بين زيارات الرياض ومسقط: بحث عن مخرج للحرب أم إعادة رسم للتحالفات ؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةفي لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، تتقاطع فيها مسارات الحرب في السودان مع حسابات الأمن في البحر الأحمر، والتحولات الجارية في الخليج، جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان إلى كل من المملكة العربية السعودية و سلطنة عمان كتحرك سياسي لا يمكن قراءته في إطار البروتوكول أو المجاملة الدبلوماسية، بل باعتباره مؤشرًا على إعادة تموضع استراتيجي في قلب أزمة تتجاوز حدود السودان.لقاء الفريق البرهان مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لم يكن لقاءً عاديًا، بل عكس بوضوح انتقال السعودية من دور الوسيط إلى موقع “مهندس التسوية”. فالمملكة، التي رعت سابقًا محادثات جدة، باتت اليوم تدفع نحو صيغة أكثر إلزامًا، تقوم على:لقاء مباشر بين البرهان وقائد قوات الدعم السريعوقف إطلاق نار نهائي تحت إشراف دوليحصر دور الأطراف العسكرية في الترتيبات الأمنية، وفتح الباب أمام عملية سياسية أوسعالأهم من ذلك، أن الرياض لم تعد تفصل بين الدعم الاقتصادي والحل السياسي، بل ربطت أي انخراط اقتصادي بإنهاء الحرب. وهو تحول يعكس إدراكًا بأن استمرار النزاع لم يعد فقط تهديدًا للسودان، بل أصبح عامل عدم استقرار إقليمي يمس أمن البحر الأحمر ومصالح الطاقة والتجارة العالمية.إذا كانت الرياض تمثل الواجهة العلنية للحل، فإن مسقط تمثل على الأرجح قناته الخلفية. فزيارة سلطنة عمان تثير تساؤلات مشروعة: لماذا عُمان تحديدًا، وهي ليست طرفًا مباشرًا في الملف السوداني؟الإجابة تكمن في طبيعة الدور العُماني ذاته. فمسقط عُرفت تاريخيًا بأنها وسيط هادئ يحتفظ بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، من الولايات المتحدة إلى ايران، ومن دول الخليج إلى القوى الإقليمية المختلفة. هذا الموقع الفريد يجعلها منصة مثالية لتمرير الرسائل الحساسة التي لا يمكن إعلانها.في ضوء التوتر الواضح بين الخرطوم و دولة الإمارات العربية المتحدة ، يصبح السؤال حول دور عُمان أكثر إلحاحًا. فالحكومة السودانية تتهم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما أدى إلى قطيعة سياسية.لكن في المقابل، لا يمكن لأي تسوية مستدامة أن تتجاهل الدور الإماراتي، سواء بحكم نفوذها الإقليمي أو تأثيرها في مسارات التفاوض. ومن هنا، تبدو زيارة مسقط أقرب إلى محاولة لفتح قناة غير مباشرة مع أبوظبي، عبر وسيط مقبول من جميع الأطراف.ليس الهدف بالضرورة “وساطة رسمية”، بل اختبار إمكانية تخفيف التوتر، وإعادة إدماج الإمارات في مسار الحل، ولكن وفق ترتيبات جديدة.التحرك بين الرياض ومسقط يحمل في طياته ثلاث رسائل رئيسية:1. كسر العزلة:البرهان يسعى لإظهار أن حكومته لا تزال تحظى بقبول إقليمي، وأنها قادرة على التحرك خارج دائرة الضغوط.2. إعادة التموضع:هناك محاولة واضحة للانتقال من محور إلى آخر، أو على الأقل خلق توازن جديد في العلاقات الإقليمية، يخفف من الاعتماد على أطراف بعينها.3. الاستعداد لتسوية:القبول بزيارة عواصم تقود مسار التهدئة يعكس إدراكًا بأن الحسم العسكري بات بعيد المنال، وأن التفاوض أصبح خيارًا لا مفر منه.اللافت في هذه الزيارة ليس فقط ما قيل، بل ما لم يُقل. فغياب التصريحات التفصيلية يعكس حساسية المرحلة، ويشير إلى أن ما يجري هو تفاوض حقيقي، لا مجرد تنسيق سياسي.كما أن ربط الدعم الاقتصادي بوقف الحرب، ومراجعة تمويل السلاح، يعكسان تحولًا في الموقف الإقليمي والدولي نحو تجفيف منابع الصراع، بدلًا من إدارة توازناته.في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة البرهان إلى الرياض ومسقط كتحرك منفصل، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل المشهد السوداني ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.نعم، تحمل الزيارة مؤشرات على انفتاح نحو الحل، لكنها في الوقت ذاته تعكس صراعًا على شروط هذا الحل، ومن يملك مفاتيحه. فالسؤال لم يعد فقط كيف تنتهي الحرب، بل من سيحدد شكل السلام القادم.وبين علنية الرياض وهدوء مسقط، يبدو أن السودان دخل مرحلة جديدة، عنوانها التفاوض المعقد، حيث تُدار المعارك ليس فقط في الميدان، بل في الغرف المغلقة، وعبر القنوات التي لا تُرى.The post بين زيارات الرياض ومسقط: بحث عن مخرج للحرب أم إعادة رسم للتحالفات ؟ appeared first on صحيفة مداميك.