*بقلم آندي هارينغتونتتفاقم الأزمة في السودان بعيدًا عن الأنظار، حيث يواجه الملايين الجوع والنزوح والعنف بينما ينصرف اهتمام العالم إلى أماكن أخرى. هذه الرواية المباشرة تتجاوز تجريد الإحصاءات، وتذكرنا بأن الناس الذين يعيشون في ظروف قاسية لا تُصدق يُظهرون إنسانيةً تفوق ما يُظهره لهم العالم.في الأسبوع الماضي، التقيت (مودة) (تم تغيير الاسم لأسباب أمنية) في مخيم للنازحين في بورتسودان، بعيدًا عن المنزل الذي اضطرت إلى الفرار منه عندما اندلع القتال في الفاشر.قُتلت والدتها في القصف، وأُصيبت (مودة) بجروح بالغة. جمع إخوتها كل ما يملكون – ما يكفي بالكاد لتأمين هروب شخص واحد. اختاروها لأنها كانت مصابة.تعيش (مودة) الآن وحيدة في المخيم، بلا عائلة، ولا طعام، ولا مال لشراء الدواء بعد خضوعها لعملية جراحية. في اليوم الذي التقيت بها فيه، أرتنا المكان الذي تنام فيه – بطانية على أرض صخرية داخل خيمة أحد الجيران – لأن خيمتها قد انهارت. أتمنى لو أستطيع القول إن قصة (مودة) حالة استثنائية في السودان. لكن هذا الموقع يشهد أكبر أزمة إنسانية في العالم، لذا فإن قصتها ليست حالة شاذة. إنها الواقع اليومي لملايين الأشخاص الذين يواجهون الجوع والنزوح والعنف والصدمات النفسية، دون ذنبٍ لهم. هناك حوالي 33 مليون شخص في حاجة إنسانية ماسة، من بينهم 19 مليون شخص يعانون من جوع حاد. قبل هذه الرحلة، كنت أفهم أزمة السودان نظرياً. كنت أقرأ الإحصائيات والعناوين الرئيسية يومياً. لكن إلى أن وطأت قدماي هذا المخيم، مستخدماً جميع حواسي لأختبر الحرارة والغبار والجوع، لم أستطع أن أدرك حقاً مدى إلحاح الحاجة.هذا ليس مخيماً تديره أي منظمة. نتيجةً لتخفيضات الميزانية، اضطرت الأمم المتحدة إلى الانسحاب من المخيمات في بورتسودان لتوجيه اهتمامها إلى المناطق التي تعاني من أسوأ الظروف. لكن ما كان مؤثراً للغاية أن نشهده لم يكن الحرمان فحسب، بل الكرم العميق الذي أبداه الناس الذين التقينا بهم. وبينما كنا نمر بخيمتها، خرجت امرأة تحمل طبقًا من المعجنات التي صنعتها بنفسها وقدمتها لنا. كنت قد تناولت طعامي بالفعل ولم أكن جائعًا، لكنني كنت أعلم أن كرم الضيافة متأصل بعمق في الثقافة السودانية، وأن رفض هديتها لنا سيُعدّ إهانة لها. لم أستطع إلا أن أتخيل ما كلفها تقديم ذلك العرض، في حين كانت هي نفسها في حاجة ماسة إليه، وشعرت حينها أنني لا أستحق ذلك. وبينما كنت أتناول الطعام، فكرت في التناقض المؤلم بين كرمها المذهل والطريقة التي يتم بها نسيان السودان. بسبب الحرب في السودان، اضطرت فاطمة (يسار) وكلثوم (يمين) إلى الفرار من قريتهما مع عائلتيهما. وجدوا ملجأً في مخيم للنازحين داخلياً، نملك الكثير، وهم يملكون القليل، ومع ذلك أظهرت تلك المرأة اهتمامها بالإنسانية من خلال بذل كل ما في وسعها. كيف لنا أن نعيش في عالم يُتجاهل فيه هؤلاء الأشخاص الكرماء في أحلك أوقاتهم؟ومع ذلك، فقد منحتني الأمل في الإنسانية. سيبقى كرمها ولطفها الذي لا يُصدق، وسط تلك الظروف المعيشية المروعة، محفورًا في ذاكرتي طوال حياتي. إن إنسانيتنا جميعًا، بغض النظر عن أصولنا أو ظروفنا، تُذهلني. ورأيتُ الأمل في الأطفال الذين يعيشون في المخيم، أولئك الذين يمثلون مستقبل السودان. دعاني أحد الأطفال للعب كرة القدم. كانوا مجرد أطفال عاديين يضحكون ويلعبون، ولكن قبل ذلك بقليل، سألني أحدهم بجوع إن كنا قد أحضرنا أي طعام. كان من الواضح أنه لو حصلوا على الدعم الذي يحتاجونه، لكان بإمكانهم الازدهار. هؤلاء الأطفال هم مستقبل السودان، وقد منحتني صمودهم الأمل في أن ينعم السودان بالسلام يوماً ما.لطالما شعرتُ بأن هذه الأزمة بالغة الخطورة، ولكن من خلال وجودي هنا، لمستُ الرغبة العميقة لدى الشعب السوداني وزملائنا في العمل الإنساني في المضي قدمًا. فرغم قلة المساعدات المقدمة من المجتمع الدولي، إلا أن هناك قصصًا عن النجاة، وأرواحًا تُنقذ.أنا معجب جداً بأعضائنا وشركائهم في السودان، الذين يعملون بلا كلل لتقديم الإغاثة الغذائية الطارئة في هذا البلد الذي يُعد من أصعب البلدان. إحدى هؤلاء هي سالي، التي تعمل لدى شركة LM International (شريكة لعضونا ERDO – منظمة الإغاثة والتنمية الطارئة في الخارج) والتي اضطرت إلى الفرار عندما اندلع القتال بالقرب من منزلها. اتصل بها زوجها، الذي كان يعمل في الخارج لصالح الأمم المتحدة، ليخبرها أنها بحاجة للهرب. حاولت سالي ركوب الحافلة، لكنها لم تأتِ. فقادت سيارتها بدلاً من ذلك، وطلبت من أطفالها أن يغطوا أعينهم حتى لا يروا الجثث في الطريق. علمت لاحقاً أن منزلها قد تم الاستيلاء عليه.لكن لو قابلت سالي في المكتب، أو زملاءها الذين يشاركونها قصصاً مماثلة، فربما لن تعرف ذلك أبداً. ما ستراه بدلاً من ذلك هو شغفها الراسخ برفاهية الأشخاص الذين تخدمهم، والذين يواجهون مصاعب أكبر.شعب السودان لا يحتاج إلى شفقتنا، بل يحتاج إلى اهتمامنا وتضامننا وعملنا. إنهم يستحقون كرامة أن يُرى صوتهم ويُسمع صوتهم وأن تُقدم لهم كل المساعدة التي نستطيع توفيرها. إنهم بحاجة إلى أن يقرر العالم أن هذه الأزمة مهمة.لا يمكننا أن نكون من أولئك الذين ينظرون إلى الوراء بعد خمس سنوات من الآن، وهم يعصرون أيديهم، ويقولون “كان ينبغي علينا أن نفعل شيئًا ما” – تمامًا كما فعل المجتمع الدولي خلال الإبادة الجماعية في رواندا. الخيار أمامنا بسيط وعاجل. بإمكاننا أن ندير ظهورنا، أو أن نختار الاهتمام. في عالم يتوق إلى قيادة حازمة، فلنتقدم ونقود على الساحة العالمية، ولنُخلّد في كتب التاريخ كأولئك الذين رفضوا تجاهل محنة أشدّ الناس ضعفاً في العالم.——-نشر المقال في 20 أبريل 2026 علي موقع Future of Good وهي مبادرة إنسانية عالمية* أندي هارينغتون هو المدير التنفيذي لبنك الحبوب الكندي.The post كيف تبدو الرحمة في الأزمة الإنسانية في السودان appeared first on صحيفة مداميك.