(مضض)

Wait 5 sec.

قصة :اقبال صالح بانقاالساعة تجاوزتْ مُنتصفَ النَّهار… وآذانُ الظُّهرِ يَقترب… ممّا يعني أنَّ اليومَ قد إنقضى نصفُه، ولم يتبقَّ إلّا نصفُه الأخير، لتتسرّبَ ساعاتهُ مسرعةً غيرَ عابئةٍ بشيء، كعادتها… دونَ شيءٍ يُذكرُ أو يُفيد. كأنَّ في اللَّوحِ المحفوظِ سطرًا يقضي بأن يمضي اليومُ كغيره عبثًا… دون إبداءِ الأسبابِ أو العِلّة. انقضى اليوم، ولم يبدأ يومُه هو بعد… كالعادة.أزِفَ آذانُ القيام، رغم أنَّ الصباحَ مضى… وكابدَ أن يجعلَ الليلَ لباسًا والنَّهارَ معاشًا، دون جدوى. إذ قضى الليلَ كلَّه يجتهدُ و(يُحنس) النَّوم منذ منتصفه حتى آذان الفجر.كان لا بدَّ من القيام لبعضِ الأمور المُلحّة، التي تقتضي دخولَ الحمّام مثلًا، وللوضوء أيضًا… فقد قضى الوقتَ الذي يلي الفجرِ مُستلقيًا، فيما يُشبه النَّوم وما هو بنوم… كان وَسَنًا مشحونًا بأحلامٍ عجيبة، مُحتشدةٍ بتفاصيلَ أغرب، وألوانٍ وأشكالٍ شتّى… لا تمتُّ إلى الكرى أو الراحة بصلة؛ بل فيها عناءٌ وجهدٌ مبالغٌ فيه… كأن يقضي وقتًا طويلًا يمتدُّ لساعات، في إدخال خيطٍ رفيعٍ في خُرم إبرةٍ لا وجود له.ما زالت قدماه تنويان القيام… وهو جالسٌ متردّد، يلوكُ طعمَ الإحباطِ والخذلان. لم يعد هناك ما يخيف منهما؛ فقد اعتادهما… ولم يعد يخشى أن يفضيا إلى اكتئابٍ مرضي كما يُشاع… وربما أفضيا سلفًا، ولم يعنِ له الأمرُ شيئًا.لكن… أليس الاكتئابُ هو المصبَّ لطولِ العناء؟لا جديد… سوى القديم. فالأمورُ التي كانت ذاتَ رتمٍ وشدٍّ وجذب، وحذرٍ وقلقٍ وتوتّر… قد إنقضت. الطفولةُ ولّت بزخمها وقسوتها، والصِّبا مضى بملامحه المثيرة وتهوّره وعتبه… والدراسةُ غادرت بأيامها وكَبَدها وإخفاقاتها، وحِملِ أوزارها… أوزارٌ تقاسمها مع من حوله، ثم حملها وحده حين تفرّقوا.ها هو ذا يخطو متجاوزًا سنَّ الشباب… فخَفَت البريقُ وشحب، وأضحت الأحلامُ باهتة… بعد أن كانت تحدوها الآمالُ والترقّب. لا شيء أتى… ولا ملامحَ لشيءٍ في الأفق.تمضي الأيامُ لا حصادَ فيها ولا منها… كنبتةٍ كلّما كبرت وهمّت أن يشتدَّ عودُها، ذبلت واصفرّت، ومالت وانحنت. ولولا ماءٌ يأتيها لمامًا، وخريفٌ يصبُّ غيثَه عليها قسرًا وعلى الجميع… لانتهى أمرها، وذرَفتها الرياح.ما زال ينوي القيام…تذكّر: لا شيء يدعو لشيء… حتى الطعام فقد طعمَه. يزدرده آليًّا… مذاقٌ ماسخ، ورائحةٌ نفّاذة تغلب عليه. هو صنفٌ واحد يكره رؤيته، ويكره زيته… ومع ذلك يتعمّد إضافته، محاكاةً للكل… لعلّه يتغيّر، فيظلّ كما هو… يأبى إلّا أن يكون كعهده.عادةً يُؤخّر الاغتسال متعمّدًا، مكتفيًا بغسل وجهه وفمه… ويتناول ما وجد مُكرهًا متأفّفًا، ويخرج غيرَ عابئٍ بهندامه. لا يهم… سيخرج، وسيلتقي بهم في قارعة الطريق… جميعهم على هيئته ورائحته.يتراصّون جلوسًا فوق صناديق المشروبات البلاستيكية الفارغة أمام الدكّان… يسدّون مدخله، يترصّدون الداخلَ والخارج، بالتعليق والنبش، والهمز واللمز الخفي… ويتصدّون لما يعرض في الشارع من مشاهد وأحداث.منذ أمدٍ بعيد… ذاتُ الوجوه الكالحة، المشعثة، المُغبرّة… نفس الأنفاس، وذات الملابس الباهتة البالية. ينقضي عليهم النهار… بعضهم يُسيء، وبعضهم يُظهر النُّبل والقيم في مواقف عابرة؛ كعونِ شيخٍ أو امرأةٍ كبيرة… بينما في بيوتهم آباءٌ وأمهاتٌ أولى بهم… لكنّ ذلك يغيب عليهم ، وكأنّ ما يفعلونه رياءٌ للمجتمع، لا أداءً لواجب.وقد ينتهي النهارُ أحيانًا بمحاولة اقتحام دورٍ اجتماعي لا يرغبهم فيه المجتمع… فيهرعون لتغيير هيئاتهم، وتنميقها… إرضاءً لذواتهم التي تبحث عن الوجود، عن إثبات الذات… في فرحٍ أو رقصٍ أو غناء. ثم ينتهي كلّ شيء بانتهاء الحدث… ويعودون كما كانوا: إلى أدوارٍ هامشية، غالبًا مُعدمة.يحملون أجسادًا خاوية وآهية… يَتلاشى الشبابُ منها على مَضض… في إنتظار قدرٍ محتوم.تجاوزوا الشباب… دون أن يعيشوه. ومضى العمر… دون أن ينالوا منه نصيبًا.ومع ذلك… لم يُخلقوا عبثًا.ما زال ينوي القيام…لكنه تذكّر أيضًا… أن عليه ألّا يخرج، ولا يجتمع بأحد. فثمّة حظرٌ صحي… ووباءٌ يجتاح العالم، يحصد الأرواح. والكون كلّه موعودٌ وينذر بحدثٍ قادم لا يُدرك أحدٌ كُنهه.إقبال صالح بانقاThe post (مضض) appeared first on صحيفة مداميك.