الحرب في السودان: حماية الحياة أولا (2-3)

Wait 5 sec.

نعمات كوكو محمد1 الموت والدمارمن الصعوبة بمكان تأكيد الاعداد الحقيقية وتقديم عدد دقيق حتى تاريخ اليوم لضحايا حرب السودان، خاصة وأن النزاع مستمر مع صعوبة التوثيق لأحدث الأرقام من مناطق الصراع المختلفة. ومع ذلك، تشير التقديرات من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية واللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء في السودان إلى أن أعداد القتلى قد تجاوزت عشرات الآلاف منذ بدء النزاع في أبريل 2023. تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنظمات أخرى عن أن أعداد القتلى الموثقين بشكل مباشر تجاوزت 30,000 الي 150,000 شخص، وقد تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب صعوبة الوصول إلى جميع المناطق وتوثيق الوفيات والتي تقدر عند بعض المنظمات الدولية لانتشار فروع علها الي 400,000 شخص. اما في العاصمة الخرطوم فقد قدرت الوفيات حتي خروج قوات الدعم السريع / الجنجويد بأكثر من 61.000 الف خلال الأربعة شهور الاولي فقط .كما تشير بعض الدراسات ان أكثر من 90% من حالات الوفاة في ولاية الخرطوم خارج التوثيق مع ظاهرة الدفن في الميادين والمنازل وأطراف الشوارع وبعض الجثث الملقاة في أبار السيفون، مع صعوبة التقديرات المحلية في مناطق خارج العاصمة عموما وخاصة في دارفور وكردفان مع انتشار المقابر الجماعية التي تظل شاهدة علي حجم الكارثة الإنسانية في تاريخ السودان.تنبه اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء الي الوفيات غير المباشرة الناجمة عن الاشتباكات، وتشير الي الآلاف الإضافية الذين قضوا نحبهم بسبب نقص الرعاية الصحية، وسوء التغذية، والأمراض التي تفاقمت بسبب النزاع وتشريد الملايين، وهذه الأرقام غالباً ما لا يتم إدراجها مباشرة في إحصائيات “القتلى في الحرب” ولكنها نتيجة مباشرة لها. حيث تعكس أحدث تقارير طبية إن أعداد القتلى تتجاوز عشرات الآلاف وتستمر في الارتفاع، مع تحذيرات مستمرة من أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير من تلك الموثقة, حيث حصدت الكوليرا اكثر من 316.000 الف, وحمي الضنك أكثر من 857.000 الف, مع أنتشار أنواع من الحميات منها الملاريا حيث بلغت أعداد ضحاياها أكثر من 1623 حالة , مع وفاة ما لا يقل عن 45 الف طفل من سوء التغذية من بداية الحرب وحتي الان, مع عدد وفيات الأمهات الحوامل الذي تجاوز ال 680 الف أمراه حسب التقارير الطبية .كما لم تتوفر إحصاءات عن عدد منازل المواطنين التي دمرت وما تم فيها من خراب الحرائق ونهب وسرقة الممتلكات , الا أن التسجيل شمل 18 الف منزل منهوب في ولاية الخرطوم حيث تم تسجيل هذا العدد فقط في ” حملة عائدون الوطنية ” مما يشير الي صعوبة تحديد وتوثيق العدد الكلي, كما يبدو أن حجم الكارثة فوق طاقات العمل الميداني الذي يوثق لجملة المنازل المدمرة , فما بالك بباقي الولايات خاصة دار فور حيث تشتد الضربات العسكرية المتبادلة. لكن الشاهد ان حجم الدمار يفوق الحد الوصفي خاصة مع أستمرار الحرب وأستخدام المسيرات العسكرية , مع رصد أنتشار ظاهرة أحتلال منازل المواطنين ورفض الخروج منها في عدة أحياء بشرق النيل وحي العباسية بأمدرمان وغيرها من الاحياء الأخرى , وقد قدرت الخسارة علي مستوي الممتلكات الخاصة التي رصدت بحوالي 10 مليار دولار, وهو مبلغ لا يعبر عن ما تم من فقد للموارد المنهوبة مع الاخذ في الاعتبار التفاوت والتباين وطبيعة المباني العمرانية في المدن والاحياء المختلفة .2/ البنية التحتيةفي أحدث تقرير أممي صادر عن خبير منظمة الهجرة العالمية أشار الي أن مستوى الدمار في العاصمة السودانية الخرطوم “يفوق التصور”، وذلك بعد نحو عامين من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع, وأوضح إن الخرطوم تعيش وضعا كارثيا، مسلطًا الضوء على الأوضاع المروعة التي يواجهها المدنيون في المناطق المتضررة. وأضاف “ لا أستطيع أن أقول لكم إن محطات الكهرباء نُهبت، وأنابيب المياه دُمرت, ولا أتحدث عن مناطق معينة، بل أتحدث عن كل مكان ذهبت إليه ولقد كنت في مناطق حروب في ليبيا واليمن والعديد من مناطق الصراع الأخرى , الا أن مستوى الدمار الذي رأيته في بحري والخرطوم لا يمكن تصوره حيث لم يكن هناك استهداف لمنازل الناس فقط، ولا للمناطق الإدارية، ولا للمناطق العسكرية، بل لكل البنية التحتية الأساسية التي يمكن أن تحافظ على حياة الناس”.لقد أدت هذه الحرب الكارثية الي دمارا ممنهج من قبل طرفي الحرب والذي لم يسلم منه أي مكان، سواء في الخرطوم أو باقي الولايات فقد طال الخراب مرافق الخدمات الأساسية ومنازل المواطنين وعم الدمار والخراب كل مكان , وأدى هذا التدمير والخراب لموجة من النزوح واللجوء غير مسبوقة من قبل، حيث هجر السكان مساكنهم لظروف الحرب بحثا عن الأمان والخدمات المختلفة من علاج وتعليم وكهرباء ومياه , وبذلك فقد كان الدمار كبيرا في البنيات التحتية الأساسية وطال مرافق الخدمات الضرورية واحتياجاتها الأساسية كالمياه والكهرباء والمستشفيات ودور العبادة وتعرضت بنيتها التحتية لدمار ممنهج ومتعمد من قبل أطراف الحرب . وتشير التقارير الي أن ما تم تدميره من منشئات عامة كانت تقدم العديد من الخدمات المرتبطة بحياة الانسان الي الاتي حسب بعض المعلومات والإحصاءات المتوفرة كالاتي:لقد طال الدمار 64 من محطات خدمات الكهرباء والمياه , بجانب 165 من المباني الكنسية و15 مسجد وتشير قلة عدد المساجد التي طالها التدمير بسبب تحولها الي مراكز إيواء للنازحين في أغلب ما يسمي بالمناطق الآمنة . ولم تسلم بالضرورة المواقع الثقافية بما فيها المتحف القومي والمتحف الطبيعي والمسارح المختلفة فقد بلغت 10 مراكز مختلفة . بجانب الدمار الشامل الذي طال الأسواق والجامعات والطرق والتي أصبحت غير صالحة.لقد أدت هذه الحرب الي تأثيرات كبيرة على قطاع المياه حيث تم تسجيل انهيار وحدات المياه ومحطات المعالجة في 13 ولاية سودانية تأثرت بشكل مباشر، حيث توقفت 70% من منشآت المياه إما جزئياً أو كلياً نتيجة التدمير أو الهجمات أو الانقطاع الكهربائي, حيث عكست تقارير منظمة اليونيسف في ولاية الخرطوم أن 4 من أصل 17 محطة معالجة مياه فقط هي التي تعمل مما قطع مياه الشرب عن آلاف الأسر مع انخفاض خدمة وصول المياه نتيجة توقف أو ضعف تشغيل محطات ضخ المياه مما دفع السكان للانسياق وراء مصادر غير آمنة (نهر النيل مباشرة) , او بواسطة شاحنات نقل المياه والسيارات المائية اليدوية من ما أدي الي ارتفاع رفع تكلفة الحصول على الماء. كما شمل الضرر مصنع معدات مياه الشرب ومصنع المواد الكيميائية لمعالجة المياه، ما أدى إلى صعوبات في توفير مركبات الكلور والبوليمر اللازمة وضاعف الاعتماد على الاستيراد الخارجي في ظل أزمة اقتصادية خانقة مع ذلك فان الأوضاع تتطلب إعطاء الأولوية لإعادة هذه المصانع والمرافق لدائرة الإنتاج في اطار توفير الحياة الكريمة. كما أن ثلث الأسر الريفية فقدت الوصول إلى المياه والري نتيجة انقطاع الكهرباء وتوقف تشغيل المضخات منذ بدء الحرب، وقد أدي ارتفاع تكلفة تشغيل مضخات الري في المناطق الزراعية مثلا بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود الي فقدان العديد من المزارعين الي 3 مواسم زراعية متتالية بسبب انهيار نظم الري وعدم توفر الكهرباء أو الوقود. وفي تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن الاضرار الجسيمة التي لحقت بأنابيب المياه ومحطات المعالجة بسبب القصف الجوي والذخائر المتفجرة أدت إلى أزمة مياه حادة خصوصا في الخرطوم، مما أجبر السكان الي استخدام المياه من مصادرها الأساسية سواء من النيل او الابار السطحية دون التركيز علي المعالجات مما أدي الي ظاهرة التلوث البيئي وانتشار الأوبئة ذات الصلة بالمياه الملوثة الأمر الذي مثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين، لا سيما أن ما يقارب 80% من الأمراض مرتبط بمصادر المياه وسلامتها بالإضافة الي أخطار التلوث وتدهور الوضع البيئي بسبب تراكم النفايات وبقايا الجثث في الشوارع واختلاط المياه بالصرف الصحي, وقد أشارت بعض التقارير الصحية الي العديد من الوبائيات والأمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي A، وكذلك الجيارديا والإسهالات المائية، خلال وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الصحية نقصاً حاداً في المحاليل الوريدية والأدوية وغياب الكوادر الطبية.كما تمت الإشارة الي أن أكثر من 40% من قدرة الكهرباء الإنتاجية تضررت أو فقدت بسبب القتال والتدمير المتكرر للشبكات والمحطات، حيث تعمل محطتان فقط من أصل 15 محطة للحرارية حالياً بشكل محدود ما أدى إلى فقدان نحو 1000 ميغاواط من الطاقة، أي ما يعادل 35% من إجمالي الإنتاج الكهربائي في السودان. أما في الخرطوم وبعض الولايات فقد وصل الضرر في الشبكة إلى 90% من البنية التحتية الكهربائية، حيث تعرضت محطات، خطوط توصيل، محولات وكوابل للنهب أو التدمير، وقد تم تقدير أن أكثر من 100,000 محول كهربائي قد تم تدُميره أو سرقته في أنحاء البلاد، مع خسارة كميات كبيرة من الزيت والتجهيزات الفنية. وحسب تقرير صحفي لشركة كهرباء السودان، بلغ طول الخطوط المتعطلة نتيجة التخريب نحو 150 ألف كيلومتر، فيما تشير التقديرات إلى تدمير حوالي 15 ألف محول كهربائي بسعات مختلفة في ولاية الخرطوم وحدها وقد تصل قيمة الواحد منها إلى نحو 46 ألف دولار. كما تم نهب كميات ضخمة من الكابلات لاستخراج النحاس، وفقدت شركات الكهرباء كامل مخزونها من المعدات الحيوية، خاصة في الخرطوم التي تعرضت لنهب شامل. وقد تمت الإشارة في بعض التقارير أن احتياجات إعادة تأهيل قطاع الكهرباء تقدر بأكثر من 2 مليار دولار أمريكي لإعادة بناء المحطات الحرارية والشبكات المتضررة. هذه الأوضاع الصعبة أدت الي التفكير العملي في الاعتماد على بدائل حيث لجأ السكان في مناطق عديدة إلى مصادر الطاقة الشمسية الصغيرة لتشغيل المنازل وضخ المياه من الآبار, وتمثل هذه الطاقة البديلة عبئا ماليا جديدا علي الاسر في ظل هذه الأوضاع الكارثية أذ يتراوح سعر معدات وحدة الطاقة الشمسية التي تكفي لتشغيل الحد الأدنى من الأجهزة المنزلية بين 2 إلى 3 ملايين جنيه سوداني.أن استهداف البنية التحتية لمصادر المياه ومحطات الكهرباء (محطات وخطوط) بشكل مستمر أدي الي تدمير قطاعات مهمة مرتبطة بالحياة اليومية وكان له تداعيات مباشرة علي الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه وخدمات الكهرباء والتي تعتبر من منظومة حقوق الانسان الأساسية وليست ترفا او حق لمن يملك القدرة علي الحصول عليها مما يباعد من التباينات الاجتماعية والطبقية ويزيد من وتيرة قواعد التهميش الاقتصادي والاجتماعي لمناطق السودان المختلفة في ظل غياب الالتزام السياسي ببرامج التنمية المتوازنة التي تعمل علي سد الفجوة في توفير الخدمات الأساسية وتسهيل الحصول عليها .*لقد تم الاستعانة بعدد من الدراسات والتقارير ومواقع الاعلام الالكترونيThe post الحرب في السودان: حماية الحياة أولا (2-3) appeared first on صحيفة مداميك.