الاستاذ محمود محمد طه النموذج الحي لشيطنة الاخوان المسلمين للتغيير

Wait 5 sec.

بثينة تروسهذا المقال موجه إلى الجيل الذي لا يهاب التقدم العلمي والمعرفي، ولا يخشي اعمال الفكر الحر، ويتخذ من وسائل التواصل الحديثة مطيّة لفهم شؤون حياته، أولئك الذين كسروا رهبة عمائم رجال الدين، وفضحوا زيف الإخوان المسلمين في ثورة ديسمبر السلمية، حين تجرؤوا فأنزلوهم من علو المنابر، وكشفوا فسادهم أمام الناس. قد بشر رجل من رحم أرض السودان بأنكم طلائع التغيير، ذاك هو الأستاذ محمود محمد طه، الذي حين تهيب الفلاسفة مطالب الحرية خوفاَ من الفوضى، قدم فهما َ سمحا َعميقاَ مفاده أن الحرية في الإسلام مطلقة، وهي حق أصيل لكل إنسان، بصرف النظر عن ملته أو عنصره. غير أن هذا الحق تقابله مسؤولية حسن التصرف في الحرية، فلا تقيد إلا إذا عجز الفرد عن الوفاء بواجبها، بل وحتى حين تصادر، لا تصادر الا بقوانين دستورية، تحتكم الي الحق والعدل، وليس بانحراف الوعي الجمعي.اليوم، في الذكرى الحادي والأربعين لاستشهاده، آن لكم أن تتساءلوا، لماذا حجبت عنكم حقيقة مشروعه الفكري؟ الذي عرضه للاعتقال ومحاكم الردة والتجريم السياسي حتي عتبات المشنقة والاعدام مبتسماَ، ولماذا باتت سيرته موضوعا يتجنبه البعض اتقاءً للسلامة؟ حتى أن كثير من أولئك الذين أُعجبوا بجده وسبقه في الاستنارة، من المثقفين والنخب الحريصين علي انسان الوطن، من الذين تركوا ميدان الفكر الديني للمهووسين، سرعان ما يستدركون بعبارة، ولكن! في محاولة غير معلنة للقول لسنا من تلاميذه فلا تحاكمونا بما حوكم به! وهو الذي كتب عن الفيدرالية في 1955 والديموقراطية، والهوية لشعب متعدد الثقافات والأديان، وفك التعارض البادي بين نصوص الإسلام واحتياجات الإنسانية المعاصرة، بفهم النص وليس عن عنته، لتسهم أفكاره في معالجة مشاكل جيلكم الحاضر، تحدث عن الاشتراكية كسبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، ونصر قضية المرأة، برفع التمايز والمساواة التامة بين المواطنين من أوسع أبوابها.أذن، فقد آن الأوان أن تنقبوا عن سر العداء والتشويه وتلك الـ (لكن)، وان تفكروا لمن توجه ضمنياَ! الغمار الشعب السوداني؟ ذلك الشعب الذي عاش الأستاذ محمود بين ظهرانيه، وكان اول سجين سياسي في الحركة الوطنية، شهدوا له بكمال الاخلاق والاتساق، عاش بينهم وهو المهندس منذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، ملتصقاَ بالكادحين والعمال، سكن بيوت الجالوص، وأكل طعام الفقراء، وإحساساَ بآلامهم كتب ( ساووا السودانيين في الفقر حتي يتساووا في الغني). لم تودع كتبه في رفوف الجامعات أو فخيم المكتبات، بل وزعت على رجال ونساء الشارع العام، تُشرح للأميين كما تناقش مع المتعلمين. وجاب البلاد محاضراَ لأفكاره، صبورا شجاعا على المعارضة، طوافا بكل فجاج أرض السودان، ملتصقا بقضايا السودانيين وحاضرا في نشر الوعي بخطورة الاخوان المسلمين وما تنطوي عليه حقيقة استخدامهم للدين كوسيلة للحاكمية والمال.ولسوف تجدون الإجابة حاضرة في الكيفية التي شيطن بها العقل الإخواني الإرهابي مطالب التغيير، وأجهض الثورة، عبر استثماره في إخفاقات الأحزاب، وعجزها عن تطوير أنظمتها، واحتكار زعاماتها للقيادة. كما أن أخفاق الحكومة الانتقالية البائن في اتخاذ القرارات المصيرية، وعدم وفائها بمطالب الثورة، أغرى الحركة الإسلامية بالاستثمار في تلك الهشاشة السياسية، فأشعلوها حربا لَعينة مع مليشيات هي من صنع أيديهم ولا تقل عنهم في السوء والاجرام، وبعداء غير أخلاقي، اجتمع فرقاء الإسلام السياسي في صعيد واحد، مع تجار الدين، ومستثمري الحروب، فباعوا سيادة الدولة في سبيل البقاء في السلطة واستدامة الفساد. واستخدموا العواطف الوطنية تحت لافتة ما سمي زوراَ بـحرب الكرامة، في معارك إعلامية صرفت عليها الأموال الطائلة، وتورطت فيها قوى استخبارات إقليمية ودولية، ذات أطماع معروفة في موارد البلاد، وتقسيمها، وتشريد أهلها. قد نجحوا في طمس وتغبيش المجال العام حول المطالب الجوهرية للشعب في الحرية والسلام والعدالة، حتى صارت المدنية والمناداة بإيقاف الحرب سبة يتوارى من سوءاتها من كانوا يبشرون بها. وبسوء يفوق الظن العريض، فرقوا الشباب، وزرعوا الفتنة بينهم، ما بين الترهيب والترغيب، والاعتقالات، والتشريد، والتفرقة العنصرية، وبث الكراهية. وبتلك الوسائل، فرض على الشباب الانحياز لأحد طرفي الحرب، حتى لا يتوحدوا حول رؤية سودانية خالصة، لا تبرر العنف، ولا تعيد إنتاج الاستبداد، بل تؤسس لوطن يبنى بأيدي أبنائه، ليلحق بركب دول الجوار.وهذه هي خلاصة الشيطنة الممنهجة التي حالت بينكم وبين معرفة الرجل وفكرته، فقد واجه الأستاذ محمود محمد طه وتلاميذه هذه الحملة وحدهم في الساحة، عزلًا، مكشوفين، بلا سند سياسي ولا حماية اجتماعية، في وجه تهم الردة والتحريض على القتل. واستخدمت جماعات الإسلام السياسي، مدعومةً بتحالفاتهم الظلامية، سلاح العاطفة الدينية لشعب محب للدين بفطرته، مستعينة بالأزهر ودعاته، ووعاظ الوهابية، وقضاةٍ عطّلوا ضمائرهم، وفقهاء باعوا ذمتهم بأموال السلطة. ومع ذلك كله، لم يكن صراع الأستاذ محمود مع الإسلام، بل مع توظيفه كأداة قمع، ولا مع الشعب، بل من أجله. ولذلك ظل إيمانه بالشعب السوداني ثابتا لا يتزعزع، ويقينه بأن وعيه وإ ن تأخر قادم.The post الاستاذ محمود محمد طه النموذج الحي لشيطنة الاخوان المسلمين للتغيير appeared first on صحيفة مداميك.