بين انهيار البنية الصحية واستحالة الاستدعاء الرمزي: لماذا لن يعود الأطباء إلى السودان دون وقف الحرب؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةيمثل التسجيل الذي أدلى به الدكتور عبدالسميع عبدالله العميد المكلف لكلية الطب بجامعة الخرطوم، حول واقع كلية الطب، من حيث تدهور قاعات المحاضرات وعزوف الكوادر الأكاديمية والطبية، شهادة حية على عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها القطاع الصحي والتعليمي في السودان. وهي أزمة لا يمكن اختزالها في نقص الموارد أو ضعف الإدارة، بل ترتبط ارتباطاً عضوياً بالسياق السياسي العام، وعلى رأسه استمرار الحرب واستنزاف الدولة لمواردها في مسارات غير إنتاجية. وفي هذا الإطار، تأتي دعوة وزير الصحة الاتحادي لعودة الأطباء من الخارج لتثير تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية هذه الطروحات في ظل غياب الشروط الموضوعية لنجاحها.ما أشار إليه الدكتور عبدالسميع بشأن تدهور البنية التحتية لكلية الطب ليس حالة استثنائية، بل هو انعكاس لانهيار شامل طال مؤسسات التعليم العالي في السودان. فالقاعات الدراسية التي يفترض أن تكون حاضنة لإنتاج المعرفة الطبية أصبحت عاجزة عن أداء أبسط وظائفها، في ظل غياب الصيانة، وانعدام التجهيزات، وتراجع الكادر الأكاديمي.هذا التدهور لا يمكن فصله عن سياسات الدولة التي أولت الأولوية للإنفاق العسكري على حساب التعليم والصحة، مما أدى إلى تفريغ الجامعات من كوادرها المؤهلة، ودفعها إما إلى الهجرة أو الانخراط في قطاعات بديلةمن الخطأ تفسير هجرة الأطباء أو عزوفهم عن العمل في القطاع العام كنتيجة مباشرة للحرب فقط؛ إذ إن هذه الظاهرة سبقت الحرب بسنوات، نتيجة لعوامل هيكلية، من أبرزها:* تدني الأجور بشكل لا يتناسب مع تكلفة المعيشة أو مستوى التأهيل* غياب بيئة العمل المهنية الآمنة* ضعف فرص التدريب والتخصص داخل البلاد* تدهور البنية التحتية للمستشفيات التعليميةوقد أدت الحرب إلى تعميق هذه الأزمة، عبر تدمير المؤسسات الصحية، وتشريد الكوادر، وفقدان الأطباء لممتلكاتهم ومدخراتهم، مما جعل خيار العودة أكثر كلفة وخطورة.أي محاولة لاستعادة الكوادر الطبية من الخارج يجب أن تنطلق من تحليل واقعي لفجوة الحوافز. فالطبيب السوداني في الخارج يعمل في بيئة:• مستقرة أمنياً ومهنياً• مجهزة بأحدث التقنيات الطبية• توفر دخلاً مرتفعاً يضمن له ولأسرته حياة كريمة• تحميه قانونياً من أي اعتداء أو انتهاكفي المقابل، يواجه الطبيب داخل السودان:* بيئة عمل طاردة تفتقر لأبسط المقومات* ضعفاً شديداً في الأجور* مخاطر أمنية داخل المؤسسات الصحية* غياب الحماية القانونية الفعليةفي ظل هذه المعادلة، تصبح الدعوة للعودة أقرب إلى نداء أخلاقي أو عاطفي، لا يستند إلى أسس اقتصادية أو مهنية واقعية.تثير دعوة وزير الصحة تساؤلات مشروعة حول مدى استنادها إلى رؤية استراتيجية واضحة. ومن أبرز الأسئلة التي تظل بلا إجابة:1.هل تم إجراء مسح شامل للوضع الصحي الحالي؟2. ما هي نسبة جاهزية المؤسسات العلاجية؟3. ما حجم العجز في الكوادر الطبية والمساعدة؟4. ما هي خطة توفير المعدات والمستهلكات الطبية؟5. كيف ستتم معالجة بيئة العمل الطاردة؟إن غياب الإجابة على هذه الأسئلة يعكس خللاً في منهجية اتخاذ القرار، ويحول المبادرات إلى مجرد شعارات غير قابلة للتنفيذ.لا تقل مسألة الكرامة المهنية أهمية عن الأجور. إذ تشير الوقائع إلى تعرض الأطباء في السودان لانتهاكات متكررة داخل أماكن عملهم، تصل أحياناً إلى الاعتداء الجسدي، في ظل غياب تام لتطبيق القوانين الرادعة.وفي المقابل، توفر العديد من الدول التي يعمل بها الأطباء السودانيون أنظمة صارمة لحمايتهم، تصل فيها العقوبات إلى الغرامات الكبيرة والسجن. هذا التفاوت يعمّق من شعور الأطباء بانعدام القيمة المهنية داخل الوطن.تعاني المنظومة الصحية من اختلال حاد في توزيع الخدمات، حيث تتركز الإمكانيات المحدودة أصلاً في مناطق معينة، بينما تعاني مناطق واسعة من انعدام شبه كامل للخدمات.كما أن التوسع الكبير في كليات الطب – دون إنشاء مستشفيات تعليمية موازية – أدى إلى تخريج أعداد كبيرة من الأطباء دون توفير بيئة تدريب مناسبة، مما ساهم في تدهور جودة التعليم الطبي.منذ تسعينيات القرن الماضي، اتجهت الدولة نحو سياسات الخصخصة، مما أدى إلى:تراجع دور القطاع العام في تقديم الخدمات الصحيةصعود القطاع الخاص كمقدم رئيسي للخدمةزيادة الفجوة بين القادرين وغير القادرين على الحصول على العلاجهذا التحول أضعف ثقة المواطنين في النظام الصحي العام، وقلل من جاذبيته للعمل بالنسبة للأطباء.لا يمكن فصل كل ما سبق عن العامل الحاسم: استمرار الحرب. فالحرب لا تستهلك الموارد فحسب، بل تدمر البنية المؤسسية، وتعيق التخطيط، وتخلق بيئة طاردة لكل الكفاءات.وبالتالي، فإن أي حديث عن إصلاح القطاع الصحي أو استعادة الكوادر الطبية يظل غير ذي جدوى ما لم يُعالج هذا السبب الجذري.إن استعادة الأطباء السودانيين من الخارج لا يمكن أن تتحقق عبر الدعوات وحدها، بل تتطلب:1. وقف الحرب كشرط أولي لا غنى عنه2. إعادة بناء البنية التحتية الصحية والتعليمية3. تحسين الأجور بما يحفظ كرامة الطبيب4. توفير بيئة عمل آمنة ومحفزة5. تفعيل قوانين حماية الكوادر الطبية6. رفع الإنفاق على الصحة إلى مستويات عادلة (لا تقل عن 10% من الميزانية)7. تبني رؤية وطنية شاملة لإصلاح القطاع الصحيفي غياب هذه الشروط، ستظل دعوات العودة مجرد تعبير عن حسن النوايا، لكنها غير قادرة على تغيير الواقع.خلاصة القولإن الطبيب السوداني لم يفقد انتماءه لوطنه، لكنه يواجه واقعاً يستحيل معه العطاء. وبين خطاب الدولة الذي يدعو للعودة، وواقع المؤسسات المنهارة، تتسع فجوة الثقة. ولن تُردم هذه الفجوة إلا بقرار شجاع: إيقاف الحرب، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة.عندها فقط، لن يحتاج الوطن إلى دعوة أبنائه للعودة… بل سيعودون إليه بدافع الانتماء وحده.The post بين انهيار البنية الصحية واستحالة الاستدعاء الرمزي: لماذا لن يعود الأطباء إلى السودان دون وقف الحرب؟ appeared first on صحيفة مداميك.