بين البيان والواقع: التحالف العريض… من الشعار إلى الإمكان

Wait 5 sec.

بقلم: عاطف عبداللهلا يمكن قراءة البيان الجماهيري الصادر عن الحزب الشيوعي – مدينة أم درمان القديمة، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال والذكرى السابعة لثورة ديسمبر، إلا بوصفه نصاً عالي النبرة، واضح الانحياز، وصادق التعبير عن أشواق قطاعات واسعة من الشعب السوداني المنهك بالحرب، المتطلع لوقفها، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، وكبح جماح العسكر والكيزان، وبناء وطن “بدون أسياد”، كما حلم به محجوب شريف وأنشده الثوار في الشوارع.البيان يلتقط بدقة لحظة وطنية حرجة، ويضع يده على جوهر الأزمة: حرب عبثية على السلطة والثروة، يدفع ثمنها المواطنون من أمنهم ومعاشهم وكرامتهم، وانتهاكات فظة من طرفيها، وانسداد أفق سياسي لا خلاص منه إلا بعودة الثورة إلى مسارها، عبر التنظيم، والتحالف، والجبهة الجماهيرية العريضة.في هذا المستوى، لا خلاف يُذكر. فالبيان، في جوهره، يعيد إنتاج خطاب ديسمبر في أنقى صوره:لا للحرب، نعم للسلام، مدنية خيار الشعب، المجد للشهداء، والتنظيم أمضى سلاح.غير أن السؤال الذي يفرض نفسه – ولا يمكن القفز فوقه – هو:كيف نحقق هذا التحالف العريض الذي يدعو إليه البيان؟وهل الخطاب المعلن منسجم فعلاً مع الشروط السياسية الموضوعة من قيادة الحزب لتحقيقه؟هنا تحديداً تكمن العقدة.فبينما يشدد البيان على ضرورة الجبهة الواسعة والتنظيم القاعدي والتحالف الجماهيري، فإن الموقف العملي المعلن للحزب الشيوعي، والقاضي باشتراط، مجيء القوى السياسية والتنظيمات “فرادى” للانضمام إلى تحالف جذري جديد تقوده أو يشارك فيه الحزب، يمثل – في الواقع – شرطاً تعجيزياً أكثر منه مدخلاً عملياً للوحدة.هذا الشرط، مهما كانت نواياه، وهو يعني حلّ جميع التحالفات القائمة، يصطدم بواقع السياسة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون. فالتحالفات القائمة – مهما شابها من ضعف أو تباين – هي نتاج توازنات حقيقية، وتجارب نضالية، واصطفافات فرضتها لحظة ما بعد الانقلاب والحرب. والقفز فوقها، أو مطالبتها بحل نفسها كمدخل للتحالف، لا يؤدي إلى توسيع الجبهة، بل إلى تفتيتها أكثر.إن التحالف العريض لا يُبنى على قاعدة “الصفر التنظيمي”، ولا على نفي الآخر أو اشتراط ذوبانه، بل على برنامج حد أدنى واضح:وقف الحرب فوراً، استعادة الحكم المدني، إبعاد العسكر عن السياسة، المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، حماية وحدة البلاد، وإنجاز التحول الديمقراطي.وما دام هذا البرنامج محل اتفاق واسع بين قوى مدنية عديدة – داخل تحالفات قائمة بالفعل – فإن المنطق السياسي السليم يقتضي القبول بالتحالفات كما هي، والتعامل معها كشركاء، لا كعوائق، والعمل على تطويرها، لا نسفها.إن أخطر ما يهدد شعار “التحالف العريض” هو تحويله إلى شعار أخلاقي مثالي، غير قابل للتحقق عملياً، بسبب شروط مسبقة تضع الحزب – دون قصد – في موقع الممسك بـ”مفتاح الدخول” إلى الجبهة، وهو ما يتناقض مع روح ديسمبر نفسها، التي كانت ثورة بلا أوصياء.التحالف الذي ينشده البيان لن يتحقق بالاشتراطات الصلبة، بل بالمرونة المبدئية، وبالاعتراف بالتعدد، وبالإيمان أن وحدة الهدف لا تعني وحدة التنظيم أو الرؤية الكاملة، بل الاتفاق على الممكن والعاجل في لحظة وطنية استثنائية.إن البيان جميل، صادق، ومُلهم. لكن تحويله من نص تعبوي إلى أفق سياسي قابل للتحقق، يتطلب مراجعة جريئة للشرط التعجيزي الذي يجعل التحالف العريض مستحيلاً.The post بين البيان والواقع: التحالف العريض… من الشعار إلى الإمكان appeared first on صحيفة مداميك.