الجنجويد كظاهرة طبقية: مقاربة في البروليتاريا الرثة السودانية

Wait 5 sec.

امير الزين نور الدائممدخل تحليليإذا سألتَ شخصًا وطنيًا قلقًا على مصير البلاد عن موقفه من الحرب، فغالبًا ما سيجيب: يجب أن يهزم الجيشُ الجنجويد، حتى وإن كانت قيادة الجيش ذاتها موضع مساءلة. فالمؤسسة العسكرية، في هذا التصور، تظل كيانًا وطنيًا يُعوَّل عليه في مواجهة الفوضى وحماية الدولة.وإذا سألتَ، في المقابل، بعض المتعاطفين مع الجنجويد عن أصلهم الاجتماعي، فقد يرسمون صورة رومانسية تُعيدهم إلى فضاء البادية بوصفهم “أبناء قبائل” مهمشين، يرفعون شعارات العدالة والتغيير، ويُقدَّمون كضحايا تاريخيين لا كفاعلين اجتماعيين.لكن التحليل الماركسي الجذري لا يتعامل مع الجنجويد بوصفهم رمزًا ثقافيًا أو هوية قبلية، بل كـكائنات اجتماعية محددة الموقع داخل علاقات الإنتاج. ومن دون هذا التسكين الطبقي، يغدو أي مشروع وطني ديمقراطي – بأفقه الاشتراكي – عاجزًا عن فهم طبيعة الحرب ومآلاتها، بل ومهددًا بالاصطدام بعقبة طبقية بنيوية في مساره الانتقالي.تمهيد: لماذا التسكين الطبقي؟إن فهم الأزمة السودانية يمرّ بالضرورة عبر تحليل البنية الطبقية للمجتمع، وصراع المصالح بين فئاته المختلفة. فالتصنيف الطبقي ليس تمرينًا نظريًا مجردًا، بل أداة لكشف آليات التغير الاجتماعي، وفهم القوى القادرة على الدفع بالتاريخ إلى الأمام أو إعادته إلى الوراء.في هذا السياق، يبرز السؤال المركزي:هل يمكن توصيف الجنجويد بوصفهم تعبيرًا عن البروليتاريا الرثة، أم أنهم فئة أخرى؟البروليتاريا الرثة: المفهوم وحدودهاستخدم ماركس وإنجلز مصطلح Lumpenproletariat للإشارة إلى فئات اجتماعية منزوعة الموقع داخل علاقات الإنتاج، تعيش على هامش الاقتصاد، وتفتقر إلى الوعي الطبقي والانضباط التنظيمي. هذه الفئات، بحكم نمط عيشها، تكون أكثر قابلية للاستقطاب من قِبل القوى الرجعية، واستخدامها كأداة ضد الطبقة العاملة المنظمة.وصفها لينين بأنها فئات منفصلة عن طبقتها، يسهل تجنيدها انتهازيًا، بينما رأى بوخارين أنها عاجزة عن بناء أي نظام اجتماعي جديد. واعتبرتها الأدبيات الماركسية–اللينينية قاعدة اجتماعية للفاشية والأناركية المنفلتة، لا لقوى التقدم.في المقابل، أشار ماو تسي تونغ وفرانز فانون إلى أن البروليتاريا الرثة في سياقات الاستعمار وشبه الاستعمار قد تحمل طاقة تمرد، لكنها مترددة بين الثورة والثورة المضادة، ولا تصبح قوة إيجابية إلا عبر إعادة تأهيل اجتماعي–فكري جذري وتحت قيادة سياسية صارمة.البروليتاريا الرثة واستخدامها التاريخيتاريخيًا، جرى توظيف فئات البروليتاريا الرثة في:• الميليشيات شبه العسكرية.• كسر الإضرابات العمالية.• ارتكاب المجازر والتطهير العرقي.• تنفيذ سياسات الأرض المحروقة.من رواندا إلى البوسنة، ومن أرمينيا إلى أوكرانيا، تكرّر النمط ذاته: تجنيد المهمشين المنفصلين عن الإنتاج، وتسليحهم، ومنحهم وعدًا زائفًا بالسلطة والثروة.وفي دارفور، يشير باحثون مثل مارك لافيرجن إلى أن الجنجويد يمثلون نموذجًا لـالبروليتاريا الرثة الريفية، جرى استقطابها من السجون، وقطاع الطرق، وضحايا التهميش البيئي والاقتصادي.كيف نمت البروليتاريا الرثة في السودان؟توسّع هذه الفئة ارتبط بـ:• تدمير قطاعات الإنتاج الزراعي والرعوي والصناعي.• انهيار العملة والقوة الشرائية.• هيمنة الاقتصاد الريعي والكومبرادوري.• الجفاف والتدهور البيئي.• تفكك الريف، واتساع أحزمة الفقر حول المدن.هذه العوامل دفعت أعدادًا ضخمة من السكان خارج علاقات الإنتاج، وفتحت الطريق أمام العسكرة والارتزاق والجريمة المنظمة.خلاصة تحليلية• الجنجويد ليسوا مزارعين فقراء ولا رعاة تقليديين، بل فئة منبتّة عن علاقات الإنتاج الزراعي–الرعوي.• يرفض الجنجويدي أن يكون قوة عمل منتجة، ويفهم “القوة” بوصفها عنفًا مسلحًا للاستحواذ، لا جهدًا منتجًا.• عقيدته ليست امتدادًا لقيم البادية أو الريف، بل نقيضها؛ إنها عقيدة البروليتاري الرث المسلّح.• لا يسعى لإنتاج فائض قيمة، بل لنهب الثروة مباشرة: الأرض، القطيع، المدينة، والإنسان.• لذلك يستحيل دمجه اجتماعيًا أو “تسييله” قبليًا أو ثقافيًا؛ فهو ظاهرة طبقية–سياسية مرتبطة بالثورة المضادة.• إن حلّ هذه الظاهرة لا يكون بالمساومة أو التبرير، بل عبر:• حلّ الميليشيا.• المحاسبة القانونية.• إعادة التأهيل الاجتماعي–الاقتصادي لمن يمكن تأهيله.• وتجفيف الشروط البنيوية التي أعادت إنتاج البروليتاريا الرثة.الجنجويد هم البروليتاريا الرثة، حرفيًا،*ووقود الارتداد التاريخي منذ 14 أبريل 2019.موقع الجنجويد في الارتداد التاريخيلا يمكن فهم الجنجويد خارج سياق الارتداد التاريخي الذي أعقب ثورة ديسمبر. فهم لم يكونوا الفاعل الاستراتيجي لهذا الارتداد، بل وقوده الاجتماعي والعسكري. أما الفاعل الحقيقي فتمثّل في الكتلة الإسلاموية–الأمنية–الكمبرادورية التي عجزت عن استعادة الحكم المباشر، فلجأت إلى إعادة إنتاج سلطتها عبر أدوات عنف منبتّة عن المجتمع، لا تملك مشروع دولة ولا ترى في انهيارها خسارة.في هذا الإطار، أُنيط بالجنجويد دورٌ محدد: كسر الزخم الثوري، ترهيب المدن، تفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل الصراع من مسار تغييري سياسي إلى حرب فوضوية تُبرِّر إعادة عسكرة الدولة. لقد خُطِّط للارتداد داخل شبكات الإسلامويين، ونُفِّذ بأيدي الجنجويد، وتوفّر له الغطاء من داخل بنية الدولة العسكرية نفسها.غير أن الجنجويد، بوصفهم تعبيرًا عن البروليتاريا الرثة المسلحة، لم يبقوا مجرد أداة. فمع تفكك مراكز السيطرة، حاولوا التحول من وقود إلى سلطة، مستندين إلى تدخلات إقليمية ودولية تعاملت معهم كـقوة بالوكالة داخل اقتصاد الحرب: تمويل مقابل النفوذ، تسليح مقابل السيطرة، وغطاء سياسي–إعلامي مقابل أداء وظيفي. لم يكن هذا الدعم اعترافًا بمشروعهم، بل استثمارًا انتهازيًا في ميليشيا منفلتة، يجري تشغيلها ثم التخلي عنها حالما تهدد إعادة ترتيب التوازنات.وعندما سعت هذه الفئة إلى تثبيت نفسها كسلطة مستقلة، انفجر التناقض بينها وبين مشغّليها، لتدخل البلاد في حرب أهلية بلا أفق؛ وهي النتيجة الحتمية حين تحاول فئة منبتّة عن علاقات الإنتاج حكم مجتمع كامل بالسلاح وحده.إن اختزال الجنجويد في بعد قبلي أو ثقافي يضلّل التحليل ويعفي البنية التي أنتجتهم. إنهم البروليتاريا الرثة في أنقى تجلياتها: فئة لا تقدّس العمل، ولا تعترف بالعقد الاجتماعي، ولا ترى في المجتمع سوى غنيمة. ومن ثمّ، فإن تفكيك هذه الظاهرة لا يكون بالمساومة، بل بحلّ المليشيا، والمحاسبة، وإعادة التأهيل الاجتماعي–الاقتصادي لمن يمكن تأهيله، والأهم: تفكيك الشروط البنيوية التي أعادت إنتاج البروليتاريا الرثة كقوة عنف منظّم.خلاصةقدّم هذا المقال قراءة طبقية–تاريخية لظاهرة الجنجويد، تجاوزت اختزالها في الأبعاد القبلية أو الثقافية، وربطت نشأتها وتحوّلها بتفكك علاقات الإنتاج وصعود البروليتاريا الرثة، وبسياق الارتداد التاريخي الذي أعقب ثورة ديسمبر وتداخلاته مع منطق الحرب بالوكالة. وبيّن التحليل أن الجنجويد لم يكونوا فاعلًا مستقلاً، بل أداة عنف استُخدمت لإجهاض مسار التحول الديمقراطي، وأن محاولتهم التحول من وقود إلى سلطة اصطدمت بحدودهم البنيوية كفئة منبتّة عن الإنتاج والعقد الاجتماعي، ما قاد إلى حرب بلا أفق. ومن ثمّ، فإن تفكيك هذه الظاهرة لا يتم عبر المقاربات الأمنية أو التسويات الظرفية، بل عبر حلّ المليشيات، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة بناء الدولة على أسس العمل المنتج، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة.بهذا المعنى، يظل الشعار الأكثر صدقًا ودقة:العسكر للثكنات، الجنجويد ينحلّ، والدولة تُعاد صياغتها على أسس العمل، والعدالة، والمواطنةThe post الجنجويد كظاهرة طبقية: مقاربة في البروليتاريا الرثة السودانية appeared first on صحيفة مداميك.