علي عطايضم كتاب “مختارات من الشعر الفارسي الحديث”، 70 قصيدة لـ 31 شاعرة وشاعراً إيرانياً، نشرت على مدى 20 عاماً سبقت قيام “الجمهورية الإسلامية”، وتعكس تجديداً في الشكل والمضمون، في سياق “عصر الشعر النيمائي”، الذي شمل أربعة مراحل، امتدت من 1924 إلى 1978.تعكس القصائد التي يضمها الكتاب (نقلها إلى العربية الباحث والمترجم المصري محمد نور الدين – المركز القومي للترجمة) تنوع الإنتاج الشعري الإيراني الذي صدر في العشرين السنة السابقة على العام 1979، وتجدده شكلاً ومضموناً. وتنسب ريادة ذلك التجديد إلى عدد من الشعراء، في مقدمهم نيما يوشيج (متوفى سنة 1959) والذي يوصف بأنه مؤسس الشعر الفارسي الحديث، وإليه ترجع تسمية “عصر الشعر النيمائي” التي أطلقها بعض مؤرخي الأدب الفارسي على شعر حقبة زمنية، بدأت في عشرينيات القرن الماضي، وتزامنت بداية مرحلتها الأولى مع تولي رضا شاه الحكم عام 1924.وكما يقول عبد المنعم فإن “فترة الصحوة” التي عرفها المجتمع الإيراني في بدايات القرن العشرين، مهدت السبيل أمام الشعراء للتعبير عما يدور في المجتمع، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، بقوالب تتجاوز ما كان سائداً. ونجحت الأشعار السياسية الساخرة التي نشرتها الصحف آنذاك في الاقتراب من الذائقة الحديثة، ومنها قصائد لسيد أشرف الدين جيلاني وعارف القزويني وغيرهما. ومع زيادة الاتصال بأوروبا وإجادة لغات أجنبية ضعف الارتباط بالتقاليد الأدبية الموروثة. وما إن هدأت نيران “الثورة الدستورية” إلا وقد وجد أنصار التجديد فرصة للعثور على وسيلة تجعل الشعر يتناسب مع التطورات الاجتماعية والثقافية التي أفرزها العصر الحديث.الاجتراء على الثوابتبرز في تلك الآونة الشاعر إيرج ميرزا (توفى عام 1922) بدوره في التجديد عن طريق استخدام لغة الحوار وموسيقى اللغة الفارسية لجعل الشعر سلساً ولذلك أطلق عليه “سعدي الجديد”؛ إشارة إلى سعدي الشيرازي. ومع ذلك لم يتمكن ميرزا وأقرانه من فتح طريق جديد للشعر الفارسي المعاصر، وهو الأمر الذي تحقق بعد فترة طويلة من الصراع بين القديم والحديث، كما يؤكد عبد المنعم الذي كان يعمل أستاذاً للغة الفارسية وآدابها في جامعة الأزهر عند صدور الطبعة الثانية من ترجمة تلك المختارات إلى العربية عام 2009.المختارات الشعرية (المركز القومي)ومن محطات ذلك الصراع، الجدل الذي ثار بعد الحرب العالمية الأولى بين دعاة التحديث ودعاة التمسك بالقديم، والذي انتهى بنجاح الفئة الأولى. كما برزت “أنجمن أدبي دانشكده” (جمعية الكلية الأدبية) برئاسة الشاعر محمد تقي بهار وكان هدفها نشر المضامين الجديدة في القوالب التقليدية، لكنها لم تسلم من هجوم المحافظين عليها، ومنهم علي أصغر طالقاني الذي وصفها في مقال بأنها تسير على نهج سعدي الشيرازي في الاجتراء على الثوابت المتوارثة في الأدب الفارسي. لكن جرى الرد عليه من جانب مؤيدي التحديث، ومنهم تقي رفعت الذي كتب في هذا الصدد سلسلة مقالات تحث عنوان “يك عصيان أدبي” (تمرد أدبي). ويرى عبد المنعم أن الشاعر تقى خان رفعت الذي كان يجيد الفرنسية والتركية، هو أول من أسس “عصر الشعر النيمائي”، فقصائده تختلف عما كان متبعاً من ناحية القالب الشعري والرؤية والمضمون.تضم هذه المختارات 77 قصيدة لـ 31 شاعراً. وجاء في تقديم المترجم محمد نور الدين عبد المنعم، أنه لا يمكننا اعتبار الشعر الفارسي الحديث نتاج فكر مجموعة من الشعراء الشبان ومشاعرهم فحسب، بل هو بالدرجة الأولى وليد حاجة ملحة للتعبير عن الأوضاع السياسية والاجتماعية برؤية جديدة.استلهام إليوتولاحظ عبد المنعم أن المرحلة الثانية للشعر الفارسي الحديث بدأت عام 1941 عندما احتلت قوات بريطانية وأخرى روسية إيران واضطر رضا شاه إلى التنازل عن الحكم لإبنه محمد رضا، واستمرت حتى العام 1956. وظهرت في تلك المرحلة مجلات أدبية تناصر قضية تجديد الشعر الفارسي، مثل مجلة “رزجار نو” (العصر الجديد) وكان ينشر فيها بعض الشعراء الإيرانيين المقيمين في إنجلترا. ومجلة “سخن” التي كانت تنشر مقالات نقدية لبرويز ناتل خانلري ساهمت في تقديم شعراء مجددين مثل توللي جلشين كيلاني، وإسلامي ندوشن.وبدأت المرحلة الثالثة في 1953، وراجت خلالها المضامين الإنسانية، إلى جانب مضامين الغزل والحماسة ومن أبرز وجوهها الشاعر مهدي أخوان ثالث، ومن أعماله “آخرين شاهنامة” (آخر شاهنامة) وصدرت عام 1959. وفي تلك المرحلة، وتحديداً في 1955 تُرجمت “الأرض البور” لإليوت إلى الفارسية، فاستلهم جوهرها شعراء إيرانيون مالوا إلى الاستفادة من عوالم الشعراء الأوروبيين. غير أن أهم حدث أدبي ساند التجديد بقوة كان مؤتمر الكتاب والشعراء الإيرانيين الذي عقد في العام 1964 (في بدايات المرحلة الرابعة) بتشجيع من “جمعية العلاقات الثقافية الإيرانية الروسية”.وظهر كذلك في العام 1974 الشاعر أحمد شاملو بمجموعته الشعرية الأولى “أهنجهاي فراموش شده” (الألحان المنسية) وتضمنت قصائد لا تلتزم الوزن أو القافية، وسمي هذا النهج بالشعر المنثور أو “شعر سبيد” (الشِعر الأبيض) ولم يلق القبول المنشود لدى جمهور الشعر. بدأت المرحلة الرابعة عام 1963 وهو العام الذي شهد نفي آية الله الخوميني من البلاد عقب ما يسمى بالثورة البيضاء ضد نظام محمد رضا بهلوي. ومن أبرز وجوه تلك المرحلة الشاعرة فروغ فرخ زاد التي ظهر في مجموعتها “تولدي ديجر” نوع من العصيان والتمرد على التقاليد البالية، ونزوع نحو الحرية والعمق والاستقلال.شعراء المعارضةومن أبرز شعراء تلك المرجلة أيضاٍ إسماعيل خويي الذي يعتبر هو ومحمد مختاري ونعمت ميرزا زاده، من أبرز شعراء المعارضة السياسية. ومع الشعر الجديد، استمر الشعر التقليدي، خصوصاً في قوالب “الغزل”، و”المثنوي”، و”المسمط”، و”تركيب بند”. ومع ذلك لوحظ أن الشعر التقليدي خطا نحو شيء من التجديد من حسث المضمون وعكس صوراً تتصل بالحياة المعاصرة، وتميز بالفهم للواقع الاجتماعي والقضايا المعاصرة، كما في قصيدة بهار (توفى في 1974) الملقب بـ “ملك الشعراء”، “دماونديه” مثلاً، والتي يقول في مطلعها ما ترجمته: “يا أيها العفريت الأبيض المقيد القدم، يا قبة الدنيا يا جبل دماوند”، وكذلك قصيدته “بوم الحرب”، ومطلعها: “الويل من بوم الحرب وفأله السيء/ فلتقطع حنجرته إلى الأبد”.ويظهر في هذا الشعر أيضا الاتجاه إلى الفخر بالماضي والمآثر القومية، وخير ما يمثل ذلك في رأي عبد المنعم – قصيدة “يعقوب بن الليث” لبزمان بختياري والتي يقول في مطلعها: “بالأمس عندما حمت الشمس مفرق الدنيا، سارت متبخترة واتخذت لها مكاناً ناحية المغرب”. ومن الشعراء الذين شملتهم تلك المختارات سهراب سبهري (1927 – 1985) وهو أيضاً فنان تشكيلي ومترجم من اليابانية إلى الفارسية، واتسم شعره بنزعة صوفية. وفي الكتاب كذلك مختارات من شعر جلجين جيلاني (1910 – 1972) الذي جصل على الدكتوراه في الطب من إنجلترا وكان يهتم في شعره بوصف الطبيعة ويراعي تناسب الأركان العروضية والقافية.وتضمنت المختارات أربع قصائد لفروغ فرخزاد (1932 – 1966) منها قصيدة عنوانها “عاشقة الحزن” تقول فيها: “ليتني كنتُ كالخريف صامتةً ومملةً، وقد اصفرَّت أوراق آمالي واحدة تلو الأخرى، وبردت حرارة شمس عيني، وامتلأت سماء صدري بالآلام، وفجأة يغرق روحي طوفانٌ من الحزن، وتلوِّن دموعي المنهمرة كالمطر، حاشية ثيابي”. وفي الكتاب أيضاً ثلاث قصائد للشاعرة سيمين بهبهاني (1926) وهي مشهورة بغزلياتها المتضمنة قضايا اجتماعية، زتقول في قصيدة عنوانها “الفعل المجهول”: “بكت أختي الرضيعة من الجوع، منذ أمس وحتى الصباح، واحترق أخي الصغير من الحمى، وأخذ يئن بجانبي حتى السحر، وبسبب حزني وإشفاقي عليهما، أخذت عين من عينيَّ تسكب الدمع والأخرى تسكب الم، ولم أعد أدري أين ذهبت أمي، وما هو مصيرها”.The post قصائد إيرانية تعكس النزوع إلى كسر هيمنة القديم.. “مختارات من الشعر الفارسي الحديث” لـ 31 شاعرة وشاعراً appeared first on صحيفة مداميك.