اجتماع برلين حول “الشأن الإنساني” في السودان: هل هو مسعى للسلام أم إذكاء لصراع ملتهب؟

Wait 5 sec.

بقلم: ترايو أحمد محمد عليمنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، انخرط الفاعلون الدوليون في مساعٍ متعددة لخفض التصعيد وفتح مسارات نحو السلام. او هذا هو العنوان البارز لتلك المساعي. وفي هذا الإطار، تبلور ملامح مساران رئيسيان: مسار عسكري/أمني تقوده المجموعة الرباعية، ومسار سياسي تتولاه المجموعة الخماسية.ومن المقرر انعقاد اجتماع برلين في 15 أبريل 2026، بوصفه محاولة _في ظاهرها _ لردم الفجوة بين المسارين الأمني والسياسي، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية للأزمة. ويأتي اجتماع برلين (المانيا) هذا امتداداً لمحاولات سابقة في باريس (2024) ولندن (2025)، والتي انتهت إلى الفشل لأسباب باتت معروفة، في مقدمتها إشكالية الإخفاق في اختيار او في مشاركة “القوي السياسية السودانية”.غير أن المؤشرات الأولية توحي بأن اجتماع برلين يسير في الاتجاه القديم ذاته، مكرراً الأخطاء نفسها. وهو ما يثير تساؤلاً مشروعاً: لماذا لم تُجرِ المجموعة المنظمة للاجتماع تقييماً نقدياً جاداً للتجارب السابقة حتي يتلافى الإخفاقات السابقة؟ ولماذا الإصرار على إعادة إنتاج المقاربات ذاتها رغم وضوح قصورها؟في هذا السياق، يبدو لي أن المسألة تتجاوز حدود السهو أو ضعف التقدير، لتطرح احتمالاً أكثر إثارة للقلق: هل نحن بإزاء نمط متكرر يعكس توجهاً “مقصوداً” في إدارة الأزمة؟ خاصة اذا اعتبرنا إن تفادي هذه الأخطاء لم يكن أمراً مستحيلاً لو توفرت الإرادة السياسية لذلك.وإذا كان الهدف من الاجتماع (كما هو معلن) هو مناقشة وقف الحرب، والسعي إلى هدنة إنسانية عبر بيان مشترك، إلى جانب الدفع نحو إطلاق عملية سياسية بملكية سودانية، فإن ما نراه من الاعداد لهذا المؤتمر و اجنداته و طبيعة المدعويين و المشاركين له يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات الجوهرية التي تمس مصداقية المؤتمر او اتساقه مع الأدوار المعلنة للأطراف الدولية:● السؤال الأول:في ظل التوافق على توزيع الأدوار بين المسار الأمني الذي تقوده الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات)، والمسار السياسي الذي تتولاه الخماسية (الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، ومنظمة الإيقاد)، ألا يعتبر ما يجري في “برلين” تدخلا خلطٌ للأدوار من شأنه إرباك المشهد وإضعاف لفاعلية المبادرات كما خلص بها اجتماع باريس (15 ابريل 2024) و لندن (15 ابريل 2025) ؟● السؤال الثاني:هل يعكس استبعاد أطراف النزاع المباشرين، والاستعاضة عنهم بتمثيلات من “المجتمع المدني”، مقاربة واقعية؟ أم أنه يضع العملية برمتها في إطار شكلي يزيد من الضبابية ويقوض فرص الوصول إلى حلول عملية؟● السؤال الثالث:في وقت تتجه فيه النقاشات السودانية نحو توسيع مفهوم المشاركة عبر مصطلح “القوى السياسية”، أليس الإصرار على حصر التمثيل في “المجتمع المدني” مؤشراً على توجه إقصائي قد يعزل القوى الفاعلة في الصراع ويضعف جدوى أي مخرجات محتملة؟● السؤال الرابع:إلى أي مدى يدرك منظمو المؤتمر محدودية الإلمام التفصيلي لدى المدعويين بطبيعة الأزمة الإنسانية وتعقيداتها، خاصة فيما يتعلق بالبيانات الدقيقة و الارقام الصحيحة المرتبطة بحجم الانتهاكات او في اتساع المعاناة الإنسانية على ارض الواقع؟● السؤال الخامس:أليس من الأجدى توظيف وتوجيه الجهود نحو بناء كتلة مدنية أكثر تماسكاً وفاعلية (كما أشار إلى ضرورة ذلك الاستاذ ياسر عرمان)، بدلاً من الاكتفاء بتمثيلات مشتتة تفتقر إلى الوزن السياسي والتنظيمي القادر على التأثير؟● السؤال السادس:هل تمثل هذه المبادرة محاولة لإعادة تدوير مقاربات قديمة في سياق جديد، بما قد يسهم في تعميق الانقسام في الجسم السياسي السوداني بدلاً من معالجته؟● السؤال السابع:ألا يعكس هذا المسار شكلاً من أشكال التدخل الدولي “السلبي” او غير المنتج، في وقت تتزايد فيه الدعوات الداخلية إلى ضرورة أن ينبع الحل من الداخل السوداني، خاصة في ظل غياب شرط أساسي لنجاح أي عملية سياسية، وهو وقف إطلاق النار؟● السؤال الثامن:وعلى طريقة سؤال “ما العمل”، يبرز تساؤل جوهري: ماذا بعد “برلين”؟هل يستمر الانجراف داخل هذه الدوامة من التدخل “الدولي السلبي”، أم أن بالإمكان النهوض لكسر هذه الحلقة، والعمل على إعادة تصميم “خارطة طريق” تقوم على تعريف واقعي جديد يحدد أدوار الأطراف وقدراتها وأحجامها، بما يضع الحصان أمام العربة ويفتح الطريق نحو فرص عملية لتحقيق السلام؟● ختاماً:في ضوء ما سبق، يبدو أن اجتماع برلين، رغم غلافه الإنساني وخطابه التصالحي، يواجه خطر التحول إلى حلقة جديدة في سلسلة مبادرات تفتقر إلى الواقعية السياسية والتماسك المنهجي. فغياب التنسيق بين المسارات، وإشكالية التمثيل و تكرار منهج الاقصاء و الاختيار “الانتقائي”، واستمرار تجاوز شرط وقف إطلاق النار، كلها عوامل تهدد بتحويل مؤتمر “برلين” من فرصة محتملة للتهدئة إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة. وعليه، يظل نجاح أي جهد دولي مرهوناً بقدرته على الانخراط الجاد في تعقيدات الداخل السوداني، لا الالتفاف عليها أو استبدالها بمقاربات شكلية.● باريس (فرنسا)The post اجتماع برلين حول “الشأن الإنساني” في السودان: هل هو مسعى للسلام أم إذكاء لصراع ملتهب؟ appeared first on صحيفة مداميك.