قلبي البيريدك”…كما غناها خوجلي عثملن.طافت كلمات عزمي على فنانين كثر، لكنها وجدت مستقرها في صوت يشابه كلماته، مترع بالوجد والشجن، هو صوت الفنان هاشم ميرغني، فشكلا ثنائيا ساد تلك المرحلة واختطف نجوميتها، وصارا معا الصوت الرسمي للحزانى والمتعبين والمهجورين.لا أعرف ترتيب أغنياتهما وبدايتها، لكن في المرحلة الأولى كانت “حان الزفاف”.. نشيد العلاقات الخاسرة التي تنثر دمها على ّكوشة الزفاف”“حان الزفاف…وأنا حالي كيفن أوصفوا، يا ريت هواك لي ما انقسم…ولا قلبي ريدك نزفوا، قالوا البحب..الدنيا ياما تشوفوا، تشقيه بي فرق العزيز، بالحسرة ريقو تنشفو، وإنشاء الله ما يحصل فراق..لاتنين بعد يتولفواّ”وتواصلت المسيرة المشتركة عبر عشرات الأغنيات، ذات الموضوع الواحد والجرح الذي لا يندمل، حتى قال بعض الظرفاء من أصدقاء عزمي أنه وهاشم ميرغني لديهما أغنية واحدة طويلة، يقومان كل فترة بتقديم جزء منها. وبلغ الانسجام بينهما أن في بعض الحالات كانت الكلمات تُكتب وتلحن وتقدم في نفس اليوم.قدم عزمي وهاشم معا عندي كم في الدنيا زيك، فراق ليلتين، يعني ما مشتاقة لي، ثم أسة خايف من فراقك..“أسة خايف من فراقك ..لما يحصل ببقى كيف، زي ورد في عز نداهو..خوفو بكرة يزورو صيف، الفرح في دربي عارفو.. أصلو ما بيطول كتير، زي غمام في سمايا عدي ..وسابني في عز الهجير، كم فراش علي وردة طلً..أصلو ما قايلا بيطير، فات وراح شايل شذاها ..خوفي من نفس المصير”وعنى هاشم ميرغني من كلمات عزمي أيضا فراق ليلتين، عشان أهلك بخليكي، عندي كم في الدنيا زيك، ما خلاص نحن افترقنا، مات الهنا وغيرها كثير.تلاقى شعر عزمي مع صوت الفنان حمد الريح في ” رجيتك وفي انتظار عينيك…كملت الصبر كلو..أنا وأشواقي والساعة.. ميعادك جينا من قبلو” و ” الظروف يا حلوة دايما..لي عيون حلوة بتجيبنا” وهي من ألحان العاقب محمد حسن.وغنى له الفنان أبوعبيدة حسن في عز توهجه الفني ” والله ما رضيناها ليك.. تغمر الدمعات عينيك…رغم كل خصام ولوعة…برضو شفقانين عليك”، وعنى الهادي الجبل “ما اتعودت أخاف من قبلك…إلا معاك حسيت بالخوف”، وعبد العزيز المبارك ” سمحة الصدف البيك جمعتنا” كما غنى له سيف الجامعة والموصلي وعبد الوهاب الصادق والعطبراوي وغيرهم كثر.وكانت درة أغنياته هي “ما سلامك” التي لحنها عبد اللطيف خضر وغناها الفنان مجذوب أونسة“ده ما سلامك ، ولا الكلام الكان زمان ..هسي كلامك ، ولاّ يعنى نويت تسيبنا ,,في الخريف تحرم غمامك، جينا بعد الفرقه نسأل ..جينا نلقى محنه عندك ، نحكي ليك عن ليل شقانا..وعن متاهات نجمو بعدك ، نحن سالمناك بطيبة ..وياما بكى عيوننا ردك ، ليه زمان اديتنا ريدك ..وجيت حرمتنا تاني ودك ، وقلبنا الجرحت خاطرو..وبرضو ما قادر ملامكّومن آخر أعماله غنت له الفنانة المعتزلة عافية حسن من ألحان الموسيقار أحمد المك “بحسب ليك في الأيام…عشان ترجع تعود قوام، حبيبي الدنيا دار فرقة.. وما معروفة لي قدام”صحيح أنها دار فرقة، رحم الله عزمي أحمد خليل الذي أثرى حياتنا ورطب وجداننا بكلماته الجميلةThe post مؤانسة رمضانية (12) عزمي أحمد خليل قيثارة الحزن والشجن appeared first on صحيفة مداميك.