د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)

Wait 5 sec.

* لم تخلُ رحلة العودة من مانشستر إلى لندن من الشجن، إن لم تكن أكثر إيغالاً فيه، مثلما لم تفتقر إلى دموع الشوق لأجمل وطن.. (جفونٌ من الدمع السخين جوارحٌ.. ويومٌ من الحزن المُبرِّح كالحٌ)، بيدَ أن يومنا ذاك لم يكن كالحاً في مجمله لجمال الصحبة وروعة الدندنة وحلاوة الاجترار فيه.* كان الجو ماطراً شديد البرودة مما استدعى من المضيفين العزيزين (أبو بكر شبو وصحبه من عموم المانشستراب) تزويدي مع رفاقي وكان أبرزهم الحبيبين عادل الباز ومزمل صديق؛ بكيماوي (الزلابية) وغاز الخردل (الشاي المقنّن) لزوم التدفئة ولمقتضيات مقارعة الزِيفة في الطريق المُبتل، حيث طلبت منهم أن نزور معقل الرِدز (مانشستر يونايتد) قبل أن نودِّع مدينةً لا تكف سماؤها عن البكاء حتى سمَّاها أهلها (رينشستر)، لكن الطريق إلى معقل الشياطين الحمر كان مغلقاً بسبب مباراةٍ لهم في (البريميير ليغ)، ونحن قومٌ نعشق (الحلاة والحَمَار) ونطلبها ولو في (الأولد ترافورد)، ومع ذلك اكتفيت من غنيمة الردز بالإياب.* ما أن خرجنا إلى الطريق السريع حتى أسند لي رفيقي زاهر مقود الألحان بعد أن أمسك هو مقود السيارة بمهارةٍ معهودةٍ فيه، وطلب مني أن أواصل الانتقاء فاخترت أن يبتدر زورق الألحان رحلته بالعندليب الأسمر.. حاوي الأغنية السودانية ومزمارها الأروع.* اخترت أن أدخل على زيدان من بوابة عبد الوهاب هلاوي البديعة البهية المزركشة الندية؛ (مين علَّمك يا فراش تعبد عيون القاش.. الخُضرة في الضفة وهمس النسيم الماش).. ولي مع زيدان حكايات وروايات ومحبة ممتدة، بدأت عندما كان رحمة الله عليه يداوم على زيارتنا في صحيفة (عالم النجوم) الرياضية يومياً في مبتدأ تسعينات القرن الماضي، وأذكر كيف غنى لنا في (قيدومة) زواج الحبيب الراحل عبد المجيد عبد الرازق رحمة الله عليه؛ بمنزل الأخ الصديق التاج الأمين في حي الطائف (وكان بالنسبة إلينا وقتها في سقط لقط).. بحضور الأحباب الرشيد بدوي عبيد وحسن عبد الرحيم وعبد الباقي خالد عبيد.. ومحجوب محمد أحمد وإسماعيل عطا المنان (رحمة الله عليهما) وثلة من الزملاء والأصدقاء في ليلةٍ غنى فيها زيدان كما لم يغنِ من قبل، وبعدها قررت أن أطلب منه إحياء حفل زواجي ففعل.* لم يكن مقبولاً أن نغادر بستان زيدان من دون أن نجول في أبرز أرجائه ونحصد (كنوز محبة)، ونعطف على (ياما بقيت حيران)؛ ونستمع إلى (لو تعرف اللهفة) و (ما هماك عذابنا).. وقد استعدت في تلك اللحظات ذكريات ليلة زواجي عندما أوكلت إلى الزميل حسن عبد الرحيم مهمة إحضار العندليب الأسمر فطلب مني أن أضع في بطني بطيخة صيفي، لكن زيدان تأخر في الوصول إلى مكان الحفل في نادي الشرطة بري، برغم امتداد فقرة التكريم عندما تبارى أهلي في المريخ في الاحتفاء بي وزينوا جيدي بأكثر من عشر نجمات من الذهب الخالص!* مضى الوقت ولم يصل زيدان وتمدد القلق فبادر الموسيقار كردفاني رحمة الله عليه بإنقاذ الموقف وغنى بكل نداوة الدنيا، حتى وصل زيدان أخيراً بعد أن أرسلنا إليه من يحضره من منزله في ضاحية الحاج يوسف.. وكانت (ساعة سمر).. تجلى فيها العندليب وحلّق خلالها في سماوات الغناء والنغم!* تذكرت وقتها صديقي الأثير وزميلي الصحافي الجميل سراج الدين مصطفى عندما طوَّف بنا في بستان شعراء الأغنية الواحدة فأجاد وأبدع كعادته، وطفرت إلى ذاكرتي (لو تصدِّق) فانتقيتها وكاد زاهر يفقد صوابه من روعتها، وجمال صوت كابلي وآهاته الشهيرة التي جمّل بها رائعة شاعرنا الجميل عبد العزيز جمال الدين (لو تصدق يا شباب عمري المفتِّق.. شلت كل الريد مشاعر حلوة نديانة وخصيبة.. واشتهيت يهلَّ وعدك لي هناء وأفراح وطِيبة.. آه.. آه.. لو بتعرف كيف تهش أشواقنا تهتف لي عيونك.. كيف يِلِح الشوق ويسأل.. كيف ترِقْ أشواقنا ترمز لي عيونك.. كيف يغالي الشوق ويسأل).. وكانت آهات كابلي البديعة الزاهية البهية تنطلق لتملأ الفضاء المزدحم بالغيوم الماطرة وتعطر الدواخل وتشيع الدفء في الأجواء وتشيد (جنَّة لقاء).. وما أحلاها.* على ذكر الحبيب الصديق سراج الدين مصطفى، فقد جمعتني به مكالمة حلوة المعاني ريانة التفاصيل، وكان موضوعها مطالبتي إياه أن يدرج الشاعر المجيد (السوداني الإريتري) محمد مدني في سلسلته وكتابه المتعلق بشعراء الأغنية الواحدة عبر أغنية (دوزنة) التي رددتها فرقة عقد الجلاء الغنائية وابتدع لها الموسيقار عثمان النو لحناً ملائكياً أعاد به اكتشاف عبقرية وشاعرية محمد مدني المبدع الرسام، الذي ينحت من الحروف والكلمات زهوراً ووروداً.. (أحتاج دوزنةً وتراً جديداً لا يُضيف إلى النشيد سوى النشاز.. أحتاج دوزنةً تفك حبالكم عني وتربطني بكم.. كيف التقيتم.. أحتاج مفرزةً من الشعراء والجوعى، لنعلن سخطنا أو ننتهي منا بأغنيةٍ تُذاع)، وقد ختمها ب: (تابعوا من شئتم أو طاوعوا من خفتم، الزاحفون إلى الفجيعة أنتم.. فقط افهموا.. أن لا وثيقة أو وثاق.. ولا حقيقة أو نفاق.. تخفي عن الأطفال عورة من دفنتم من رجال)!* في تلك الإلياذة البديعة حلَّق محمد مدني في عوالم من البهاء وكتب شِعراً مختلفاً لم ينل ما يستحقه من احتفاء الصحافة ومنابر الشعر والثقافة والأدب به.. وفيها يقول: (ألف أفٍ للجميع.. أُولي الأمر الذين تآمروا وتدبروا أمرَ العوائل والعيال.. هذا زمانك يا زلازلُ.. زوجينا ما نكابد أن ننالْ)!! وقال: (هزي بجزعك إنني أشتاق أن ألقاك في وهج الجسد.. مُدِّي بخنجر ناهديك فتستقيم خريطة الإخصاب.. يأتي جيلنا كالرمل منفصلاً.. أحد).. وقال: (للعشق والعشاق مرثيتي وأغنيتي.. لقبرٍ فوق ظهري يبتدرني كلما أزِفَ الستار.. قبضُ المياه هنا وتشكيل الهواء هناك هندسة الدمار.. يا لهفة المأموم صلَّى فرضه قبل الوضوء.. هذا ظلام النار تحرق مشعليها دون ضوء.. كتبي وأطفالي المضوا_ آتون عمداً في القصائد_ في العلاقات الجديدة للكلام.. الفعل بالتنظير بالتنظيم بالتنجيم.. يا حزب الصِدام)!* وفيها يقول: (هذا الحنين إليك عطَّل فيَّ أغنيتي.. أهداني سكوتاً لا يُؤرِّخ للعذاب.. إنه الصخر العجيب.. وقَّعتَه يؤلمك.. أو وقّعَكَ تُصاب)!! هذا جنون وأي جنون.. وتلك مَلَكةٌ شِعرٍ لا تتأتى لبشر.(نواصل)