صحيفة الغد السوداني: سهام صالحليس من السهل أن يتحول الفنان إلى ذاكرة جمعية، ولا أن يصبح عمله مرجعًا لمرحلة تاريخية كاملة. لكن شرحبيل أحمد فعلها بهدوء، عبر تراكم طويل من الموسيقى والرسم والتعليم، حتى صار اسمه جزءًا من وجدان السودانيين، تُستعاد تجربته كلما جرى الحديث عن الفن بوصفه أداة وعي لا ترفًا.أبيض وأسود.. مسارات متداخلةالفنان السوداني شرحبيل أحمد خلال فعالية تكريمه في جاليري ضي بالقاهرة.في ليلة شتاء دافئة، احتفى سودانيون في القاهرة بالفنان الكبير شرحبيل أحمد، في فعالية احتضنها جاليري ضي، حملت بعدًا إنسانيًا وقيمة تاريخية، وجسدت مسيرة عطاء متصل، لم يعرف الانقطاع، من الطفولة إلى الذاكرة العامة.اختارت لجنة التكريم خلفية رمزية لمنصة الاحتفاء: صورة بالأبيض والأسود لشرحبيل أحمد، تحيط بها آلة الجيتار وأدوات الرسم، في اختزال بصري دقيق لقدرة استثنائية على الجمع بين الموسيقى والتشكيل والتعليم، بوصفها مسارات متداخلة لا متنافرة.«عمل لا ينقطع… من الطفولة إلى الوجدان»تحت هذا الشعار، تنوعت فقرات الفعالية بين معرض لأعمال شرحبيل التشكيلية، ومؤانسة فنية استعرضت محطات أساسية من تجربته، وورشة رسم للأطفال، إلى جانب فقرة غنائية خاصة شارك فيها الفنان شرف شرحبيل، في لحظة امتزج فيها الفن بالذاكرة والفرح.الموسيقار الفاتح حسين لفت إلى أن أجيالًا كاملة قد لا تدرك أنها “صُنعت” وجدانيًا على يد شرحبيل أحمد، عبر مجلة الصبيان، التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي للأطفال، معتبرًا أن شرحبيل يمثل حالة ثقافية نادرة، تحول فيها الفرد المبدع إلى جزء من منظومة ثقافية أسست لملامح الدولة السودانية الحديثة.نبته حبيبيوأشار حسين إلى أن تجربة شرحبيل في الربط بين الموسيقى والدراما، خصوصًا في العمل الفني «نبته حبيبتي»، شكلت وعيًا جماليًا متقدمًا، موضحًا أن الخطأ في تلك التجربة كان مكلفًا، لكن شرحبيل ظل في حالة إبداع يومي متجدد.من جانبه، أكد البروفيسور سليمان يحي أن دور شرحبيل في التعليم لا يقل أهمية عن حضوره الفني، عبر المحتوى البصري الذي نقل البيئة السودانية إلى الطفل، وساهم في تبسيط المعرفة، خصوصًا في تجربة بخت الرضا، حيث لعبت مجلة الصبيان وشخصية عمك تنقو دورًا محوريًا في التعليم وتشكيل وجدان أجيال كاملة.ويرى يحي أن العمل التشكيلي لشرحبيل يتميز بالوضوح والبساطة، ما يجعل المتلقي يفهم الرسالة دون تعقيد، فضلًا عن إسهامه في سودنة الصورة البصرية وكسر هيمنة النماذج الغربية، عبر تقديم مفردات محلية مثل “العنقريب” بوصفها جزءًا أصيلًا من الثقافة السودانية.في سياقات تعليمية لم تكن اللغة العربية مألوفة فيها، لعب الرسم دور الوسيط المعرفي، لتتحول تجربة شرحبيل إلى نموذج متكامل يربط الفن بالتربية الوطنية.شرحبيل.. مساحة مشتركة لأجيال لا يجمعها الزمنالفنان السوداني شرحبيل أحمد خلال فعالية تكريمه في جاليري ضي بالقاهرة (تصوير: sari omer / الغد السوداني)الفنانة التشكيلية محاسن أحمد عبرت عن سعادتها بالحضور “في حضرة قامة بحجم الدكتور شرحبيل”، معتبرة أن تجربته شكلت وعيها منذ وقت مبكر، ولافتة إلى وعيه المتقدم بدور المرأة في الفن، من خلال شراكته الفنية مع زوجته، في زمن كانت فيه هذه الفكرة استثنائية.أما التشكيلية أماني جعفر حسن فرأت أن شرحبيل من أولئك الذين “أينما وُضعوا يزهر المكان”، معتبرة أن هذه الليلة تشبه صاحبها، ومقدمة لسلسلة فعاليات تليق بقامته.وفي ختام الفعالية، قال عادل شريف، رئيس لجنة التكريم، في تصريح لـ«الغد السوداني»، إن الاحتفاء بشرحبيل أحمد هو بداية مسار تكريمي متواصل، تناول الجانب التشكيلي من تجربته عبر محاور متعددة، مشيرًا إلى فعاليات قادمة يوم 18 يناير بالمركز الفرنسي، وأخرى يوم 21 يناير بمسرح الجلاء بمدينة نصر.مسيرة أولى لا تُنسىيُعد شرحبيل أحمد أول فنان سوداني يقدم أعماله برفقة فرقة موسيقية خاصة، وكان الظهور الأول للفرقة على خشبة المسرح القومي عام 1960. كما عمل محررًا فنيًا بدار النشر، وأسهم في إخراج الكتب المدرسية ومجلات الأطفال وتعليم الكبار، من بينها رسالة المعلم والجيل وهدهد والباحث الصغير.قدم للإذاعة أولى أغنياته «ليالي كردفان» من كلمات رضا محمد عثمان، في جيلٍ ضم أسماء بارزة في الغناء والتلحين السوداني.ورغم أن شخصية عمك تنقو لم يكن مبتكرها الأول، فإن بصمته الفنية طورتها لتصبح الأبرز في صحافة الطفل بالسودان.كما شكلت علاقته بزوجته الفنانة زكية نموذجًا نادرًا للدعم الفني المتبادل؛ إذ شاركته عضوية فرقته الموسيقية بين عامي 1964 و1970، قبل أن تتفرغ للأسرة، لتظل سندًا أساسيًا لمشروعه الإبداعي.في المحصلة، لا يُحتفى بشرحبيل أحمد بوصفه فنانًا فحسب، بل كذاكرة حية، حين يصبح الفن عملًا لا ينقطع، ويغدو الوجدان مساحة مشتركة بين أجيال لا يجمعها الزمن… لكن يوحدها الأثر.من «عمك تنقو» إلى المسرح القومي: القاهرة تحتفي برمز شكل وجدان السودانيينThe post شرحبيل أحمد من «عمك تنقو» إلى المسرح القومي: القاهرة تحتفي برمز شكل وجدان السودانيين appeared first on صحيفة مداميك.