فيصل محمد صالحالعمل الصحفي يبدو سهلا للناظر إليه من الخارج، لكنه عمل معقد يمر بمراحل متعددة، وفيه وظائف مختلفة، منها مثلا اختلاف دور ووظيفة الكتاب من الصحفيين، وأقصد هنا المحررين. كثير من الكتاب لا علاقة لهم بالعمل الصحفي اليومي، وقد لا يدخلون مكاتب الصحيفة لأشهر، يرسلون مادتهم بالبريد الإليكتروني، وترسل مستحقاتهم إلى حساباتهم البنكية، إلا فيما ندر، وبالتالي هم بعيدون عن متاعب وأعباء العمل اليومي في الصحيفةليس في هذه الإشارات تقليل من دور الكتاب من خارج الصحيفة، لكن تمييز بين الأدوار، وبعض الكتاب سبب في نجاح بعص الصحف بما لهم من جماهيرية ومتابعات.في مصر يسمون الصحفيين الذين يرصدون الاخبار ويجرون التحقيقات والحوارات ويتابعون التغطيات وغيرها “جورنالجية”، وهم عصب العمل الصحفي، حتى لو لم يصبحوا نجوما ولم يعرفهم القراء.داخل طبقة ّالجورنالجية” هناك تقسيمات أخرى ومنها الاسطوات الذين يقومون بدور المايسترو، هم المسؤولون عن تحويل المواد المكتوبة والمستلمة من الصحفيين والكتاب إلى مادة صحفية قابلة للنشر وبتابعون التصميم والتنفيذ حتى تخرج الصحيفة في صورة تسر الناظرين.أستاذنا الراحل نور الدين مدني واحد من أهم الأسطوات في الصحافة السودانية من خلال وظيفة سكرتير التحرير التي شغلها لفترة طويلة في عدة صحف. ومن حسن حظنا، ومن حسن حظ أي صحفي جديد أو تحت التمرين أن يكون مرشده ودليله هو أستاذ نور الدين.عمل أستاذ نور الدين فور تخرجه من الجامعة باحثا اجتماعيا في السجون، لكن حب العمل الإعلامي كان يجري في دمه، فظل يكتب للصحف والإذاعة، حتى جاءت اللحظة المناسبة حين تولى الدكتور جعفر محمد علي بخيت منصب رئيس مجاس الإدارة لدار الصحافة للطباعة والنشر. قرر جعفر بخيت أن يوظف الجامعيين في الوظائف الصحفية، وفتح باب التقديم. تقدم عدد كبير مر بسلسلة من الإجراءات، امتحان ومعاينات، حتى تم اختيار 14 من المتقدمين عرفوا بعد ذلك في الأوساط الصحفية بالكواكب الأربعة عشر، كان من بينهم نور الدين مدني ومحجوب عروة ومحمد عثمان دبايوا والرشيد حميدة وعدد آخر من الذين لم يستمروا في المهنة ومنهم الشيخ درويش.ومن مكارم الخالق أنني عملت وأنا صبي صحافة صغير تحت أمرة أستاذ نور الدين في سكرتارية التحرير. ولم يكن غريبا أن تجد صغار الصحفيين والصحفيات يتجمعون في مكتب نور الدين مدني، فهم يتعلمون هنا كيف تتم صناعة الصحافة، تحت رعاية الاب الحاني والأستاذ الحاسم والإنسان اللطيف. وبحكم احتكاكي به لفترة كنت استمتع بتعليقاته الساخرة وهو يمر على الأوراق التي تحت يده، وهي تعليقات تخصه، يتحدث بها مع نفسه، وعليك أن تلزم الصمت تستمع وتستمتع .كتبت مرة موقف لي معه، ولا بأس من الإعادة. كعادة الصحفيين الجدد الذين يحاولون إثبات أنفسهم كنت ملحقا بقسم التحقيقات، لكني منتشر في كل صفحات الجريدة، أكتب أخبارا ومواد منوعات، وسياسة عالمية وعمود فني…الخ. ومن بين ذلك صفحة أسبوعية اسمها “شؤون عربية” أسلم موادها مساء الإثنين لتنشر في عدد الأربعاء.داهمتني الملاريا اللعينة، وكنت حديث عهد بها، ليست لدينا ملاريا في بورتسودان، في ذلك الوقت، ببساطة لأن ليس هناك بعوض وليست هناك مياه راكدة في الشوارع. تمددت على كنبة في مكتب الاخبار الخارجية في انتظار الترحيل ليوصلني لامتداد ناصر حيث كنت أقيم. دخل الأستاذ نور الدين يسأل عن الصفحة، فاعتذرت بأني مريض، وقف في المكتب وهو يصيح ” دة دلع جديد، عايزين تدخلوا حاجات جديدة في الصحافة…في صحفي بيمرض..؟” بين الخوف والهلع أجبته “لا”. رد سريعا”أيوة..الصحفي بيقع يموت ..نعمل ليه نعي، ما في صحفي بيمرض”قمت وجلست حررت صفحتي وسلمتها وأنا ارتجف من الحمى. غبت اليوم الذي يليه، وحضرت بعدها، وكل من قابلني كان يقول لي أن أستاذ نور الدين يسأل عنك؟ دخلت عنده فهب واقفا ليسأل ويطمئن علي، ثم سألني لماذا حضرت وأنت لا زلت مريضا، وكان ردي “إنت قلت الصحفي ما بيمرض”. تبسم وطلب مني الجلوس، وأعطاني محاضرة طويلة عن الالتزام تجاه القارئ، وكيف أن علينا أن نضغط على أنفسنا بقدر الإمكان لكي نوفي بعهدنا مع القارئ، وأنه طالما أن الصفحة انتظمت وأوجدت قراءا فمن الأفضل ألا تغيب عن موعدها. انتهى من الحديث ثم نادى على أحد السائقين وأمره أن يوصلني إلى المنزل.عشرات القصص يمكن أن تسمعها من صغار الصحفيين والصحفيات عن تعامل أستاذ نور الدين معهم، حسه الإنساني العالي، التزامه تجاه قضايا الشعب مهما كان الثمن وإخلاصه بلا نهاية لمهنة الصحافة.كان أبا فاضلا لعبد الرحمن ومحمد وهالة وهادية وهنادي، وأبا وأخا أكبر وصديقا لنا جميعا ولأجيال من الصحفيين والصحفيات، رحمه الله وأحسن إليه.The post مؤانسة رمضانية (17): رحيل “الأسطى” appeared first on صحيفة مداميك.