مهدي داود الخليفةفي الحروب لا تُدمَّر المدن فقط، بل تتغير طبيعة الاقتصاد نفسه… وحين تغيب الدولة وتنهار المؤسسات، تظهر اقتصادات جديدة لا تعيش إلا على الفوضى.في السودان اليوم يمكن تلخيص هذه المفارقة القاسية في مشهد واحد: مدارس مغلقة… ومصانع مخدرات تُفتح في الظل.فبينما يُحرم أكثر من أربعة عشر مليون طفل من حقهم في التعليم بسبب الحرب، تتوسع في المقابل شبكات التهريب والإنتاج غير المشروع للمخدرات في ظل انهيار مؤسسات الدولة. إنها مفارقة مأساوية تكشف كيف تتحول الحروب، حين تطول، من صراع على السلطة إلى اقتصاد كامل قائم على الفوضى والجريمة المنظمة.فالأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا في الفصول الدراسية يتعلمون ويصنعون مستقبل بلادهم، يجد كثير منهم أنفسهم اليوم في بيئة يهيمن عليها الفقر والنزوح والسلاح والجريمة المنظمة. وفي مثل هذه الظروف لا تصبح المخدرات مجرد سلعة غير قانونية، بل تتحول إلى جزء من اقتصاد الحرب وإلى تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل.لقد حفّزني لكتابة هذا المقال التقرير الصادم الصادر في مارس 2026 عن مركز الشفافية والسياسات حول انتشار المخدرات في السودان زمن الحرب. فالتقرير لا يكشف فقط عن تصاعد تجارة المخدرات، بل يشير إلى تحول خطير في طبيعة هذه التجارة: السودان لم يعد مجرد ممر لعبور المخدرات، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى مركز إنتاج متنامٍ لمخدر الكبتاغون، وهو المخدر الذي ارتبط خلال العقد الأخير بتمويل عدد من الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط.قبل اندلاع الحرب الحالية كان السودان بالفعل أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، لكن الصراع حول السيطرة على هذا المورد كان أحد العوامل التي مهدت للحرب نفسها.تشير دراسات سياسية واقتصادية إلى أن المنافسة على السيطرة على مناجم الذهب كانت أحد محركات الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.وخلال الحرب تحول الذهب إلى مصدر تمويل مباشر للقتال. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن:إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 80 طناً في عام 2024القيمة التقديرية لهذا الإنتاج تجاوزت 6 مليارات دولارأكثر من نصف هذا الذهب يُهرّب إلى الخارج خارج القنوات الرسميةوتشير تقارير دولية إلى أن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني يتجه إلى الأسواق العالمية عبر شبكات تهريب معقدة، خصوصاً إلى أسواق الخليج.وهكذا تحول الذهب — الذي كان يمكن أن يكون ركيزة للتنمية الوطنية — إلى عملة للحرب تمول شراء السلاح وتغذي شبكات المصالح العسكرية.إلى جانب الذهب بدأت تظهر ظاهرة أكثر خطورة في الاقتصاد السياسي للحرب في السودان، وهي صناعة وتجارة المخدرات الصناعية وعلى رأسها الكبتاغون.الكبتاغون منشط من عائلة الأمفيتامينات، وقد أصبح خلال العقد الأخير أحد أكثر المخدرات انتشاراً في الشرق الأوسط، وتشير الدراسات إلى أن تجارته تشكل اقتصاداً بمليارات الدولارات سنوياً.التجربة الأقرب لفهم هذا التحول هي ما حدث خلال الحرب السورية. فقد تحولت تجارة الكبتاغون هناك تدريجياً إلى صناعة ضخمة مرتبطة ببعض شبكات السلطة والاقتصاد الحربي، حتى وصف بعض الباحثين سوريا في تلك الفترة بأنها “دولة كبتاغون”. ”Narco State” وًتشير تقديرات بحثية إلى أن قيمة تجارة الكبتاغون السورية في بعض السنوات تجاوزت 10 مليارات دولار سنوياً، أي أكثر من قيمة بعض صادرات الاقتصاد الرسمي.ومع تضييق الخناق على بعض شبكات الإنتاج التقليدية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بدأت شبكات التهريب تبحث عن مناطق جديدة تعاني ضعف الدولة وانهيار المؤسسات الأمنية. وفي هذا السياق بدأ اسم السودان يظهر تدريجياً في تقارير الأمن الدولي باعتباره بيئة صالحة لانتقال بعض خطوط إنتاج الكبتاغون أو توسيع شبكات تهريبه.التقرير الأخير الصادر عن مركز الشفافية والسياسات يكشف مؤشرات مقلقة على توسع هذه الصناعة داخل السودان، منها:ضبط ثلاثة معامل لإنتاج الكبتاغون داخل البلادتطور القدرة الإنتاجية من نحو 7,200 حبة في الساعة عام 2023إلى نحو 100,000 حبة في الساعة في بعض المصانع بحلول 2025ضبط نحو نصف طن من المخدرات في البحر الأحمر في يناير 2026هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن النشاط لم يعد مجرد عمليات تهريب محدودة، بل بدأ يتحول إلى إنتاج شبه صناعي واسع النطاق.كما تشير التقارير إلى أن هذه المواد تُستخدم بين المقاتلين لزيادة اليقظة وتقليل الإحساس بالجوع والإرهاق أثناء القتال، وهو نمط سبق رصده في حروب أخرى.العلاقة بين المخدرات والحروب ليست جديدة في التاريخ المعاصر. فقد ارتبطت تجارة المخدرات بتمويل عدد من النزاعات المسلحة، مثل:حرب أفغانستان المرتبطة بزراعة الأفيونحروب أمريكا اللاتينية المرتبطة بالكوكايينبعض صراعات الشرق الأوسط المرتبطة بالكبتاغونوفي كل هذه الحالات يظهر النمط نفسه:كلما توسع الاقتصاد غير المشروع تضاءلت الحوافز لإنهاء الحرب.فالحرب بالنسبة لبعض الفاعلين تتحول إلى:مصدر دخل ضخموسيلة للسيطرة على طرق التهريبأداة لحماية الشبكات الاقتصادية غير القانونيةوهنا تكمن خطورة ما يحدث في السودان اليوم.لكن أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط توسع اقتصاد الظل، بل تأثيرها المدمر على مستقبل جيل كامل من السودانيين.تشير تقديرات منظمات دولية مثل United Nations Children’s Fund و Save the Childrenإلى أن ما بين 13 إلى 14 مليون طفل سوداني أصبحوا خارج المدارس نتيجة الحرب، من أصل نحو 17 مليون طفل في سن الدراسة.كما تشير البيانات إلى أن:آلاف المدارس دمرت أو أغلقت بسبب القتالعدد كبير من المدارس تحول إلى مراكز لإيواء النازحينملايين الأطفال فقدوا سنوات كاملة من التعليموهذا يعني ببساطة أن السودان يواجه اليوم واحدة من أكبر أزمات التعليم في العالم.ترافق انهيار التعليم مع انهيار اقتصادي غير مسبوق. فوفق تقديرات الأمم المتحدة أصبح أكثر من ثلثي سكان السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه ملايين الأشخاص مستويات حادة من الجوع والفقر.وفي هذه البيئة الهشة تجد شبكات التهريب والمخدرات خزاناً بشرياً واسعاً من الشباب العاطلين واليائسين الذين يمكن استقطابهم بسهولة.وهكذا تتشكل حلقة مفرغة خطيرة:الحرب تدمر الاقتصاد والتعليم،والفقر يصبح الوقود الصامت للحرب،وانهيار التعليم والفقر يغذيان اقتصاد الجريمة،واقتصاد الجريمة بدوره يطيل أمد الحرب.لكن الأخطر من ذلك أن اقتصاد المخدرات لا يكتفي بتمويل الحرب، بل يسهم أيضاً في تشكيل الوعي الاجتماعي الذي يطيل أمدها. فمع انتشار المخدرات في بيئات الفقر والنزوح، بدأت بعض شبكات الإنتاج والتهريب تستفيد من حالة التعبئة العاطفية والعداء المتبادل بين طرفي الصراع.وللأسف نجحت هذه الشبكات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في التأثير على قطاعات من الشباب في الجانبين خاصة اولئك الذين يعانون من الادمان او الضعف النفسي او الاجتماعي عبر تغذية خطاب الكراهية وتمجيد العنف بوصفه طريقاً للنصر.وفي وسائل التواصل الاجتماعي وخطابات التعبئة الحربية تتردد شعارات مثل “بل بس” و “جغم بس”، بينما تتحول عبارات مثل “الله أكبر” إلى هتافات ترافق لحظات القتل أو الذبح في ساحات القتال أو في المقاطع المصورة المتداولة على الإنترنت.وهنا يظهر البعد الأخطر لاقتصاد الحرب:حين يتحول العنف إلى مادة للتحريض الجماهيري، وتصبح الحرب بيئة مربحة لشبكات الذهب والتهريب والمخدرات، تتشكل منظومة كاملة تستفيد من استمرار القتال.المشكلة الأساسية التي يواجهها السودان اليوم ليست فقط الحرب نفسها، بل تحول الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد صراع.فإذا ترسخ اقتصاد الظل القائم على الذهب والمخدرات والتهريب، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور ما يسميه بعض الباحثين:“دولة المليشيات الاقتصادية”حيث تصبح الجماعات المسلحة فاعلاً اقتصادياً مستقلاً عن الدولة.وفي هذه الحالة لن يكون إنهاء الحرب مجرد اتفاق سياسي بين الجنرالات، بل سيصبح عملية معقدة لتفكيك شبكة اقتصادية كاملة نشأت حول الصراع.إن أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار الذي لحق بالمدن والقرى، بل التحول العميق في طبيعة الاقتصاد نفسه.فحين تصبح مناجم الذهب وشبكات التهريب ومصانع المخدرات جزءاً من منظومة تمويل الصراع، تتحول الحرب من أزمة سياسية قابلة للحل إلى اقتصاد قائم بذاته يستفيد من استمرار الفوضى.وفي مثل هذه اللحظات يصبح السلام أكثر تعقيداً، لأن إنهاء القتال لا يعني فقط إسكات البنادق، بل يتطلب أيضاً تفكيك شبكات المصالح الاقتصادية التي نشأت حول الحرب — شبكات تهريب الذهب، وأسواق السلاح، ومصانع المخدرات التي بدأت تنمو في ظلال الفوضى.إن السودان لا يواجه اليوم مجرد صراع على السلطة بين جنرالات، بل يواجه خطر الانزلاق إلى نموذج الدول التي تهيمن عليها اقتصادات الجريمة المنظمة.ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة وقف الحرب، بل معركة استعادة الدولة نفسها — دولة يعود فيها الذهب مورداً للتنمية لا لشراء السلاح، ويعود فيها الأطفال إلى المدارس بدلاً من أن تُغلق أبوابها بينما تُفتح مصانع المخدرات.فمستقبل السودان لن يُحسم في ساحات القتال، بل في قدرة السودانيين على كسر الحلقة المدمرة التي تربط بين الحرب واقتصادها الخفي.وإن لم يحدث ذلك، فقد يكتشف السودانيون بعد سنوات أن أخطر ما خلّفته هذه الحرب لم يكن الخراب الذي أصاب المدن، بل الاقتصاد المظلم الذي نشأ في ظلالها — اقتصاد لا يعيش إلا على استمرار الفوضى، ولا يزدهر إلا حين يستمر النزيف.وحينها لن يكون السؤال فقط: كيف انتهت الحرب؟بل سيكون السؤال الأكثر إيلاماً:كيف خسر السودان أبناءه… ومستقبله… في الوقت نفسه؟The post اقتصاد الظل: الذهب والكبتاغون الوقود الحقيقي للحرب في السودان appeared first on صحيفة مداميك.