الحرب الأمريكية على إيران: الانتحار الاستراتيجي ونسيان دروس التاريخ

Wait 5 sec.

عمار الباقرحينما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء الاختبارات الأولى لنظام القطب الواحد باختطاف الجنرال مانويل نورييغا في بنما في 19 ديسمبر 1989، وقيادة حرب الخليج الأولي 17 يناير 1991، علق أحد الخبراء الأمنيين بأن الولايات المتحدة ستواجه أعداءً مجهولين في المرحلة المقبلة، وقد كان.!!فسرعان ما انقلب عليها حلفاء الأمس من المجاهدين والأفغان العرب بعد أن رأوا بأم أعينهم كيف قامت الولايات المتحدة الأمريكية باحتلال أقدس بقعة من الأرض لديهم، وقاموا بتحويل حكامها إلى مجرد وكلاء للانتداب الأمريكي في منطقة الخليج العربي. فاندلعت بذلك أكبر موجة من الإرهاب في العصر الحديث، لا يزال العالم يعاني من تبعاتها حتى يومنا هذا. واليوم، ترتكب الولايات المتحدة الأمريكية ذات الحماقة في كل من فنزويلا وإيران، وكأنما الحماقة في العرف الأمريكي تطلب التكرار.إن قرار الحرب ليس قراراً عسكرياً محضاً، بل هو قرار استراتيجي مكوَّن من عدة عوامل، أهمها العوامل السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية، ولا يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا. وهذا ما لم يحدث في حالة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران. فقد أعلنت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أن هدف هذه الحرب هو إسقاط النظام في إيران، مبررتين بذلك إقدامهما على اغتيال المرشد العام للثورة الإسلامية وكل عائلته، بما في ذلك زوجته وابنه وزوجة ابنه وأبنائهما. في تجاهل كامل للعامل الثقافي والأيديولوجي الذي شكل جزءاً كبيراً من حقائق التاريخ والجغرافيا في هذه المنطقة. وأعني بذلك الأيديولوجيا الشيعية القائمة على رمزية معركة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين بن علي. فمن صلب هذه الأيديولوجيا، طور نظام آيات الله في إيران ثنائية “المستكبرين” في مواجهة “المستضعفين”، التي لا تعترف بميزان القوى في حرب المستضعفين ضد قوى الاستكبار. وتكون ذروة هذا النضال هي الاستشهاد وإعادة تجسيد معركة كربلاء كأكبر مأثرة في الأيديولوجيا الشيعية.إن توهم ترامب أن المرشد الإيراني هو العائق أمام مشروعه السياسي في السيطرة على النفط الإيراني لخنق الصين والسيطرة على موازين التنمية فيها، على نسق ما حدث في فنزويلا، فسوف يكون ذلك الخطأ الذي لن يستطيع تصحيحه. فهو اليوم يواجه قادة الحرس الثوري الإيراني من ذوي التكوين الأيديولوجي الصرف، الذي لا يعترف بقوانين السياسة ويتوقون إلى الشهادة بنفس الطريقة التي استشهد بها إمامهم الأكبر الحسين بن علي. كما أنه يواجه قادة القوات المسلحة الإيرانية الذين تمرسوا في قتال الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وفوق كل ذلك، يواجه شعباً فخوراً قد جُرحت كرامته بالاعتداء على قادته ومقدراته، ولا يقبل إطلاقاً أن تتحول بلاده إلى فنزويلا أخرى أو إلى دولة انتداب جديدة في المنطقة على شاكلة دول مجلس التعاون الخليجي، وسوف يقاوم كما قاوم الشعب العراقي الباسل.إن كان الإرهاب السني منذ بداية التسعينات وحتى يومنا هذا قد آذى الغرب وبقية العالم بشدة، فلا نتوقع من الإرهاب الشيعي أن يكون أقل قسوة في ذلك، هذا إن نجح نتنياهو وترامب في الانتصار وتحقيق الأهداف المعلنة لحربهما معاً، والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني والقضاء على مشروعها النووي وبرنامج الصواريخ الخاص بها.أما إذا ما استمرت الحرب، فستزداد احتمالات تحولها إلى حرب عالمية بتدخل دول جديدة فيها. فالصين التي تدرك أنها ستكون الخاسر الأكبر من هذه الحرب بفقدانها أكبر مورد للنفط بعد فنزويلا، لن تقف مكتوفة الأيدي وستعمل على الدفاع عن إيران، وهو ما ألمحت إليه التصريحات الصينية الأخيرة. كما أنه وتحت وطأة الضربات الموجهة إلى منشآت النفط والغاز وإغلاق طرق الملاحة في منطقة الخليج العربي، ستضطر أوروبا إلى التدخل إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة لحماية مصالحها في المنطقة، وهو ما سيدعو روسيا إلى التدخل إلى جانب إيران دفاعاً عن مصالحها هي الأخرى في مواجهة أوروبا.لقد ارتكب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بغروره وتهوره وانقياده خلف مغامرات بنيامين نتنياهو، الخطأ الذي سوف يجعل منه آخر رئيس أمريكي يمكنه التحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الرئيسية في العالم. فهو إن نجح في الانتصار وتحقيق أهداف حربه مع إيران، فستغوص الولايات المتحدة الأمريكية في موجة من المقاومة والإرهاب الشيعي الذي سيضرب بقوة كل المصالح الأمريكية في المنطقة، كما لا أستبعد أن يطال الأراضي الأمريكية نفسها. وهذا الخطر إلى جانب كلفته الأمنية، سيكون له ثمنه الاقتصادي الفادح الذي سيفرغ الخزانة الأمريكية المنهكة أصلاً في سباقها مع الصين. أما إذا ما طال أمد الحرب وتوسعت، فسيؤدي ذلك إلى إفلاس الدول الغربية بشكل عام في مواجهة الصين وروسيا والهند والبرازيل، وحينها لن يكون هناك مشروع مارشال لإنقاذها من مصير محتوم.للأسف الشديد، كان من الممكن أن توفر هذه الظروف فرصة ثمينة لبلادنا للنمو والافلات من أطماع دول العالم والإقليم المشغولة بنفسها اليوم في مواردنا ومقدراتنا. وكانت ستوفر لبلادنا هامشاً معقولاً للمناورة والاستفادة من تناقضات هذا النزاع. لكننا وللأسف الشديد نعاني من قادة لا ينظرون أبعد من أرنبة أنوفهم، ولا يرون في الأمر أبعد من كراسٍ بائسة هي في حقيقة أمرها أقل من كرسي حارس مبنى متوسط في دولة محترمة، فهم في حقيقة امرهم تجسيد لانحطاط قضية الحكم في بلادنا.إن حالة انحطاط الحكم التي تعاني منها بلادنا ما كان لها أن تحدث لولا تجاهل الشعب السوداني بمختلف طبقاته وفئاته لمجموعة فاسدة وضعيفة العقل والقدرات بما سمح لهم بالسيطرة على المشهد السياسي في بلادنا. قوى تتقاصر مخيلتها عن رؤية ما هو أبعد من لعب دور التابع وبيع المواد الخام. لقد اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أنه إذا ما أردنا لبلادنا السلامة وطول البقاء، فعلينا أن نعمل على تنظيم أنفسنا وأخذ زمام المبادرة من هؤلاء، ورسم خارطة طريق لبلادنا بعيداً عن أوهام التبعية والخنوع، حتى لا يصل بنا الحال إلى ما وصلت إليه دول مجلس التعاون الخليجي في الحرب الدائرة اليوم.The post الحرب الأمريكية على إيران: الانتحار الاستراتيجي ونسيان دروس التاريخ appeared first on صحيفة مداميك.