مهدي داود الخليفةفي صباح الأول من يناير 1956، لم يكن السودانيون يحتفلون فقط برحيل علمٍ أجنبي ورفع راية وطنية، بل كانوا يعلنون ميلاد حلم كبير: دولة حرة، عادلة، موحدة، تتسع لكل أبنائها. كان الاستقلال وعداً بالخروج من زمن الوصاية إلى زمن السيادة، ومن منطق الرعايا إلى معنى المواطنة. لم يكن ذلك اليوم نهاية معركة، بل بداية مسيرة بناء دولة حديثة، تستند إلى الحرية والسلام والعدالة، وهي القيم التي شكّلت، ولا تزال، جوهر الهوية الوطنية السودانية.لكن بعد سبعين عاماً، يقف السودان اليوم أمام مرآة قاسية. دولة ممزقة بالحرب، مجتمع منهك بالجوع والنزوح، ومؤسسات شبه منهارة. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف تحوّل حلم الاستقلال إلى هذا الواقع الكارثي؟ وأين أخطأنا الطريق؟نال السودان استقلاله في لحظة تاريخية لم تكن فيها الدولة قد اكتملت بعد. ورثنا حدوداً رسمها الاستعمار، لكننا لم ننجح في صياغة عقد اجتماعي وطني جامع. انتقلت السلطة إلى نخبة مركزية في الخرطوم، أعادت إنتاج النموذج الاستعماري نفسه: مركز قوي وأطراف مهمشة.لم يكن التهميش اقتصادياً فقط، بل سياسياً وثقافياً. جرى التعامل مع التنوع الإثني والثقافي بوصفه تهديداً لا ثروة، وتُوّج ذلك بمشروعات قسرية للتعريب والأسلمة، تحولت في نظر ملايين السودانيين إلى نفي لهوياتهم. لم يكن غريباً أن تندلع شرارة التمرد في الجنوب عام 1955، قبل أشهر من إعلان الاستقلال نفسه، في دلالة مبكرة على فشل مشروع الدولة الوطنية.منذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، دخل السودان في حلقة جهنمية: ديمقراطية قصيرة، يعقبها انقلاب عسكري طويل. من أصل سبعة عقود تقريباً، عاش السودان أكثر من نصف قرنه تحت حكم عسكري مباشر.كل انقلاب جاء بخطاب “الإنقاذ” و”تصحيح المسار”، لكن النتيجة كانت واحدة:تركيز السلطة في يد قلة.عسكرة الدولة والمجتمع.سحق السياسة المدنية.تحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى فاعل سياسي واقتصادي.هكذا تأخر السودان عن ركب التنمية، لا بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب الحكم الرشيد.الحكم العسكري لم يكن مجرد نظام سلطوي، بل كان عائقاً بنيوياً أمام بناء دولة حديثة، لأنه بطبيعته لا يحتمل الشفافية ولا التعدد ولا المحاسبة.لم تكن الحروب في السودان حوادث طارئة، بل تعبيراً دموياً عن فشل مشروع الدولة.الحرب الأهلية الأولى والثانية بين الشمال والجنوب حصدت ملايين الأرواح، وانتهت بانفصال الجنوب عام 2011.حرب دارفور كشفت عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية للدولة، وأدخلت السودان في دائرة الاتهام بالإبادة الجماعية.حرب 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل صراع بين مراكز قوة مسلحة داخل دولة شبه منهارة.المأساة أن هذه الحرب الأخيرة جاءت بين شريكي الحكم، لتؤكد أن عسكرة السياسة تقود حتماً إلى تفكيك الدولة نفسها.لا يمكن تحميل العسكر وحدهم المسؤولية. النخب المدنية، الحزبية والفكرية، تتحمل قسطاً كبيراً من الفشل. فشلت في:بناء مشروع وطني جامع.الدفاع المستمر عن الديمقراطية.تجديد خطابها وأدواتها.الانحياز الجذري لقضايا الهامش.في لحظات مفصلية، فضّلت بعض النخب التسويات السهلة مع العسكر على المواجهة المبدئية، فدفعت البلاد ثمناً مضاعفاً.نعم، هذه الحرب ستعيد تشكيل السودان، سلباً أو إيجاباً.إما أن تقود إلى مزيد من التفكك، ودويلات السلاح، وتلاشي فكرة الدولة،أو تكون صدمة تاريخية تفرض قطيعة نهائية مع الحكم العسكري، وتفتح الباب أمام عقد اجتماعي جديد، يقوم على:دولة مدنية ديمقراطية.فيدرالية حقيقية عادلة.جيش مهني واحد خاضع للسلطة المدنية.عدالة انتقالية لا إفلات فيها من العقاب.الوعي الشعبي اليوم أعمق من أي وقت مضى. ثورة ديسمبر، رغم انتكاساتها، كسرت حاجز الخوف، ورسّخت قناعة راسخة لدى أجيال جديدة بأن الحكم العسكري هو أصل البلاء.لكن الوعي وحده لا يكفي. الدرس لن يكتمل إلا إذا تُرجم إلى تنظيم مدني قوي، ورؤية سياسية واضحة، وإجماع وطني لا يساوم على مدنية الدولة.أما أن يكون انقلاب البرهان هو الأخير، فذلك ليس قدراً محتوماً، بل خيار تصنعه إرادة السودانيين ونضالهم الطويل.في عيد الاستقلال السبعين، لا نملك ترف الاحتفال السطحي، ولا يحق لنا جلد الذات بلا أفق.نملك فقط أن نجدد العهد:أن يكون السودان وطناً لكل أبنائه،وأن تكون الحرية والسلام والعدالة ليست شعارات، بل أسس حكم،وأن تكون تضحيات الشهداء جسراً إلى المستقبل لا ذكرى منسية.السودان لم يفشل لأنه عاجز، بل لأنه أُسيء حكمه. وما أفسدته سبعون عاماً من الاستبداد، يمكن أن تصلحه إرادة شعبٍ تعلّم أن لا خلاص له إلا بالديمقراطية.في الذكرى السبعين للاستقلال، لا يحتفل السودانيون فقط بالماضي،بل يقفون أمام امتحان المستقبل.فإما أن يتحول الاستقلال إلى مجرد ذكرى،أو يُستعاد معناه الحقيقي: وطن حر، ودولة مدنية،وسلام دائم يليق بتضحيات شعبٍ صبر طويلاً… وما زال يحلم.The post سبعون عاماً على الاستقلال: من نشيد الحرية إلى أنين الدولة… هل تعيد الحرب تشكيل السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.