م. خيري عبدالرحمن أحمدمدخلفي أعقاب COP28، بدا أن العالم قد دخل مرحلة جديدة من التوافق الدولي حول تسريع التحول الطاقي، The Energy Transition حيث التزمت أكثر من 130 دولة بتثليث قدرات الطاقة المتجددة لتصل إلى نحو 11,000 جيجاواط بحلول عام 2030، بينما تجاوزت الاستثمارات السنوية في الطاقة النظيفة 1.7 تريليون دولار. ومن التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقات المتجددة IRENA فقد أضاف العام 2025 692 قيقاوات الى القدرات المركبة عالمياً ليصل بذلك إجمالي قدرات الطاقات المتجددة الى 5149 قيقاوات، بزيادة 15.5% من العام 2024. وبذلك تفوق نصف الهدف الذي أطلقه نداء أبوظبي 2023 ولازالت هنالك 5 سنوات متبقية لتحقيق الهدف. فاذا ما تواصلت الزيادة السنوبة بنفس النسبة فسوف يتحقق الهدف في العام 2029 مما يعتبر نجاحا كبيراً وسيفتح آفاق واسعة.غير أن اندلاع المواجهة الإقليمية الحالية أعاد طرح سؤال جوهري:كيف يمكن لهذا لنجاح مسار التحول الطاقي أن يستمر عندما يكون أمن الطاقة مهدداً؟هذا التساؤل لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل انعكس بوضوح في تقارير International Energy Agency، التي أكدت أن أمن الطاقة عاد ليتصدر أولويات السياسات في عالم يتسم بتزايد التقلبات الجيوسياسية.الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية كاختبار قاسٍ لمنظومة الطاقة العالميةيمثل مضيق Strait of Hormuz أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة العالمية، حيث يمر عبره ما بين 20 الى 21 مليون برميل نفط يوميا، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي. إضافة الى خمس (20%) من حجم التجارة العالمية للغاز المسال (LNG)كذلك يعتبر المضيق ممر استراتيجي لكافة المواد التي تحتاجها دول الخليج من الأسواق العالمية بما في ذلك مدخلات الطاقة بكافة أنواعها.ومع تصاعد التوترات، شهدت الأسواق:ارتفاع أسعار النفط بنسبة تجاوزت 25% خلال فترات قصيرةزيادة تكاليف التأمين البحري بأكثر من 40%اضطرابات في تدفقات الغاز الطبيعي المسال ووسائل الإمدادوقد كشفت هذه التطورات عن هشاشة النظام الطاقي العالمي، وأكدت أن الاعتماد على منظومة انتقال طاقي غير مكتملة الأركان قد يعرّض الاقتصادات لصدمات حادة. وبغض النظر عن الرأي حول الحرب الحالية التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، فالحديث منذ العام الماضي كان قد تحول الى مكانة الأمن الطاقي في أولويات الطاقة العالمية.في ظل هذه الضغوط، أعادت الدول الصناعية ترتيب أولوياتها، حيث عاد التركيز إلى:أمن الإمدادات للوقود الأحفوريزيادة المخزونات الاستراتيجيةاستقرار الأسعارالسيادة الطاقيةوتجلّى ذلك في أرقام واضحة:تجاوزت الاستثمارات العالمية في النفط والغاز 1 تريليون دولار سنويا في 2025أعادت بعض الدول الأوروبية تشغيل محطات فحم تمثل أكثر من 10% من مزيج الكهرباءارتفعت تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا بنحو 15%وفي هذا السياق، تشير International Energy Agency إلى أن الأمن الطافي لم يعد مقتصراً على الوقود التقليدي، بل يشمل أيضاً المعادن الاستراتيجية ووسائل الإمداد والتكنولوجيا، مع استمرار مخاطر تقلب الأسعار وانقطاع الإمدادات خلال مرحلة الانتقال.الإدارة الأمريكية: من التحذير إلى التوظيف السياسيبرزت الإدارة الأمريكية الحالية كأحد أبرز الفاعلين الذين أعادوا صياغة الخطاب الطاقي، حيث تبنّت نهجاً ناقداً لسياسات الانتقال الطاقي، معتبرة أنها قد تتجاهله لاعتبارات واقعية مرتبطة بالمنافسة الاقتصادية. وقد دفعها ذلك الى العمل على السيطرة على مصادر الموارد الكبيرة.وفي خطاب أمام الأمم المتحدة، وصف Donald Trump سياسات التحول الطاقي بأنها “خديعة الطاقات النظيفة”، في إشارة إلى فجوة محتملة بين الطموح والقدرة التطبيقية.وبالفعل دعمت الأرقام توجه الإدارة الأمريكية:ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من 13 مليون برميل يوميااستحواذها على أكثر من 20% من سوق صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياانخفاض أسعار الطاقة محليًا بنسبة تتراوح بين 10-15% مقارنة بذروة الأزمةوبذلك، تحوّل الخطاب الأمريكي إلى نموذج قائم على مبدأ: الأمن الطاقي أولا.هل تراجع العالم عن التحول الطاقي؟رغم هذه التحولات، لا تشير البيانات إلى تراجع المسار العام للتحول الطاقي:إضافة حوالي 500 قيقاواط من الطاقة المتجددة في عام 2024 فقطإضافة حوالي 700 قيقاواط في العام 2025انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية بأكثر من 80% خلال العقد الأخيروتؤكد International Energy Agency ان الطاقة النظيفة ساهمت في تجنب نحو 2.6 مليار طن من الانبعاثات سنوياً.صحيح أن الوكالة نفسها تشير الآن إلى أن الزخم الجيوسياسي قد فرض أولويات الأمن الطاقي، لكنها تدلل على مرونة الطاقات المتجددة في مواجهة التحديات التي تفرضها توترات النزاعات الدولية. فالمخاوف التي أثارها التصعيد الحالي في الشرق الأوسط حول الإمدادات وتقلب أسعار الوقود الأحفوري (البترول والغاز الطبيعي والمُسال) إنما يؤكد على ضرورة الاستمرار بالاهتمام بالطاقات المتجددة التي تعتمد على المصادر المحلية، وفى مواقعها، وإمكانية استغلالها مباشرة وفوراً، أسوةً على أنها منخفضة التكلفة. وهذه عوامل تدعم الأمن الطاقي وبالتالي يصبح أحد عوامل التحول الطاقي وليس عائقا أو بديلا له.البعد التنموي: رؤية البنك الدولييضيف World Bank بعداً أساسياً لهذا النقاش، حيث يؤكد أن التحدي لا يقتصر على الاستدامة، بل يشمل أيضاً ضمان الوصول إلى طاقة موثوقة وميسورة التكلفة.فحتى اليوم:لا يزال نحو 666 مليون شخص حول العالم بدون كهرباءيعيش أكثر من 565 مليون منهم في أفريقيا جنوب الصحراءوهذا يعكس أن التحول الطاقي في الدول النامية يمثل قضية تنموية وأمنية في آنٍ واحد. ومن اللافت للنظر، ربط البنك الدولي في السنوات الماضية لكافة عمليات التمويل الطاقي بالمشاريع التي ترتبط حصريا بالطاقات النظيفة. وقد واجهنا هذا الأمر في السودان إبان الفترة الإنتقالية حينما تم إستبعاد مشاريع هامة جدا من قائمة المشاريع التي يمكن أن يمولها البنك الدولي، مثل تطوير حقول النفط لزيادة الإنتاج وتطوير حقلي الغاز في مربع 8 وكذلك مصفاة بورتسودان وخزانات الوقود في أرجاء البلاد. صحيح أن أولويات خطة الطاقة الإستراتيجية تطابقت مع شروط تمويل البنك الدولي حيث أنها وضعت التركيز على الطاقات المتجددة كأولوية تساعد في أنتشار الطاقة في أطراف البلاد وسد الفجوة الكبيرة في الحصول على الطاقة Energy Accessمنظور الأمم المتحدة: فجوة التنفيذتشير تقارير United Nations الى أن العالم لا يزال بعيداً عن تحقيق أهداف الطاقة المستدامة بحلول 2030، خصوصاً في مجالات:كفاءة الطاقةالطهي النظيفالوصول للكهرباءوتحذر من أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول حرجة تتطلب موازنة دقيقة بين الطموحات المناخية والواقع الجيوسياسي.البعد الأفريقي والسوداني: الأمن الطاقي كقضية وجوديةلا يقتصر تأثير تصاعد أولوية الأمن الطاقي على الاقتصادات الكبرى، بل يمتد بشكل أكثر حدة إلى القارة الأفريقية، حيث تعتمد العديد من الدول على واردات الوقود لتغطية ما بين 30% الى 80% من احتياجاتها، ما يجعلها شديدة التأثر بتقلبات الأسواق العالمية.وفي هذا السياق، يُعد السودان نموذجا واضحا لهشاشة منظومة الطاقة تحت ضغط الأزمات المركبة. فقد أدت الحرب الداخلية إلى توقف مصفاة الجيلي، وهي أكبر منشأة لتكرير النفط في البلاد، عن العمل، بطاقة تقارب 100 ألف برميل يومياً، كانت تغطي نحو 50-60% من الطلب المحلي.ومع خروجها من الخدمة، أصبح السودان يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المشتقات البترولية لتغطية طلب محلي يُقدّر بنحو 120-140 ألف برميل يومياً، موجهة لقطاعات النقل والكهرباء والزراعة.وقد أدى ذلك إلى:ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين بنسبة تصل إلى 30-40%ضغوط حادة على النقد الأجنبيارتفاع تكاليف النقل والإنتاج الزراعي بنسبة 20-30%زيادة مخاطر انقطاع الإمداداتوفي ظل بيئة دولية تتجه نحو تعظيم أولويات الأمن الطاقي، تصبح الدول الهشة أقل قدرة على تأمين احتياجاتها، ما يعمّق فجوة عدم المساواة في الوصول إلى الطاقة.بين الطموح والواقعية: ملامح مرحلة جديدةتعكس المرحلة الحالية إعادة توازن في التفكير الاستراتيجي العالمي، حيث لم يعد التحول الطاقي مسارا خطيا سريعاً، بل عملية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية.وقد برزت اتجاهات جديدة تشمل:تمديد دور الغاز الطبيعي كوقود انتقالي: وهذا يعني أن يصبح جزءً معتمداً في برامج الإنتقال الطاقي بالرغم من تأثيره على البيئة وزيادة الإنبعاثات.< وهذا التوجه يخدم مصالحنا حيث يمتلك السودان موارد جيدة للغاز الطبيعي على الأرض وعلى البحر (On-Shore & Off-Shore) وما علينا سوى فرض أولوياتنا أمام مؤسسات التمويل الدولية.الاستثمار في تقنيات التخزين للطاقات النظيفة، وكذلك في توسعة وتطوير الشبكات.< وما أحوجنا الى تطوير وتوسعة شبكاتنا للنقل وللتوزيع.خاتمةتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على الطاقة سيزداد بنحو 25% بحلول عام 2040، ما يجعل التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين الاستدامة والأمن.وفي هذا السياق، يمكن القول إن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تُنهِ مسار التحول الطاقي، لكنها أعادت تعريفه وحدوده الواقعية.فالطاقة في عالم اليوم لا يكفي أن تكون فقط نظيفة، بل يجب أن تكون مستدامة وبالتالي آمنة، متاحة، وقابلة للاعتماد.راجع:https://www.irena.org/Publications/2026/Mar/Renewable-capacity-statistics-2026The post في تقريرها الجديد: IRENA تعلن قفزة كبيرة في عام 2025 للطاقات المتجددة تقارب ال 700 قيقاواط .. هل تتسبب الحرب الأمريكية الإيرانية في خلط أولويات الطاقة العالمية من التحول الطاقي الى الأمن الطاقي؟ appeared first on صحيفة مداميك.