د. عبد الله علي إبراهيمجاء عن الأكاديمي والسياسي والدبلوماسي الدولي فرانسيس دينق خبر تمثيله لمؤسسة في الأمم المتحدة يوم عيد استقلال الجنوب في التاسع من يوليو (تموز) 2011، فقال إنه عاش لحظة غرّاء في ذلك اليوم ومدينة جوبا، العاصمة، بأسرها حاضرة في المحفل وكذا خلق آخر من ريف الجنوب ومدنه الأخرى. وخالطه مع ذلك شعور حلو مر. فاستقلال جنوب السودان حقق حلماً ناضل لأجله أهله ما هدأ لهم بال لنصف قرن من الزمان بتضحيات فادحة. علاوة على أنه نضال ألهم جماعات كثيرة في الشمال لتنهض ثائرة ضد الظلم ومن أجل السودان الجديد الذي خلا من التمييز العنصري.وجاءت المرارة في ذلك المحفل لأن الجنوب استقل ومشي خطواته الأولى في طريق السودان الجديد من دون هذه الجماعات الشمالية. فخالط حلاوة استقلال الجنوب مرارة أن هناك في الشمال من لم ينعم بما نعموا به. وكان عزاؤه التزام رئيسه سلفا كير في خطابه خلال المناسبة أنهم لن ينسوا رفاق القضية والسلاح في الشمال. لنرى من بعد صيرورة ذلك اليوم المشهود مخوفة يحذر فرانسيس السودانيين بألا ينجروا إليها في حربهم الأهلية القائمة.نشر فرانسيس دينق والصحافي أحمد كدودة مقالاً في “فورن أفيرز” [8 أبريل (نيسان)] عنوانه “لا تقسموا السودان مرة ثانية: لم يجد الانقسام في الماضي ولن يجدي اليوم”. والمقال بمثابة تحذير من لوائح الانقسام الذي يخيم على سماء السودان لا من جراء حربهم الأهلية فحسب، بل من واقع قيام حكومتين فيه في كل من شرقه وغربه كما لم يحدث في حروبه الأهلية الطويلة، إلا من حكومة النيل باهتة الأثر في جنوب السودان إبان الستينيات.وما يعاظم من قيمة هذه التحذير من انقسام السودان أنه بقلم فرانسيس (سأقصر إشارتي لكاتب المقال على فرانسيس من دون كدودة لأنه من سيدور الحديث هنا حول أفكاره وتفادياً لصيغة المثنى العصية) الذي لم ير في الماضي محاذير في استقلال الجنوب متى ما نال حق تقرير المصير وحسب، بل خالف أيضاً مشروع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة المهيب جون قرنق الذي لم يخرج لقضية الجنوب كما هي قضية فرانسيس، بل لبناء سودان جديد يأذن بمركز يقتسم كافة أهله السلطة والثروة بالسوية.قال فرانسيس، إن التقسيم المنتظر سيكون خطأ جسيماً لأنه لن يأتي بنهاية للعنف الذي خيم على السودان منذ نشأته. وجاء باستقلال الجنوب عن السودان في معرض التحذير من ارتكابه مرة أخرى فيه. فكان استقلاله في 2011 مما أمل منه الناس وقف ذلك العنف الذي ضرج تاريخه منذ استقلال السودان في 1956. وخاب الفأل في أحسن الشروط ألا يخيب فأل لانهمار الدعم الدولي عليه بمقادير لن يحلم بها شقا السودان المتصارعان اليوم لو افترقت طرقهما. ناهيك عن أن انقسام جنوب السودان كان موضع ترحيب استثنائي على رغم أنه كان من محرمات القارة. فمنظمة الوحدة الأفريقية (السابقة للاتحاد الأفريقي) كانت قد قضت بالحفاظ على الحدود التي خطها الاستعمار لبلدان أفريقيا بالغاً ما بلغت.وجاء فرانسيس بتجربة انفصال الجنوب في مقام التحذير من الانقسام اللائح. فلم يكد يستقل في 2011 حتى اصطرعت قواه السياسية في 2013 بحرب أهلية دامت خمس سنوات حسوماً ضحت بـ400 ألف قتيل وشردت 4 ملايين نازح عنه. فاصطرعت الصفوة الجنوبية مستخدمة نفس تكتيكات التهميش والتعبئة الإثنية واستثمار مواد الدولة للغرض. ولم تصمد أي من اتفاقيتي السلام التي حمل الوسطاء الطرفين على توقيعهما في 2015 و2018. ونار الحرب الأهلية في ضرام شديد في ساعة كتابتنا هذه.وهكذا لم يُجد انقسام جنوب السودان عن السودان حتى نعده حلاً لحرب السودان اليوم. فجاءت الصفوة الجنوبية بالسيادة لبلدها بغير جهد مبذول لمخاطبة جذور المسألة في صراعها مع حكومة السودان. وبدا من جيش تحرير السودان، الذي حمل لواء تحرير الجنوب وصار قواتها المسلحة في الدولة المستقلة، أنه مما أحسن الحرب لا بناء الوطن. فسرعان ما تحولت الصفوة بالصراع الذي كان بينها وبين الشمال إلى صراع بين الدينكا، التي تنسب إلى سلفا كير رئيس الجمهورية، والنوير، من نسبتهم لريك مشار نائبه المطرود لوقتنا من منصبه ويقود حرب عصابات لاسترداد مواقعه.وخلص فرانسيس إلى أن التقسيم، منظوراً إليه من تجربة الجنوب، ليس حلاً طالما نظرت الصفوة للدولة كجائزة للاستيلاء عليها ومراكمة الثراء لأفرادها لا مؤسسة لخدمة المواطنين. فتوزع مال النفط، الذي يشكل 98 في المئة من دخل الحكومة، بين شبكات تأليف الأنصار والحسابات الخاصة بدلاً من أن يتجه لخدمة المواطنين. وتحسر تقرير للأمم المتحدة في 2025 من أن 25 بليون دولار من دخل الحكومة منذ الاستقلال لم تمس حياة المواطنين بشعرة. فصار جنوب السودان عنوان الكليبوتوكرسي، نظام اللصوص، سياسته وأمواله مرصودة لمكافأة العنف.احتاج فرانسيس إلى أكثر من الشجاعة لكتابة هذا المقال المشفق على السودان من دون انقسامه الثاني. وهو نفس فرانسيس الذي رأيناه في أول كلمتنا هذه لا يتذوق حلاوة استقلال الجنوب عن السودان بغير أن تخالطه مرارة لمن تركوهم يرسفون في السودان القديم. لقد صدر فرانسيس في ضراعته من دون التقسيم الثاني عن نبل معرفي، أو روحي، تخطى معارف أذاعها طويلاً من أن السودان قابل للقسمة، لا ضرر ولا ضرار.جاء فرانسيس إلى المسألة الوطنية من باب سياسات الهوية. فوطّن تحدي الهوية الوطنية للسودانيين في أعراقهم مجردة من كل شيء آخر. وقال إن حقيقة لون كل السودانيين الأسود دال على جذورهم في جين أفريقي. غير أن هذا الجين اختلط في شماله بالعرب وارتبط بالنتيجة بالإرث العربي، وراوح بين الصبغة العربية “الراقية” والصبغة الأفريقية “المتدهورة” (هذه أوصافه). فأنكر الشماليون المسلمون أصولهم في الجينات الأفريقية عزة بالعربية والإسلام. وهذا عنده منشأ أزمة الهوية.وثمّن في السياق تجربة الحكم الذاتي الإقليمي (1972 – 1983) بعد اتفاقية أديس أبابا (1972) في عهد الرئيس جعفر نميري. وقال إنها، باعترافها للجنوب بجيناته الأفريقية بلا وصاية، حققت له بالحكم الذاتي قدراً معقولاً من الطمأنينة لذاته. ولكن سرعان ما فض نميري الاتفاقية وخرب الحكم الذاتي بإعلان الإسلام شريعة للبلاد، أي فارضاً هويته الشمالية على الأمة.فالتحدي الذي يواجه السودان، في قول فرانسيس، في أزمة هويته الوطنية بين العروبة والإسلامية من جهة والأفريقية من جهة أخرى. ففرانسيس كمن يرى أن لا طريق لتعايش عرب السودان المسلمين مع أفارقته إلا باعتراف الأوائل بالقدر الأفريقي الذي ينكرونه من هويتهم. ولا يعرف المرء كيف ستجتمع جماعة ما على جرح هويتها وتعديلها ليأمن غيرهم إلى هويتهم بينما الطريق السالك والواقعي أن تتعاقد الأمة على نظام ديمقراطي يكفل لهويات أهلها جميعاً حقوقاً دستورية لا حيدة عنها. فميز فرانسيس الحكم الذاتي للجنوب على عهد نميري كالاستثناء في الاعتراف بهوية الجنوب. ولكنه لم يقف ليسأل نفسه إن صدر انقلاب نميري عليه بآخرة عن هويته العربية الإسلامية أم من عادة الديكتاتورية فيه، أم منهما معاً.واتفقت قابلية السودان للقسمة لفرانسيس في ملابسات انقلاب نميري على الحكم الذاتي وعزته بهويته العربية الإسلامية. فعلى ضوئها قال فرانسيس إنه إذا تشبث السودانيون كل بهويته، كانت العربية- الإسلامية أو الأفريقية، فلا مناص من تفكير يحول دون صدامهما بالتواثق على إطار قانوني فضفاض يجمع بين الهويتين، أو أن يخلصوا إلى أن لا سبيل لتصالحهما فيكون انقسام البلد هو البديل.وينشأ هذا النظام الفضفاض متى أصر الشمال على تمسكه بأجندته العربية الإسلامية. فصح هنا أن يحكموا شمالهم بما أرادوا في حين يحتكم الجنوب إلى علمانيته الأفريقية مما يسوق إلى كيان دستوري لـ”بلد واحد بنظامين”. وهو ما اتفق قرنق معهم فيه أخيراً وبوبه ضمن الخيارات الخمسة التي فاوض عليها في نيفاشا في 2003.ورتب فرانسيس لقابلية السودان للقسمة بخطة نيل جنوب حق تقرير المصير المفضي للاستقلال ما لم ترس هوية السودان الوطنية إلى بر. وهي الفكرة التي ذاعت في لقاءات صفوات جنوبية في أوربا وأميركا تواصت على وجوب أن ينال الجنوب حق تقرير المصير والاستقلال في خاتمة الأمر، وإن أصغوا لخطة السودان الجديد للحركة الشعبية التي أرادت تحولاً في المركز يعدل في الثروة والسلطة في إطار البلد الواحد. ولم يقبل قرنق منهم خطتهم وقال لهم إنهم على حسن نيتهم تجاه نضال شعبهم إلا أنهم ضالون يخدمون مشروع حكومة السودان من غير أن يعرفوا.وخالط عقيدة فرانسيس في حرب الهويات في السودان سقم من بلوغها بر أمان السودان الواحد، كما ترى بوضوح في حديث له مع أسياس أفورقي رئيس جمهورية إرتيريا. فكان أفورقي قال له يوماً إنه لاحظ هرمية عرقية حين كان لائذاً بالسودان على أيام حربهم مع إثيوبيا. فعلى رأس تلك الهرمية الشماليون على النيل الأوسط، ثم يأتي الغرابة (أهل غرب السودان)، ومن بعدهم اللاجئون الإثيوبيون والإرتيريون، ليأتي الجنوبيون في ذيل الهرم. ولما اختلى فرانسيس بنفسه خلص إلى أن الجنوبيين هم في واقع الأمر في خامس أسفل الهرم بعد المسلمين من غرب أفريقيا مثل الفلاني والهوسا. وسأل نفسه: لماذا يريد قرنق على رغم هذا أن نكون في سودان واحد؟خرج فرانسيس في مقالة الـ”فورن أفيرز” بأريحية استثنائية لينقذ السودان من الانقسام الثاني اللائح. وقطع بيداً دونها بيد للتحذير دونه بنعي انفصال الجنوب الذي كان دعا له فوق ما ذكرنا من حيثيات الهوية التي صدرت عنه في كتاب ذؤابة هو “حرب الرؤى: صراع الهويات في السودان” (1995)”. فشتان بين يومه يحذر من مغبة الانفصال السوداني اللائح بسابقة جنوب السودان، ويومه في جوبا في 2011 مشوقاً وقد رأى الجنوب يخرج بتقرير المصير إلى الاستقلال كما أراد له تماماً. لقد تجشم فرانسيس ما لا يريد تجشمه صفوة في السودان نفسه تواثقت في ميثاق تأسيس بين قوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية لتحرير السودان (عبدالعزيز الحلو) وغيرهم على أن للسودانيين جميعاً حق تقرير المصير إن لم تقع الوحدة الطوعية. وبخلوا من دون ما تكبده فرانسيس ليتطير من مثل هذا الحق من فوق خبرة جنوب السودان الشقية.وقيل: إذا خرجت السمكة من النهر وقالت لقد مات التمساح فصدقوها.The post فرانسيس دينق… رفقا بالسودان appeared first on صحيفة مداميك.